تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 175-183

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

صفحات 175-183
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] يَقُولُ «مَنْ لَمْ يُطِقِ الصَّوْمَ إِلَّا عَلَى جَهْدٍ فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ، وَيُطْعِمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَالْحَامِلُ، وَالْمُرْضِعُ، وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالَّذِي بِهِ سَقَمٌ دَائِمٌ»

حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا عَبِيدَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] قَالَ «هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ، وَالْمَرْءُ الَّذِي كَانَ يَصُومُ فِي شَبَابِهِ، فَلَمَّا كَبِرَ عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، فَهُوَ يُطْعِمُ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا» قَالَ هَنَّادٌ: قَالَ عَبِيدَةُ: قِيلَ لِمَنْصُورٍ الَّذِي يُطْعِمُ كُلَّ يَوْمٍ نِصْفَ صَاعٍ؟ قَالَ: نَعَمْ

حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، قَالَ: سَأَلْتُ مُجَاهِدًا " عَنِ امْرَأَةٍ لِي وَافَقَ تَاسِعُهَا شَهْرَ رَمَضَانَ، وَوَافَقَ حَرًّا شَدِيدًا، فَأَمَرَنِي أَنْ تُفْطِرَ وَتُطْعِمَ.
قَالَ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَتِلْكَ الرُّخْصَةُ أَيْضًا فِي الْمُسَافِرِ، وَالْمَرِيضِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] "

حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ " الْحَامِلُ، وَالْمُرْضِعُ، وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الصَّوْمَ يُفْطِرُونَ فِي رَمَضَانَ، وَيُطْعِمُونَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا.
ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] "

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعْدٍ الْكِنْدِيُّ، قَالَ: ثنا حَفْصٌ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَرْثِ، عَنْ عَلِيٍّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] قَالَ «الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الصَّوْمَ يُفْطِرُ وَيُطْعِمُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ " ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] قَالَ: هُمُ الَّذِينَ يَتَكَلَّفُونَهُ، وَلَا يُطِيقُونَهُ، الشَّيْخُ، وَالشَّيْخَةُ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ أَبِي

إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَرْثِ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ «هُوَ الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، " أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: 184] فَأَفْطَرُوا "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ عَاصِمِ، عَمَّنْ، حَدَّثَهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ «هِيَ مُثْبَتَةٌ لِلْكَبِيرِ، وَالْمُرْضِعِ، وَالْحَامِلِ، وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَ الصِّيَامَ»

حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ.
ثنا سُوَيْدٌ، قَالَ، ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ، مَا قَوْلُهُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: 184] قَالَ " بَلَغَنَا أَنَّ الْكَبِيرَ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعِ الصَّوْمَ يَفْتَدِي مِنْ كُلِّ يَوْمٍ بِمِسْكِينٍ، قُلْتُ: الْكَبِيرُ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الصَّوْمَ، أَوِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُهُ إِلَّا بِالْجَهْدِ؟ قَالَ: بَلِ الْكَبِيرُ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُهُ بِجَهْدٍ، وَلَا بِشَيْءٍ، فَأَمَّا مَنِ اسْتَطَاعَ بِجَهْدٍ فَلْيَصُمْهُ وَلَا عُذْرَ لَهُ فِي تَرْكِهِ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، " ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: 184] الْآيَةَ، كَأَنَّهُ يَعْنِي الشَّيْخَ الْكَبِيرَ "

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَأَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ " نَزَلَتْ فِي الْكَبِيرِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ صِيَامَ رَمَضَانَ فَيَفْتَدِي مِنْ كُلِّ يَوْمٍ بِطَعَامِ مِسْكِينٍ قُلْتُ لَهُ: كَمْ

طَعَامُهُ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: طَعَامُ يَوْمٍ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ يَحْيَى، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] قَالَ «الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي لَا يُطِيقُ الصَّوْمَ يُفْطِرُ وَيُطْعِمُ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا» وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ.
﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] مَنْسُوخٌ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] لِأَنَّ الْهَاءَ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: 184] مِنْ ذَكْرِ الصِّيَامِ.
وَمَعْنَاهُ: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَ الصِّيَامَ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ الْجَمِيعُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مُجْمِعِينَ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مُطِيقًا مِنَ الرِّجَالِ الْأَصِحَّاءِ الْمُقِيمِينَ غَيْرِ الْمُسَافِرِينَ صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ فَغَيْرُ جَائِزٍ لَهُ الْإِفْطَارُ فِيهِ، وَالِافْتِدَاءُ مِنْهُ بِطَعَامِ مِسْكِينٍ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ.
هَذَا مَعَ مَا يُؤَيِّدُ هَذَا الْقَوْلَ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا آنِفًا عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ، مِنْ أَنَّهُمْ كَانُوا بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ صَوْمِهِ وَسُقُوطِ الْفِدْيَةِ عَنْهُمْ، وَبَيْنَ الْإِفْطَارِ وَالِافْتِدَاءِ مِنْ إِفْطَارِهِ بِإِطْعَامِ مِسْكِينٍ لِكُلِّ يَوْمٍ وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: 185] فَأَلْزَمُوا فَرْضَ صَوْمِهِ، وَبَطَلَ الْخِيَارُ، وَالْفِدْيَةُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ تَدَّعِي إِجْمَاعًا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ عَلَى أَنَّ مَنَ أَطَاقَ صَوْمَهُ وَهُوَ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفْتُ فَغَيْرُ جَائِزٍ لَهُ إِلَّا صَوْمُهُ، وَقَدْ عَلِمْتَ قَوْلَ مَنْ قَالَ: الْحَامِلُ،

وَالْمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا عَلَى أَوْلَادِهِمَا لَهُمَا الْإِفْطَارُ، وَإِنْ أَطَاقَتَا الصَّوْمَ بِأَبْدَانِهِمَا، مَعَ الْخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي

حَدَّثَنَا بِهِ هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ: ثنا قَبِيصَةُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَتَغَدَّى فَقَالَ: «تَعَالَ أُحَدِّثْكَ، إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ وَالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ» قِيلَ: إِنَّا لَمْ نَدَعْ إِجْمَاعًا فِي الْحَامِلِ، وَالْمُرْضِعِ، وَإِنَّمَا ادَّعَيْنَا فِي الرِّجَالِ الَّذِينَ وَصَفْنَا صِفَتَهُمْ.
فَأَمَّا الْحَامِلُ، وَالْمُرْضِعُ فَإِنَّمَا عَلِمْنَا أَنَّهُنَّ غَيْرُ مَعْنِيَّاتٍ بِقَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: 184] وَخَلَا الرِّجَالِ أَنْ يَكُونُوا مَعْنِيِّينَ بِهِ لِأَنَّهُنَّ لَوْ كُنَّ مَعْنِيَّاتٍ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِنَّ مِنَ الرِّجَالِ لَقِيلَ: وَعَلَى اللَّوَاتِي يُطِقْنَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَلَامُ الْعَرَبِ إِذَا أُفْرِدَ الْكَلَامُ بِالْخَبَرِ عَنْهُنَّ دُونَ الرِّجَالِ؛ فَلَمَّا قِيلَ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: 184] كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْمَعْنِيَّ بِهِ الرِّجَالُ دُونَ النِّسَاءِ، أَوِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ.
فَلَمَّا صَحَّ بِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَطَاقَ مِنَ الرِّجَالِ الْمُقِيمِينَ الْأَصِحَّاءِ صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ فَغَيْرُ مُرَخَّصٍ لَهُ فِي الْإِفْطَارِ وَالِافْتِدَاءِ، فَخَرَجَ الرِّجَالُ مِنْ أَنْ يَكُونُوا مَعْنِيِّينَ بِالْآيَةِ، وَعَلِمَ أَنَّ النِّسَاءَ لَمْ يُرَدْنَ بِهَا لِمَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ الْخَبَرَ عَنِ النِّسَاءِ إِذَا انْفَرَدَ الْكَلَامُ بِالْخَبَرِ عَنْهُنَّ وَعَلَى اللَّوَاتِي يُطِقْنَهُ، وَالتَّنْزِيلُ بِغَيْرِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صَحِيحًا، فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ وَضَعَ عَنِ الْحَامِلِ، وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ مَا دَامَتَا عَاجِزَتَيْنِ عَنْهُ حَتَّى تُطِيقَا فَتَقْضِيَا، كَمَا

وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ فِي سَفَرِهِ حَتَّى يُقِيمَ فَيَقْضِيَهُ، لَا أَنَّهُمَا أُمِرَتَا بِالْفِدْيَةِ، وَالْإِفْطَارِ بِغَيْرِ وُجُوبِ قَضَاءٍ، وَلَوْ كَانَ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ وَالْمُرْضِعِ وَالْحَامِلِ الصَّوْمَ» دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا عَنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَضَعَ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] لَوَجَبَ أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُسَافِرِ إِذَا أَفْطَرَ فِي سَفَرِهِ قَضَاءٌ، وَأَنْ لَا يَلْزَمَهُ بِإِفْطَارِهِ ذَلِكَ إِلَّا الْفِدْيَةُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ حُكْمِهِ وَبَيْنَ حُكْمِ الْحَامِلِ، وَالْمُرْضِعِ، وَذَلِكَ قَوْلٌ إِنْ قَالَهُ قَائِلٌ خِلَافٌ لِظَاهِرِ كِتَابِ اللَّهِ وَلِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ جَمِيعُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: 184] وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَ الطَّعَامَ، وَذَلِكَ لِتَأْوِيلِ أَهْلِ الْعِلْمِ مُخَالِفٌ.
وَأَمَّا قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ: «وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ» فَقِرَاءَةٌ لِمَصَاحِفِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ خِلَافٌ، وَغَيْرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ الِاعْتِرَاضُ بِالرَّأْيِ عَلَى مَا نَقَلَهُ الْمُسْلِمُونَ وِرَاثَةً عَنْ نَبِيِّهِمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَقْلًا ظَاهِرًا قَاطِعًا لِلْعُذْرِ، لِأَنَّ مَا جَاءَتْ بِهِ الْحُجَّةُ مِنَ الدِّينِ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى مَا قَدْ ثَبَتَ وَقَامَتْ بِهِ حُجَّةٌ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ بِالْآرَاءِ وَالظُّنُونِ وَالْأَقْوَالِ الشَّاذَّةِ.
وَأَمَّا مَعْنَى «الْفِدْيَةِ» فَإِنَّهُ الْجَزَاءُ مِنْ قَوْلِكَ: فَدَيْتُ هَذَا بِهَذَا: أَيْ جَزَيْتُهُ بِهِ، وَأَعْطَيْتَهُ بَدَلًا مِنْهُ.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَ الصِّيَامَ جَزَاءٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ لِكُلِّ يَوْمٍ أَفْطَرَهُ مِنْ أَيَّامِ صِيَامِهِ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] فَإِنَّ الْقُرَّاءَ مُخْتَلِفَةٌ فِي قِرَاءَتِهِ، فَبَعْضٌ

يَقْرَأُ بِإِضَافَةِ الْفِدْيَةِ إِلَى الطَّعَامِ، وَخَفْضِ الطَّعَامِ؛ وَذَلِكَ قِرَاءَةُ مُعْظَمِ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ بِمَعْنَى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ أَنْ يَفْدُوهُ طَعَامُ مِسْكِينٍ؛ فَلَمَّا جُعِلَ مَكَانَ أَنْ يَفْدِيَهُ الْفِدْيَةُ أُضِيفَ إِلَى الطَّعَامِ، كَمَا يُقَالُ: لَزِمَنِي غَرَامَةُ دِرْهَمٍ لَكَ بِمَعْنَى لَزِمَنِي أَنْ أَغْرَمَ لَكَ دِرْهَمًا، وَآخَرُونَ يَقْرَءُونَهُ بِتَنْوِينِ الْفِدْيَةِ؛ وَرَفْعُ الطَّعَامِ بِمَعْنَى الْإِبَانَةِ فِي الطَّعَامِ عَنْ مَعْنَى الْفِدْيَةِ الْوَاجِبَةِ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ فِي صَوْمِهِ الْوَاجِبِ، كَمَا يُقَالُ لَزِمَنِي غَرَامَةُ دِرْهَمٍ لَكَ، فَتَبَيَّنَ بِالدِّرْهَمِ عَنْ مَعْنَى الْغَرَامَةِ مَا هِيَ وَمَا حَدُّهَا، وَذَلِكَ قِرَاءَةُ عُظْمِ قُرَّاءِ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: «فِدْيَةٌ طَعَامٌ» بِإِضَافَةِ الْفِدْيَةِ إِلَى الطَّعَامِ؛ لِأَنَّ الْفِدْيَةَ اسْمٌ لِلْفِعْلِ، وَهِيَ غَيْرُ الطَّعَامِ الْمَفْدِيِّ بِهِ الصَّوْمُ.
وَذَلِكَ أَنَّ الْفِدْيَةَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: فَدَيْتُ صَوْمَ هَذَا الْيَوْمِ بِطَعَامِ مِسْكِينٍ، أَفْدِيهِ فِدْيَةً، كَمَا يُقَالُ: جَلَسْتُ جِلْسَةً، وَمَشَيْتُ مِشْيَةً، وَالْفِدْيَةُ فِعْلٌ، وَالطَّعَامُ غَيْرُهَا.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَبَيَّنَ أَنَّ أَصَحَّ الْقِرَاءَتَيْنِ إِضَافَةُ الْفِدْيَةِ إِلَى الطَّعَامِ، وَوَاضِحٌ خَطَأُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ تَرْكَ إِضَافَةِ الْفِدْيَةِ إِلَى الطَّعَامِ أَصَحُّ فِي الْمَعْنَى مِنْ

أَجْلِ أَنَّ الطَّعَامَ عِنْدَهُ هُوَ الْفِدْيَةُ.
فَيُقَالُ لِقَائِلِ ذَلِكَ: قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْفِدْيَةَ مُقْتَضِيَةٌ مَفْدِيًّا وَمَفْدِيًّا بِهِ وَفِدْيَةً، فَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ هُوَ الْفِدْيَةُ وَالصَّوْمُ هُوَ الْمَفْدِيُّ بِهِ، فَأَيْنَ اسْمُ فِعْلِ الْمُفْتَدَى الَّذِي هُوَ فِدْيَةٌ؟ إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ خَطَأٌ بَيِّنٌ غَيْرُ مُشْكِلٍ.
وَأَمَّا الطَّعَامُ فَإِنَّهُ مُضَافٌ إِلَى الْمِسْكِينِ وَالْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ مُخْتَلِفُونَ، فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ بِتَوْحِيدِ الْمِسْكِينِ بِمَعْنَى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ وَاحِدٍ لِكُلِّ يَوْمٍ أَفْطَرَهُ.

كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الرِّفَاعِيُّ، قَالَ: ثنا حُسَيْنُ الْجُعْفِيُّ، عَنْ أَبِي عَمْرٍو: أَنَّهُ قَرَأَ (فِدْيَةٌ) رَفْعٌ مُنَوَّنٌ (طَعَامُ) رَفْعٌ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ (مِسْكِينٍ) . وَقَالَ: عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ " وَعَلَى ذَلِكَ عُظْمِ قُرَّاءِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَقَرَأَهُ آخَرُونَ بِجَمْعِ الْمَسَاكِينِ: (فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ) بِمَعْنَى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ عَنِ الشَّهْرِ إِذَا أَفْطَرَ الشَّهْرَ كُلَّهُ

كَمَا حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الرِّفَاعِيُّ، عَنْ يَعْقُوبَ، عَنْ بَشَّارٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الْحَسَنِ، «طَعَامُ مَسَاكِينَ عَنِ الشَّهْرِ، كُلِّهِ» وَأَعْجَبُ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ طَعَامَ مِسْكِينٍ عَلَى الْوَاحِدِ بِمَعْنَى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ أَفْطَرُوهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ؛ لِأَنَّ فِي إِبَانَةِ حُكْمِ الْمُفْطِرِ يَوْمًا وَاحِدًا وَصُولًا إِلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ الْمُفْطِرِ جَمِيعَ الشَّهْرِ وَلَيْسَ

فِي إِبَانَةِ حُكْمِ الْمُفْطِرِ جَمِيعَ الشَّهْرِ وصُولٌ إِلَى إِبَانَةِ حُكْمِ الْمُفْطِرِ يَوْمًا وَاحِدًا وَأَيَّامًا هِيَ أَقَلُّ مِنْ أَيَّامِ جَمِيعِ الشَّهْرِ، وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يُتَرْجِمُ عَنِ الْجَمِيعِ وَأَنَّ الْجَمِيعَ لَا يُتَرْجَمُ بِهِ عَنِ الْوَاحِدِ، فَلِذَلِكَ اخْتَرْنَا قِرَاءَةَ ذَلِكَ بِالتَّوْحِيدِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي مَبْلَغِ الطَّعَامِ الَّذِي كَانُوا يَطْعَمُونَ فِي ذَلِكَ إِذَا أَفْطِرُوا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ الْوَاجِبُ مِنْ طَعَامِ الْمِسْكِينِ لِإِفْطَارِ الْيَوْمِ الْوَاحِدِ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ قَمْحِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ الْوَاجِبُ مِنْ طَعَامِ الْمِسْكِينِ لِإِفْطَارِ الْيَوْمِ مُدًّا مِنْ قَمْحِ وَمِنْ سَائِرِ أَقْوَاتِهِمْ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ ذَلِكَ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحِ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَا كَانَ الْمُفْطِرُ يَتَقَوَّتُهُ يَوْمَهُ الَّذِي أَفْطَرَهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ ذَلِكَ سُحُورًا وَعَشَاءً يَكُونُ لِلْمِسْكِينِ إِفْطَارًا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ هَذِهِ الْمَقَالَاتِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ فَكَرِهْنَا إِعَادَةَ ذِكْرِهَا

جارٍ التحميل