تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 73-83

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمُسَوَّمَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الرَّاعِيَةُ

صفحات 73-83
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ [آل عمران: 137] قَالَ: «أَمْثَالٌ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 138] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي أُشِيرَ إِلَيْهِ بِهَذَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِقَوْلِهِ «هَذَا» الْقُرْآنَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، قَالَ: ثنا عَبَّادٌ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 138] قَالَ: «هَذَا الْقُرْآنُ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 138] «وَهُوَ هَذَا الْقُرْآنُ جَعَلَهُ اللَّهُ بَيَانًا لِلنَّاسِ عَامَّةً، وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ خُصُوصًا»

حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 138] «خَاصَّةً»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدٌ، قَالَ: ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 138] «خَاصَّةً» وَقَالَ آخَرُونَ

إِنَّمَا أُشِيرَ بِقَوْلِهِ هَذَا إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلَكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: 137] ثُمَّ قَالَ: " هَذَا الَّذِي عَرَّفْتُكُمْ يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ بَيَانٌ لِلنَّاسِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، بِذَلِكَ.
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: قَوْلُهُ هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ تَذْكِيرِ اللَّهِ جَلَّ ثناؤُهُ الْمُؤْمِنِينَ، وَتَعْرِيفِهِمْ حُدُودَهُ، وَحَضِّهِمْ عَلَى لُزُومِ طَاعَتِهِ، وَالصَّبْرِ عَلَى جِهَادِ أَعْدَائِهِ وَأَعْدَائِهِمْ، لِأَنَّ قَوْلَهُ «هَذَا» إِشَارَةٌ إِلَى حَاضِرٍ، إِمَّا مَرْئِي، وَإِمَّا مَسْمُوعٌ، وَهُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى حَاضِرٍ مَسْمُوعٍ مِنَ الْآيَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ.
فَمَعْنَى الْكَلَامِ: هَذَا الَّذِي أَوْضَحْتُ لَكُمْ وَعَرَّفْتُكُمُوهُ، بَيَانٌ لِلنَّاسِ؛ يَعْنِي بِالْبَيَانِ الشَّرْحَ وَالتَّفْسِيرَ

كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 138] «أَيْ هَذَا تَفْسِيرٌ لِلنَّاسِ إِنْ قَبِلُوهُ»

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، وَالْمُثَنَّى، قَالَا: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ بَيَانٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 138] قَالَ: «مِنَ الْعَمَى» حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، مِثْلَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ﴾ [آل عمران: 138] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالْهُدَى الدَّلَالَةَ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِّ وَمَنْهَجِ الدِّينِ، وَبِالْمَوْعِظَةِ التَّذْكِرَةَ لِلصَّوَابِ وَالرَّشَادِ

كَمَا: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، وَالْمُثَنَّى، قَالَا: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ بَيَانٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: ﴿وَهُدًى﴾ [آل عمران: 138] قَالَ: «مِنَ الضَّلَالَةِ» ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾ [آل عمران: 138] «مِنَ الْجَهْلِ» حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ بَيَانٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 138] «أَيْ لِمَنْ أَطَاعَنِي وَعَرَفَ أَمْرِي»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139] وَهَذَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ تَعْزِيَةٌ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ مِنَ الْجِرَاحِ وَالْقَتْلِ بِأُحُدٍ، قَالَ: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ، يَعْنِي وَلَا تَضْعُفُوا بِالَّذِي نَالَكُمْ

مِنْ عَدُوِّكُمْ بِأُحُدٍ مِنَ الْقَتْلِ وَالْقُرُوحِ، عَنْ جِهَادِ عَدُوِّكُمْ وَحَرْبِهِمْ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: وَهَنَ فُلَانٌ فِي هَذَا الْأَمْرِ فَهُوَ يَهِنُ وَهْنًا: ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران: 139] وَلَا تَأْسَوْا فَتَجْزَعُوا عَلَى مَا أَصَابَكُمْ مِنَ الْمُصِيبَةِ يَوْمَئِذٍ، فَإِنَّكُمْ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ، يَعْنِي الظَّاهِرُونَ عَلَيْهِمْ، وَلَكُمُ الْعُقْبَى فِي الظَّفَرِ وَالنُّصْرَةِ عَلَيْهِمْ، يَقُولُ: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، يَقُولُ: إِنْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِي نَبِيِّي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَعِدُكُمْ، وَفِيمَا يُنْبِئُكُمْ

مِنَ الْخَبَرِ عَمَّا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُكُمْ وَأَمْرُهُمْ

كَمَا: حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: " كَثُرَ فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَتْلُ وَالْجِرَاحُ، حَتَّى خَلَصَ إِلَى كُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمُ الْيَأْسُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْقُرْآنَ، فَآسَى فِيهِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَحْسَنِ مَا آسَى بِهِ قَوْمًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ فَقَالَ: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: 154]

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139] «يُعَزِّي أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَسْمَعُونَ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى قِتَالِ عَدُوِّهِمْ، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْعَجْزِ وَالْوَهَنِ فِي طَلَبِ عَدُوِّهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، قَالَ: ثنا عَبَّادٌ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139] قَالَ: يَأْمُرُ مُحَمَّدًا يَقُولُ: وَلَا تَهِنُوا أَنْ تَمْضُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ [آل عمران: 139] «وَلَا تَضْعُفُوا»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران: 139] يَقُولُ: «وَلَا تَضْعُفُوا»

حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ [آل عمران: 139] قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: «وَلَا تَضْعُفُوا فِي أَمْرِ عَدُوِّكُمْ» ﴿وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: 139] قَالَ: " انْهَزَمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشِّعْبِ، فَقَالُوا: مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ مَا فَعَلَ فُلَانٍ؟ فَنَعَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَتَحَدَّثُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قُتِلَ، فَكَانُوا فِي هَمٍّ وَحُزْنٍ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ، إِذْ عَلَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْجَبَلَ بِخَيْلِ الْمُشْرِكِينَ فَوْقَهُمْ وَهُمْ أَسْفَلَ فِي الشِّعْبِ؛ فَلَمَّا رَأَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرِحُوا، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ لَا قُوَّةَ لَنَا إِلَّا بِكَ، وَلَيْسَ يَعْبُدُكَ بِهَذِهِ الْبَلْدَةِ غَيْرُ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ» قَالَ: وَثَابَ نَفَرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ رُمَاةٌ فَصَعِدُوا فَرَمَوْا خَيْلَ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى هَزَمَهُمُ اللَّهُ، وَعَلَا الْمُسْلِمُونَ الْجَبَلَ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿وَلَا تَهِنُوا﴾ [آل عمران: 139] «أَيْ لَا تَضْعُفُوا» ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [آل عمران: 139] «وَلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا أَصَابَكُمْ» ﴿وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: 139] «أَيْ لَكُمْ تَكُونُ الْعَاقِبَةُ وَالظُّهُورُ» ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 91] «إِنْ كُنْتُمْ صَدَّقْتُمْ نَبِيِّي، بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ عَنِي»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَقْبَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ يُرِيدُ أَنْ يَعْلُوَ عَلَيْهِمُ الْجَبَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ لَا يَعْلُونَ عَلَيْنَا» فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: 140] اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: 140] كِلَاهُمَا بِفَتْحِ الْقَافِ، بِمَعْنَى: إِنْ يَمْسَسْكُمُ الْقَتْلُ وَالْجِرَاحُ يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ مِنْ أَعْدَائِكُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَرْحُ قَتْلٍ وَجِرَاحٍ مِثْلُهُ، وَقَرَأَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قُرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قُرْحٌ مِثْلُهُ) وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ

قَرْحٌ مِثْلُهُ} [آل عمران: 140] بِفَتْحِ الْقَافِ فِي الْحَرْفَيْنِ لِإِجْمَاعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ الْقَتْلُ وَالْجِرَاحُ، فَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ هِيَ الْفَتْحُ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَزْعُمُ أَنَّ الْقَرْحَ وَالْقُرْحَ لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ مَا قُلْنَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْقَرْحَ الْجِرَاحُ وَالْقَتْلُ.
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: 140] قَالَ: «جِرَاحٌ وَقَتْلٌ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، عَنْ عَبَّادٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مُثْلُهُ﴾ [آل عمران: 140] قَالَ: «إِنْ يَقْتُلُوا مِنْكُمْ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَدْ قَتَلْتُمْ مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ، ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: 140] " وَالْقَرْحُ: الْجِرَاحَةُ، وَذَاكُمْ يَوْمَ أُحُدٍ، فَشَا فِي أَصْحَابِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ الْقَتْلُ وَالْجِرَاحَةُ، فَأَخْبَرَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ

أَصَابَهُمْ مِنْ ذَلِكَ مِثْلُ الَّذِي أَصَابَكُمْ، وَأَنَّ الَّذِي أَصَابَكُمْ عُقُوبَةٌ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: 140] قَالَ: " ذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَشَا فِي الْمُسْلِمِينَ الْجِرَاحُ، وَفَشَا فِيهِمُ الْقَتْلُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: 140] يَقُولُ: «إِنْ كَانَ أَصَابَكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ أَصَابَ عَدُوَّكُمْ مِثْلُهُ، يُعَزِّي أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَحُثُّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: 140] وَالْقَرْحُ: «هِيَ الْجِرَاحَاتُ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ [آل عمران: 140] «أَيْ جِرَاحٌ» ﴿فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: 140] «أَيْ جِرَاحٌ مِثْلُهَا»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: ثنا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " نَامَ الْمُسْلِمُونَ وَبِهِمُ الْكُلُومُ - يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ - قَالَ عِكْرِمَةُ: وَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ [آل عمران: 140] فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: 104] ، وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ [آل عمران: 140] فَإِنَّهُ: «إِنْ يُصِبْكُمْ»

كَمَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثنا عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ﴾ [آل عمران: 140] «إِنْ يُصِبْكُمْ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140] أَيَّامَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ، وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140] نَجْعَلُهَا دُوَلًا بَيْنَ النَّاسِ مُصَرَّفَةً، وَيَعْنِي بِالنَّاسِ: الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَدَالَ

الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ سَبْعِينَ، وَأَسَرُوا سَبْعِينَ، وَأَدَالَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِأُحُدٍ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ سَبْعِينَ سِوَى مَنْ جَرَحُوا مِنْهُمْ، يُقَالُ مِنْهُ: أَدَالَ اللَّهُ فُلَانًا مِنْ فُلَانٍ فَهُوَ يُدِيلُهُ مِنْهُ إِدَالَةً إِذَا ظَفَرَ بِهِ فَانْتَصَرَ مِنْهُ مِمَّا كَانَ نَالَ مِنْهُ الْمُدَالُ مِنْهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، عَنْ عَبَّادٍ، عَنِ الْحَسَنِ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140] قَالَ: «جَعَلَ اللَّهُ الْأَيَّامَ دُوَلًا، أَدَالَ الْكُفَّارَ يَوْمَ أُحُدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140] «إِنَّهُ وَاللَّهِ لَوْلَا الدُّوَلُ مَا أُوذِيَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَكِنْ قَدْ يُدَالُ لِلْكَافِرِ مِنَ الْمُؤْمِنِ، وَيُبْتَلَى الْمُؤْمِنُ بِالْكَافِرِ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ وَيَعْلَمَ الصَّادِقَ مِنَ الْكَاذِبِ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلُهُ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140] «فَأَظْهَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَظْهَرَ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ.
وَقَدْ يُدَالُ الْكَافِرُ مِنَ الْمُؤْمِنِ، وَيُبْتَلَى الْمُؤْمِنُ بِالْكَافِرِ، لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ وَيَعْلَمَ الصَّادِقَ مِنَ الْكَاذِبِ، وَأَمَّا مَنِ ابْتُلِيَ مِنْهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَكَانَ عُقُوبَةً بِمَعْصِيَتِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»

جارٍ التحميل