تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 136-145

سُورَةُ النُّورِ

صفحات 136-145
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

مَدَنِيَّةٌ وَآيَاتُهَا أَرْبَعٌ وَسِتُّونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: 1] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ [النور: 1] وَهَذِهِ السُّورَةُ أَنْزَلْنَاهَا.
وَإِنَّمَا قُلْنَا مَعْنَى ذَلِكَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَكَادُ تَبْتَدِئُ بِالنَّكِرَاتِ قَبْلَ أَخْبَارِهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ جَوَابًا،

لِأَنَّهَا تُوصَلُ كَمَا يُوصَلُ «الَّذِي» ، ثُمَّ يُخْبَرُ عَنْهَا بِخَبَرٍ سِوَى الصِّلَةِ، فَيُسْتَقْبَحُ الِابْتِدَاءُ بِهَا قَبْلَ الْخَبَرِ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَوْصُولَةً، إِذْ كَانَ يَصِيرُ خَبَرُهَا إِذَا ابْتُدِئُ بِهَا كَالصِّلَةِ لَهَا، وَيَصِيرُ السَّامِعُ خَبَرَهَا كَالْمُتَوَقِّعِ خَبَرَهَا , بَعْدَ إِذْ كَانَ الْخَبَرُ عَنْهَا بَعْدَهَا كَالصِّلَةِ لَهَا.
وَإِذَا ابْتُدِئَ بِالْخَبَرِ عَنْهَا قَبْلَهَا، لَمْ يَدْخُلِ الشَّكُّ عَلَى سَامِعِ الْكَلَامِ فِي مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْلُ أَنَّ السُّورَةَ وَصْفٌ لِمَا ارْتَفَعَ بِشَوَاهِدِهِ , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: 1] فَإِنَّ الْقُرَّاءَ اخْتَلَفَتْ فِي قِرَاءَتِهِ، فَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ

الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ: «وَفَرَّضْنَاهَا» وَيَتَأَوَّلُونَهُ: وَفَصَّلْنَاهَا , وَنَزَّلْنَا فِيهَا فَرَائِضَ مُخْتَلِفَةً.
وَكَذَلِكَ كَانَ مُجَاهِدٌ يَقْرَؤُهُ وَيَتَأَوَّلُهُ

حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّهُ " كَانَ يَقْرَؤُهَا: «وَفَرَّضْنَاهَا» يَعْنِي بِالتَّشْدِيدِ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: 1] قَالَ: «الْأَمْرُ بِالْحَلَالِ، وَالنَّهْي عَنِ الْحَرَامِ» حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ وَقَدْ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ وَجْهًا غَيْرَ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ مُجَاهِدٍ، وَهُوَ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ: وَفَرَّضْنَاهَا عَلَيْكُمْ وَعَلَى مَنْ بَعْدَكُمْ مِنَ النَّاسِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ وَالشَّامِ: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: 1] بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ، بِمَعْنَى: أَوْجَبْنَا مَا فِيهَا مِنَ الْأَحْكَامِ عَلَيْكُمْ , وَأَلْزَمْنَاكُمُوهُ , وَبَيَّنَّا ذَلِكَ لَكُمْ

وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءٌ مِنَ الْقُرَّاءِ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ.
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَصَّلَهَا، وَأَنْزَلَ فِيهَا ضُرُوبًا مِنَ الْأَحْكَامِ، وَأَمَرَ فِيهَا وَنَهَى، وَفَرَضَ عَلَى عِبَادِهِ فِيهَا فَرَائِضَ، فَفِيهَا الْمَعْنَيَانِ كِلَاهُمَا: التَّفْرِيضُ، وَالْفَرْضُ , فَلِذَلِكَ قُلْنَا بِأَيَّةِ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ الصَّوَابَ

ذِكْرُ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بِمَعْنَى الْفَرْضِ وَالْبَيَانِ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ حَدَّثَنِي عَلِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: 1] يَقُولُ: «بَيَّنَّاهَا»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾ [النور: 1] قَالَ: فَرَضْنَاهَا لِهَذَا الَّذِي يَتْلُوهَا مِمَّا فُرِضَ فِيهَا " وَقَرَأَ فِيهَا: ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: 1]

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [النور: 1] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَنْزَلْنَا فِي هَذِهِ السُّورَةِ عَلَامَاتٍ , وَدَلَالَاتٍ عَلَى الْحَقِّ بَيِّنَاتٍ، يَعْنِي: وَاضِحَاتٍ لِمَنْ تَأَمَّلَهَا , وَفَكَّرَ فِيهَا بِعَقْلٍ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَإِنَّهَا الْحَقُّ الْمُبِينُ، وَإِنَّهَا تَهْدِي إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ

: ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [النور: 1] قَالَ: الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ وَالْحُدُودُ ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: 1] يَقُولُ: «لِتَتَذَكَّرُوا بِهَذِهِ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ الَّتِي أَنْزَلْنَاهَا»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَنْ زَنَى مِنَ الرِّجَالِ , أَوْ زَنَتْ مِنَ النِّسَاءِ، وَهُوَ حُرٌّ بِكْرٌ غَيْرُ مُحْصَنٍ

بِزَوْجٍ، فَاجْلِدُوهُ ضَرْبًا مِائَةَ جَلْدَةٍ عُقُوبَةً لِمَا صَنَعَ وَأَتَى مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَا تَأْخُذْكُمْ بِالزَّانِي وَالزَّانِيَةِ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ رَأْفَةٌ، وَهِيَ رِقَّةُ الرَّحْمَةِ فِي دِينِ اللَّهِ، يَعْنِي فِي طَاعَةِ اللَّهِ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِمَا عَلَى مَا أَلْزَمَكُمْ بِهِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَخْذِ الرَّأْفَةِ بِهِمَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ تَرْكُ إِقَامَةِ حَدِّ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، فَأَمَّا إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِمَا الْحَدُّ فَلَمْ تَأْخُذْهُمْ

بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: جَلْدَ ابْنُ عُمَرَ جَارِيَةً لَهُ أَحْدَثَتْ، فَجَلَدَ رِجْلَيْهَا قَالَ نَافِعٌ: وَحَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: وَظَهْرَهَا فَقُلْتُ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2] فَقَالَ: وَأَخَذَتْنِي بِهَا رَأْفَةٌ؟ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنِي أَنْ أَقْتُلَهَا "

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يَقُولُ: ثني عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ " حَدَّ جَارِيَةً لَهُ، فَقَالَ لِلْجَالِدِ، وَأَشَارَ إِلَى رِجْلِهَا وَإِلَى أَسْفَلِهَا، قُلْتُ: فَأَيْنَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2] قَالَ: أَفَأَقْتُلُهَا؟ "

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2] فَقَالَ: «أَنْ تُقِيمَ الْحَدَّ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2] قَالَ: «لَا تُضَيِّعُوا حُدُودَ اللَّهِ»

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿لَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ [النور: 2] لَا تُضَيِّعُوا الْحُدُودَ فِي أَنْ تُقِيمُوهَا.
وَقَالَهَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ "

حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْمَلِكِ، وَحَجَّاجٌ، عَنْ عَطَاءٍ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2] قَالَ: «يُقَامُ حَدُّ اللَّهِ وَلَا يُعَطَّلُ، وَلَيْسَ بِالْقَتْلِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ دَاوُدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: «الْجَلْدُ»

حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْهَبَّارِيُّ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2] قَالَ: «الضَّرْبُ»

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي مِجْلَزٍ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ [النور: 2] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النور: 2] إِنَّا لَنَرْحَمُهُمْ أَنْ يُجْلَدَ الرَّجُلُ حَدًّا، أَوْ تُقْطَعَ يَدُهُ قَالَ: «إِنَّمَا ذَاكَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلسُّلْطَانِ إِذَا رُفِعُوا إِلَيْهِ أَنْ يَدَعَهُمُ رَحْمَةً لَهُمْ حَتَّى يُقِيمَ الْحَدَّ»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2] قَالَ: لَا تُقَامُ الْحُدُودُ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ [النور: 2] «فَتَدَعُوهُمَا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا , وَافْتَرَضَهَا عَلَيْهِمَا»

قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ، أَنَّهُ سَأَلَ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2] أَيْ فِي الْحُدُودِ أَوْ فِي الْعُقُوبَةِ؟ قَالَ: «ذَلِكَ فِيهِمَا جَمِيعًا»

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْآمُلِيُّ قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2] قَالَ: «أَنْ يُقَامَ حَدُّ اللَّهِ وَلَا يُعَطَّلَ، وَلَيْسَ بِالْقَتْلِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَامِرٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2] قَالَ: «الضَّرْبُ الشَّدِيدُ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ [النور: 2] فَتُخَفِّفُوا الضَّرْبَ

عَنْهُمَا، وَلَكِنْ أَوْجِعُوهُمَا ضَرْبًا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: ثنا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2] قَالَ: الْجَلْدُ الشَّدِيدُ "

قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ حَمَّادٍ قَالَ: «يُحَدُّ الْقَاذِفُ وَالشَّارِبُ وَعَلَيْهِمَا ثِيَابُهُمَا.
وَأَمَّا الزَّانِي فَتُخْلَعُ ثِيَابُهُ» وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2] فَقُلْتُ لِحَمَّادٍ: أَهَذَا فِي الْحُكْمِ؟ قَالَ: فِي «الْحُكْمِ وَالْجَلْدِ»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: «يُجْتَهَدُ فِي حَدِّ الزَّانِي وَالْفِرْيَةِ، وَيُخَفَّفُ فِي حَدِّ الشُّرْبِ»

وَقَالَ قَتَادَةُ: " يُخَفَّفُ فِي الشَّرَابِ، وَيُجْتَهَدُ فِي الزَّانِي

وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي إِقَامَةِ حَدِّ اللَّهِ عَلَيْهِمَا الَّذِي افْتَرَضَ عَلَيْكُمْ إِقَامَتَهُ عَلَيْهِمَا.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالصَّوَابِ، لِدَلَالَةِ قَوْلِ اللَّهِ بَعْدَهُ: ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2] ، يَعْنِي فِي طَاعَةِ اللَّهِ الَّتِي أَمَرَكُمْ بِهَا.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ دِينَ اللَّهِ الَّذِي أَمَرَ بِهِ فِي الزَّانِيَيْنِ: إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِمَا، عَلَى مَا أَمَرَ مِنْ جَلْدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ، مَعَ أَنَّ الشِّدَّةَ فِي الضَّرْبِ لَا حَدَّ لَهَا يُوقَفُ عَلَيْهِ، وَكُلُّ ضَرْبٍ أَوَجَعَ فَهُوَ شَدِيدٌ، وَلَيْسَ لِلَّذِي يُوجِعُ فِي الشِّدَّةِ حَدٌّ لَا زِيَادَةَ فِيهِ فَيُؤْمَرُ بِهِ , وَغَيْرُ جَائِزٍ وَصْفُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِأَنَّهُ أَمَرَ بِمَا لَا سَبِيلَ لِلْمَأْمُورِ بِهِ إِلَى مَعْرِفَتِهِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَالَّذِي لِلْمَأْمُورِينَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ السَّبِيلُ هُوَ عَدَدُ الْجَلْدِ عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ، وَذَلِكَ هُوَ إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى مَا قُلْنَا.
وَلِلْعَرَبِ فِي الرَّأْفَةِ لُغَتَانِ: الرَّأْفَةُ بِتَسْكِينِ الْهَمْزَةِ، وَالرَّآفَةُ بِمَدِّهَا، كَالسَّأَمَةِ وَالسَّآمَةِ، وَالْكَأْبَةُ وَالْكَآبَةُ.
وَكَأَنَّ الرَّأْفَةَ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ، وَالرَّآفَةُ الْمَصْدَرُ، كَمَا قِيلَ: ضَؤُلَ ضَآلَةً مِثْلُ فَعَلَ فَعَالَةً، وَقُبَحَ قَبَاحَةً

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: 59] يَقُولُ: إِنْ كُنْتُمْ تُصَدِّقُونَ بِاللَّهِ رَبِّكُمْ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَأَنَّكُمْ فِيهِ مَبْعُوثُونَ لِحَشْرِ الْقِيَامَةِ , وَلِلثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، فَإِنَّ مَنْ كَانَ بِذَلِكَ مُصَدِّقًا فَإِنَّهُ لَا يُخَالِفُ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ خَوْفَ عِقَابِهِ عَلَى

مَعَاصِيهِ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلْيَحْضُرْ جَلْدَ الزَّانِيَيْنِ الْبِكْرَيْنِ وَحَدَّهُمَا إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْوَاحِدَ فَمَا زَادَ: طَائِفَةً.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 95] يَقُولُ: مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَبْلَغِ عَدَدِ

الطَّائِفَةِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِشُهُودِ عَذَابِ الزَّانِيَيْنِ الْبِكْرَيْنِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَقَلُّهُ وَاحِدٌ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: " الطَّائِفَةُ: رَجُلٌ

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلِ بْنِ مُوسَى بْنِ إِسْحَاقَ الْكِنَانِيُّ، وَابْنُ الْقَوَّاسِ، قَالَا: ثنا يَحْيَى بْنُ عِيسَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: 2] قَالَ: الطَّائِفَةُ رَجُلٌ.
قَالَ عَلِيُّ: فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ الْقَوَّاسِ: فَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ "

جارٍ التحميل