تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 156-168

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ [البقرة: 226] الَّذِينَ يَقْسِمُونَ أَلِيَّةً، وَالْأَلِيَّةُ: الْحَلِفُ

صفحات 156-168
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: «مَا أُحِبُّ أَنْ يَأْخُذَ، مِنْهَا كُلَّ مَا أَعْطَاهَا حَتَّى يَدَعَ لَهَا مِنْهُ مَا يُعِيشُهَا»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، أَنَّ أَبَاهُ، كَانَ يَقُولُ: " فِي الْمُفْتَدِيَةِ: لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: «لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ امْرَأَتِهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ مِنْ قَلِيلِ مَا تَمْلِكُهُ، وَكَثِيرِهِ.
وَاحْتَجُّوا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ بِعُمُومِ الْآيَةِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ إِحَالَةُ ظَاهِرِ عَامٍّ إِلَى بَاطِنِ خَاصٍّ إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا قَالُوا: وَلَا حُجَّةَ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا بِأَنَّ الْآيَةَ مُرَادٌ بِهَا بَعْضُ الْفِدْيَةِ.
دُونَ بَعْضٍ مِنْ أَصْلٍ أَوْ قِيَاسٍ، فَهِيَ عَلَى ظَاهِرِهَا، وَعُمُومِهَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ، عَنْ كَثِيرٍ، مَوْلَى سَمُرَةَ: أَنَّ عُمَرَ " أُتِيَ بِامْرَأَةٍ نَاشِزٍ، فَأَمَرَ بِهَا إِلَى بَيْتٍ كَثِيرِ الزِّبْلِ ثَلَاثًا، ثُمَّ دَعَا بِهَا فَقَالَ: كَيْفَ وَجَدْتِ؟ قَالَتْ: مَا وَجَدْتُ رَاحَةً مُنْذُ كُنْتُ عِنْدَهُ إِلَّا هَذِهِ اللَّيَالِيَ الَّتِي حَبَسْتَنِي.
فَقَالَ لِزَوْجِهَا: اخْلَعْهَا وَلَوْ مِنْ قُرْطِهَا " حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ كَثِيرٍ، مَوْلَى سَمُرَةَ، قَالَ: أَخَذَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، امْرَأَةً نَاشِزَةً فَوَعَظَهَا،

فَلَمْ تَقْبَلْ بِخَيْرٍ، فَحَبَسَهَا فِي بَيْتٍ كَثِيرِ الزِّبْلِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
وَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَا: ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: " أَنَّ امْرَأَةً، أَتَتْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَشَكَتْ زَوْجَهَا، فَقَالَ: إِنَّهَا نَاشِزٌ.
فَأَبَاتَهَا فِي بَيْتِ الزِّبَلِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ لَهَا: كَيْفَ وَجَدْتِ مَكَانَكِ؟ قَالَتْ: مَا كُنْتُ عِنْدَهُ لَيْلَةً أَقَرُّ لِعَيْنِي مِنْ هَذِهِ اللَّيْلَةِ.
فَقَالَ: خُذْ وَلَوْ عِقَاصَهَا "

حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ: «أَنَّ مَوْلَاةً، لِصَفِيَّةَ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِكُلِّ شَيْءٍ تَمْلِكُهُ إِلَّا مِنْ ثِيَابِهَا، فَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: ثنا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ اللَّهِ، يُحَدِّثُ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: «ذُكِرَ لِابْنِ عُمَرَ مَوْلَاةٌ لَهُ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِكُلِّ مَالٍ لَهَا، فَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ عَلَيْهَا، وَلَمْ يُنْكِرْهُ»

حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ طَلْحَةَ الْيَرْبُوعِيُّ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ: " أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا ثُمَّ

تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] "

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: " فِي الْخُلْعِ: خُذْ مَا دُونَ عِقَاصِ شَعْرِهَا، وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ لِتَفْتَدِيَ بِبَعْضِ مَالِهَا "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: «الْخُلْعُ بِمَا دُونَ عِقَاصِ الرَّأْسِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُ قَالَ: " فِي الْمُخْتَلِعَةِ: خُذْ مِنْهَا وَلَوْ عِقَاصَهَا "

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: «الْخُلْعُ بِمَا دُونَ عِقَاصِ الرَّأْسِ، وَقَدْ تَفْتَدِي الْمَرْأَةُ بِبَعْضِ مَالِهَا»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، أَنَّ الرُّبَيِّعَ ابْنَةَ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ حَدَّثَتْهُ قَالَتْ: " كَانَ لِي زَوْجٌ يَقِلُّ عَلَيَّ الْخَيْرُ إِذَا حَضَرَنِي، وَيَحْرِمُنِي إِذَا غَابَ.
قَالَتْ: فَكَانَتْ مِنِّي زَلَّةُ يَوْمًا، فَقُلْتُ: أَخْتَلِعُ مِنْكَ بِكُلِّ شَيْءٍ أَمْلِكُهُ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَفَعَلْتُ قَالَتْ: فَخَاصَمَ عَمِّي مُعَاذُ بْنُ عَفْرَاءَ إِلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَأَجَازَ الْخُلْعَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ عِقَاصَ

رَأْسِي فَمَا دُونَهُ.
أَوْ قَالَتْ: مَا دُونَ عِقَاصِ الرَّأْسِ "

حَدَّثَنِي ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَا بَأْسَ بِمَا خَلَعَهَا بِهِ مِنْ قَلِيلٍ، أَوْ كَثِيرٍ، وَلَوْ عُقُصَهَا»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «إِنْ شَاءَ أَخَذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ، يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «لِيَأْخُذَ مِنْهَا حَتَّى قُرْطِهَا.
يَعْنِي فِي الْخُلْعِ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ مَوْلَاةٍ لِصَفِيَّةَ ابْنَةِ أَبِي عُبَيْدٍ: «أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِكُلِّ شَيْءٍ لَهَا، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ " أَنَّهُ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] قَالَ: يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، وَسَهْلُ بْنُ يُوسُفَ، وَابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: " قُلْتُ لِرَجَاءَ بْنِ حَيْوَةَ: إِنَّ الْحَسَنَ، يَقُولُ فِي الْمُخْتَلِعَةِ: لَا يَأْخُذُ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا، وَيَتَأَوَّلُ: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: 229] قَالَ رَجَاءٌ: فَإِنَّ قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ، كَانَ يُرَخِّصُ أَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا، وَيَتَأَوَّلُ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] " وَقَالَ آخَرُونَ: هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: 20]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: ثنا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَبْدِ الْوَارِثِ، قَالَ: ثنا عُقْبَةُ بْنُ أَبِي الصَّهْبَاءِ، قَالَ: " سَأَلْتُ بَكْرًا عَنِ الْمُخْتَلِعَةِ، أَيَأْخُذُ مِنْهَا شَيْئًا؟ قَالَ: لَا، وَقَرَأَ: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: 21] "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ، قَالَ: ثنا عُقْبَةُ بْنُ أَبِي الصَّهْبَاءِ، قَالَ: سَأَلْتُ بَكْرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَجُلٍ تُرِيدُ امْرَأَتَهُ مِنْهُ الْخُلْعَ، قَالَ: لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا.
قُلْتُ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] قَالَ: هَذِهِ نُسِخَتْ.
قُلْتُ: فَإِنِّي حَفِظْتُ؟ قَالَ: حَفِظْتُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ

قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [النساء: 20] " وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِذَا خِيفَ مِنَ الرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةِ أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ عَلَى سَبِيلِ مَا قَدَّمْنَا الْبَيَانَ عَنْهُ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا مِنْ زَوْجِهَا مِنْ قَلِيلِ مَا تَمْلِكُهُ وَكَثِيرِهِ مِمَّا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَمْلِكُوهُ، وَإِنْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى جَمِيعِ مُلْكِهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمْ يَخُصَّ مَا أَبَاحَ لَهُمَا مِنْ ذَلِكَ عَلَى حَدٍّ لَا يُجَاوِزُ، بَلْ أَطْلَقَ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَا افْتَدَتْ بِهِ غَيْرَ أَنِّي أَخْتَارُ لِلرَّجُلِ اسْتِحْبَابًا لَا تَحْتِيمًا إِذَا تَبَيَّنَ مِنَ امْرَأَتِهِ أَنَّ افْتَدَاءَهَا مِنْهُ لِغَيْرِ مَعْصِيَةٍ لِلَّهِ، بَلْ خَوْفًا مِنْهَا عَلَى دِينِهَا أَنْ يُفَارِقَهَا بِغَيْرِ فِدْيَةٍ، وَلَا جُعْلٍ؛ فَإِنْ شَحَّتْ نَفْسُهُ بِذَلِكَ، فَلَا يَبْلُغُ بِمَا يَأْخُذُ مِنْهَا جَمِيعَ مَا آتَاهَا.
فَأَمَّا مَا قَالَهُ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ أَنِّ هَذَا الْحُكْمَ فِي جَمِيعِ الْآيَةِ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: 20] فَقَوْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ، فَنَتَشَاغَلُ بِالْإِنَابَةِ عَنْ خَطَئِهِ لِمَعْنَيَيْنِ.
أَحَدُهُمَا: إِجْمَاعُ الْجَمِيعِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، عَلَى تَخْطِئَتِهِ وَإِجَازَةِ أَخْذِ الْفِدْيَةِ مِنَ الْمُفْتَدِيَةِ نَفْسَهَا لِزَوْجِهَا، وَفِي ذَلِكَ الْكِفَايَةُ عَنِ الِاسْتِشْهَادِ عَلَى خَطَئِهِ بِغَيْرِهِ.
وَالْآخَرُ: أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ إِنَّمَا حَرَّمَ اللَّهُ فِيهَا عَلَى زَوْجِ الْمَرْأَةِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا مِمَّا آتَاهَا، بِأَنْ أَرَادَ الرَّجُلُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ بِزَوْجٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُنَالِكَ خَوْفٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمَا بِمَقَامِ أَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ، وَلَا نُشُوزَ مِنَ الْمَرْأَةِ عَلَى الرَّجُلِ.
وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ أَخْذَ الزَّوْجِ مِنَ امْرَأَتِهِ مَالًا عَلَى وَجْهِ الْإِكْرَاهِ لَهَا وَالْإِضْرَارِ بِهَا حَتَّى تُعْطِيَهُ شَيْئًا مِنْ مَالِهَا عَلَى فِرَاقِهَا حَرَامٌ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ حَبَّةَ فِضَّةٍ فَصَاعِدًا.

وَأَمَّا الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّهَا إِنَّمَا دَلَّتْ عَلَى إِبَاحَةِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَهُ أَخْذُ الْفِدْيَةِ مِنْهَا فِي حَالِ الْخَوْفِ عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ بِنُشُوزِ الْمَرْأَةِ، وَطَلَبِهَا فِرَاقَ الرَّجُلِ، وَرَغْبَتِهِ فِيهَا.
فَالْأَمْرُ الَّذِي أَذِنَ بِهِ لِلزَّوْجِ فِي أَخْذِ الْفِدْيَةِ مِنَ الْمَرْأَةِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ضِدُّ الْأَمْرِ الَّذِي نَهَى مِنْ أَجَلِهِ عَنْ أَخْذِ الْفِدْيَةِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، كَمَا الْحَظْرُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ غَيْرُ الطَّلَاقِ وَالْإِبَاحَةِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
فَإِنَّمَا يَجُوزُ فِي الْحُكْمَيْنِ أَنْ يُقَالَ أَحَدُهُمَا نَاسِخٌ إِذَا اتَّفَقَتْ مَعَانِي الْمَحْكُومِ فِيهِ، ثُمَّ خُولِفَ بَيْنَ الْأَحْكَامِ فِيهِ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ، وَالْأَزْمِنَةِ.
وَأَمَّا اخْتِلَافُ الْأَحْكَامِ بِاخْتِلَافِ مَعَانِي الْمَحْكُومِ فِيهِ فِي حَالٍ وَاحِدَةٍ وَوَقْتٍ وَاحِدٍ، فَذَلِكَ هُوَ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ، وَالْمَفْهُومُ فِي الْعَقْلِ، وَالْفِطْرَةِ، وَهُوَ مِنَ النَّاسِخِ، وَالْمَنْسُوخِ بِمَعْزَلٍ.
وَأَمَّا الَّذِي قَالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ مِنْ أَنِّ مَعْنَى الْآيَةِ: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ مِنْهُ، يَعْنِي بِذَلِكَ: مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ، فَنَظِيرُ قَوْلِ بَكْرٍ فِي دَعْوَاهُ نَسْخَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] بِقَوْلِهِ: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: 20] لِادِّعَائِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَيْسَ مَوْجُودًا فِي مَصَاحِفِ الْمُسْلِمِينَ رَسْمُهُ.
وَيُقَالُ لِمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ: قَدْ قَالَ مَنْ قَدْ عَلِمْتَ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ: إِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ مِنْ مِلْكِهَا، فَهَلْ مِنْ حُجَّةٍ تُبَيِّنُ تَهَافُتَهُمْ غَيْرَ الدَّعْوَى، فَقَدِ احْتَجُّوا بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ، وَادَّعَيْتَ فِيهِ خُصُوصًا.
ثُمَّ يَعْكِسُ عَلَيْهِ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ، فَلَنْ يَقُولَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ.
وَقَدْ بَيَّنَّا الْأَدِلَّةَ بِالشَّوَاهِدِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ مَنْ قَالَ لِلزَّوْجِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا كُلَّ مَا أَعْطَتْهُ الْمُفْتَدِيَةُ الَّتِي

أَبَاحَ اللَّهُ لَهَا الِافْتِدَاءَ فِي كِتَابِنَا كِتَابُ «اللَّطِيفِ» فَكَرِهْنَا إِعَادَتَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 229] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: تِلْكَ مَعَالِمُ فُصُولِهِ، بَيْنَ مَا أَحَلَّ لَكُمْ، وَمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، فَلَا تَعْتَدُوا مَا أَحَلَّ لَكُمْ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي بَيَّنَهَا وَفَصَّلَهَا لَكُمْ مِنَ الْحَلَالِ، إِلَى مَا حَرَّمَ

عَلَيْكُمْ، فَتَجَاوَزُوا طَاعَتَهُ إِلَى مَعْصِيَتِهِ.
وَإِنَّمَا عَنَى تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: 229] هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي بَيَّنْتُ لَكُمْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي مَضَتْ مِنْ نِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ الْوَثَنِيَّاتِ، وَإِنْكَاحِ الْمُشْرِكِينَ الْمُسْلِمَاتِ، وَإِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي الْمَحِيضِ، وَمَا قَدْ بُيِّنَ فِي الْآيَاتِ الْمَاضِيَةِ قَبْلَ قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 187] مِمَّا أَحَلَّ لِعِبَادِهِ وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ، وَمَا أَمَرَ، وَنَهَى.
ثُمَّ قَالَ لَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَذِهِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي بَيَّنْتُ لَكُمْ حَلَالَهَا مِنْ حِرَامِهَا حُدُودِي، يَعْنِي بِهِ: مَعَالِمَ فُصُولِ مَا بَيْنَ طَاعَتِي، وَمَعْصِيَتِي فَلَا تَعْتَدُوهَا؛ يَقُولُ: فَلَا تَتَجَاوَزُوا مَا أَحْلَلْتُهُ لَكُمْ إِلَى مَا حَرَّمْتُهُ عَلَيْكُمْ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ إِلَى مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، وَلَا طَاعَتِي إِلَى مَعْصِيَتِي، فَإِنَّ مَنْ تَعَدَّى ذَلِكَ يَعْنِي مَنْ تَخَطَّاهُ وَتَجَاوَزَهُ إِلَى مَا حَرَّمْتُ عَلَيْهِ أَوْ نَهَيْتُهُ، فَإِنَّهُ هُوَ الظَّالِمُ، وَهُوَ الَّذِي فَعَلَ مَا لَيْسَ لَهُ فِعْلُهُ، وَوَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى الظُّلْمِ وَأَصْلِهِ بِشَوَاهِدِهِ الدَّالَّةِ عَلَى مَعْنَاهُ،

فَكَرِهْنَا إِعَادَتَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ وَإِنْ خَالَفَتْ أَلْفَاظُ تَأْوِيلِهِمْ أَلْفَاظَ تَأْوِيلِنَا، غَيْرَ أَنَّ مَعْنَى مَا قَالُوا فِي ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى مَا قُلْنَا فِيهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: " ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: 229] يَعْنِي بِالْحُدُودِ: الطَّاعَةَ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا أَبُو زُهَيْرٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: 229] يَقُولُ: مَنْ طَلَّقَ لِغَيْرِ الْعِدَّةِ فَقَدِ اعْتَدَى وَظَلَمَ نَفْسَهُ، وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ، فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الَّذِي ذُكِرَ عَنِ الضَّحَّاكِ لَا مَعْنَى لَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ لِلطَّلَاقِ فِي الْعِدَّةِ ذِكْرٌ، فَيُقَالُ: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، وَإِنَّمَا جَرَى ذِكْرُ الْعَدَدِ الَّذِي يَكُونُ لِلْمُطَلِّقِ فِيهِ الرَّجْعَةُ، وَالَّذِي لَا يَكُونُ لَهُ فِيهِ الرَّجْعَةُ دُونَ ذِكْرِ الْبَيَانِ عَنِ الطَّلَاقِ لِلْعِدَّةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 230] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْقَوْلُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: دَلَّ عَلَى

أَنَّهُ إِنْ طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ التَّطْلِيقَةَ الثَّالِثَةَ بَعْدَ التَّطْلِيقَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِيهِمَا: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] فَإِنَّ امْرَأَتَهُ تِلْكَ لَا تَحِلُّ لَهُ بَعْدَ التَّطْلِيقَةِ الثَّالِثَةِ حَتَّى

تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، يَعْنِي بِهِ غَيْرَ الْمُطَلِّقِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: " جَعَلَ اللَّهُ الطَّلَاقَ ثَلَاثًا، فَإِذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ تَنْقُضِ الْعِدَّةُ، وَعِدَّتُهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ، فَإِنِ انْقَضَتِ الْعِدَّةُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ رَاجَعَهَا فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ، وَصَارَتْ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا، وَصَارَ خَاطِبًا مِنَ الْخُطَّابِ، فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ طَلَاقَ أَهْلِهِ نَظَرَ حَيْضَتَهَا، حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً فِي قُبْلِ عِدَّتِهَا عِنْدَ شَاهِدَيْ عَدْلٍ، فَإِنْ بَدَا لَهُ مُرَاجَعُتَهَا رَاجَعَهَا مَا كَانَتْ فِي عِدَّتِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ بِوَاحِدَةٍ، وَإِنْ بَدَا لَهُ طَلَاقُهَا بَعْدَ الْوَاحِدَةِ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا نَظَرَ حَيْضَتَهَا، حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً أُخْرَى فِي قُبْلِ عِدَّتَهَا، فَإِنْ بَدَا لَهُ مُرَاجَعَتُهَا رَاجَعَهَا، فَكَانَتْ عِنْدَهُ عَلَى وَاحِدَةٍ، وَإِنْ بَدَا لَهُ طَلَاقُهَا طَلَّقَهَا الثَّالِثَةَ عِنْدَ طُهْرِهَا، فَهَذِهِ الثَّالِثَةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ: " ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] يَقُولُ: إِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَلَا تَحِلُّ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: " إِذَا طَلَّقَ وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ فَلَهُ الرَّجْعَةُ مَا لَمْ تَنْقُضِ الْعِدَّةُ، قَالَ: وَالثَّالِثَةُ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: 230] يَعْنِي بِالثَّالِثَةِ فَلَا رَجْعَةَ لَهُ عَلَيْهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ " حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ، بِنَحْوِهِ

حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ [البقرة: 230] بَعْدَ التَّطْلِيقَتَيْنِ فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ، وَهَذِهِ الثَّالِثَةُ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ دَلَّ هَذَا الْقَوْلُ عَلَى مَا يَلْزَمُ مُسَرِّحَ امْرَأَتِهِ بِإِحْسَانٍ بَعْدَ التَّطْلِيقَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِيهِمَا: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] قَالُوا: وَإِنَّمَا بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِهَذَا الْقَوْلِ عَنْ حُكْمِ قَوْلِهِ: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] وَاعْلَمْ أَنَّهُ إِنْ سَرَّحَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ بَعْدَ التَّطْلِيقَتَيْنِ فَلَا تَحِلُّ لَهُ الْمُسَرَّحَةُ كَذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] قَالَ:

عَادَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالَّذِي قَالَهُ مُجَاهِدٌ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِلَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَبَرِ الَّذِي رُوِّينَاهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: أَوْ سُئِلَ فَقِيلَ: هَذَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229] فَأَيْنَ الثَّالِثَةُ؟ قَالَ: «فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ» . فَأُخْبِرَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّ الثَّالِثَةَ إِنَّمَا هِيَ قَوْلُهُ: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229] فَإِذْا كَانَ التَّسْرِيحُ بِالْإِحْسَانِ هُوَ الثَّالِثَةُ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تُنْكَحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى التَّطْلِيقَةِ الثَّالِثَةِ بِمَعْزَلٍ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا هُوَ بَيَانٌ عَنِ الَّذِي يَحِلُّ لِلْمُسَرِّحِ بِالْإِحْسَانِ إِنْ سَرَّحَ زَوْجَتَهُ بَعْدَ التَّطْلِيقَتَيْنِ، وَالَّذِي يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَالْحَالُ الَّتِي يَجُوزُ لَهُ نِكَاحُهَا فِيهَا، وَإِعْلَامُ عِبَادِهِ أَنَّ بَعْدَ التَّسْرِيحِ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَا رَجْعَةَ لِلرَّجُلِ عَلَى امْرَأَتِهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَأَيُّ النِّكَاحَيْنِ عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230] النِّكَاحُ الَّذِي هُوَ جِمَاعٌ أَمِ النِّكَاحُ الَّذِي هُوَ عَقْدُ تَزْوِيجٍ؟ قِيلَ: كِلَاهُمَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا نَكَحَتْ رَجُلًا نِكَاحَ تَزْوِيجٍ لَمْ

جارٍ التحميل