وَقَوْلُهُ: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم: 23] ذُكِرَ أَنَّهَا قَالَتْ ذَلِكَ فِي حَالِ الطَّلْقِ اسْتِحْيَاءً مِنَ النَّاسِ، كَمَا:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ وَأَبُو كُرَيْبٍ، قَالَا: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: 24] قَالَ: هُوَ الْجَدْوَلُ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿سَرِيًّا﴾ [مريم: 24] قَالَ: نَهْرٌ بِالسُّرْيَانِيَّةِ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَهْرٌ إِلَى جَنْبِهَا
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: 24] قَالَ: كَانَ سَرِيًّا فَقَالَ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: إِنَّ السَّرِيَّ: الْجَدْوَلُ، فَقَالَ: غَلَبَتْنَا عَلَيْكَ الْأُمَرَاءُ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي
حُصَيْنٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: 24] قَالَ: هُوَ الْجَدْوَلُ، النَّهْرُ الصَّغِيرُ، وَهُوَ بِالنَّبَطِيَّةِ: السَّرِيُّ
حَدَّثَنِي أَبُو حُمَيْدٍ الْحِمْصِيُّ، قَالَ: ثنا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُهَاجِرٍ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ عَجْلَانَ قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ السَّرِيِّ، قَالَ: نَهْرٌ
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: النَّهْرُ الصَّغِيرُ
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُ قَالَ: هُوَ النَّهْرُ الصَّغِيرُ: يَعْنِي الْجَدْوَلَ، يَعْنِي قَوْلَهُ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: 24]
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: جَدْوَلٌ صَغِيرٌ بِالسُّرْيَانِيَّةِ
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ ﴿تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: 24] الْجَدْوَلُ الصَّغِيرُ مِنَ الْأَنْهَارِ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: 24] وَالسَّرِيُّ: هُوَ الْجَدْوَلُ، تُسَمِّيهِ أَهْلُ الْحِجَازِ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، فِي قَوْلِهِ ﴿سَرِيًّا﴾ [مريم: 24] قَالَ: هُوَ جَدْوَلٌ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَمَّنْ لَا يُتَّهَمُ وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: 24] يَعْنِي رَبِيعَ الْمَاءِ
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: 24] وَالسَّرِيُّ: هُوَ النَّهْرُ وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِهِ عِيسَى
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: 24] وَالسَّرِيُّ: عِيسَى نَفْسُهُ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: 24] يَعْنِي نَفْسَهُ، قَالَ: وَأَيُّ شَيْءٍ أَسْرَى مِنْهُ، قَالَ: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ: السَّرِيُّ: هُوَ النَّهْرُ لَيْسَ كَذَلِكَ النَّهْرُ، لَوْ كَانَ النَّهْرُ لَكَانَ إِنَّمَا يَكُونُ إِلَى جَنْبِهَا، وَلَا يَكُونُ النَّهْرُ تَحْتَهَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِيلُ مَنْ قَالَ: عَنَى بِهِ الْجَدْوَلَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَعْلَمَهَا مَا قَدْ أَعْطَاهَا اللَّهُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي جَعَلَهُ عِنْدَهَا، وَقَالَ لَهَا ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا فَكُلِي﴾ [مريم: 26] مِنْ هَذَا الرُّطَبِ ﴿وَاشْرَبِي﴾ [مريم: 26] مِنْ هَذَا الْمَاءِ ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: 26] بِوَلَدِكِ، وَالسَّرِيُّ مَعْرُوفٌ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ أَنَّهُ النَّهْرُ الصَّغِيرُ، وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: [البحر الكامل] فَتَوَسَّطَا عُرْضَ السَّرِيِّ وَصَدَّعَا ... مَسْجُورَةً مُتَجَاوِرًا قُلَّامُهَا وَيُرْوَى: مِثْلَمَا مَسْجُورَةً، وَيُرْوَى أَيْضًا: فَغَادَرَا
قَوْلُهُ: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: 25] ذُكِرَ أَنَّ الْجِذْعَ كَانَ جِذْعًا يَابِسًا، وَأَمَرَهَا أَنْ تَهُزَّهُ، وَذَلِكَ فِي أَيَّامِ الشِّتَاءِ، وَهَزُّهَا إِيَّاهُ كَانَ تَحْرِيكُهُ، كَمَا:
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ
: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: 25] قَالَ: حَرِّكِيهَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: 25] قَالَ: كَانَ جِذْعًا يَابِسًا، فَقَالَ لَهَا: هُزِّيهِ ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: 25]
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْمُؤْمِنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَهِيكٍ، يَقُولُ: كَانَتْ نَخْلَةً يَابِسَةً
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ، قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، قَالَ: ثني عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ، قَالَ: سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: 25] فَكَانَ الرُّطَبُ يَتَسَاقَطُ عَلَيْهَا وَذَلِكَ فِي الشِّتَاءِ
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: 25] وَكَانَ جِذْعًا مِنْهَا مَقْطُوعًا فَهَزَّتْهُ، فَإِذَا هُوَ نَخْلَةٌ، وَأُجْرِيَ لَهَا فِي الْمِحْرَابِ نَهْرٌ، فَتَسَاقَطَتِ النَّخْلَةُ رُطَبًا جَنِيًّا فَقَالَ لَهَا: ﴿كُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِالنَّخْلَةِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: 25] قَالَ: النَّخْلَةُ
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عِيسَى بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: 25] قَالَ: الْعَجْوَةُ
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، أَنَّهُ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: 25] قَالَ: فَقَالَ عَمْرٌو: مَا مِنْ شَيْءٍ خَيْرٌ لِلنُّفَسَاءِ مِنَ التَّمْرِ وَالرُّطَبِ وَأُدْخِلَتِ الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: 25] كَمَا يُقَالُ: زَوَّجْتُكَ فُلَانَةَ، وَزَوَّجْتُكَ بِفُلَانَةَ، وَكَمَا قَالَ ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: 20] بِمَعْنَى: تُنْبِتُ الدُّهْنَ.
وَإِنَّمَا تَفْعَلُ الْعَرَبُ بِذَلِكَ، لِأَنَّ الْأَفْعَالَ يُكَنَّى عَنْهَا بِالْبَاءِ، فَيُقَالُ إِذَا كَنَّيْتَ عَنْ ضَرَبْتُ عَمْرًا: فَعَلْتُ بِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ فِعْلٍ، فَلِذَلِكَ تَدْخُلُ الْبَاءُ فِي الْأَفْعَالِ وَتَخْرُجُ، فَيَكُونُ دُخُولُهَا وَخُرُوجُهَا بِمَعْنًى، فَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَهُزِّي إِلَيْكِ جِذْعَ النَّخْلَةِ، وَقَدْ كَانَ لَوْ أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ كَانُوا فَسَّرُوهُ كَذَلِكَ: وَهُزِّي إِلَيْكِ رُطَبًا بِجِذْعِ النَّخْلَةِ، بِمَعْنَى: عَلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ، وَجْهًا صَحِيحًا، وَلَكِنْ لَسْتُ أَحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ أَنَّهُ فَسَّرَهُ كَذَلِكَ.
وَمِنَ الشَّاهِدِ عَلَى دُخُولِ الْبَاءِ فِي مَوْضِعِ دُخُولِهَا
وَخُرُوجِهَا مِنْهُ سَوَاءٌ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
بِوَادٍ يَمَانٍ يُنْبِتُ السِّدْرَ صَدْرُهُ ... وَأَسْفَلُهُ بِالْمَرْخِ وَالشَّبَهَانِ
وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿تُسَاقِطْ﴾ [مريم: 25] فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ: (تَسَّاقَطْ) بِالتَّاءِ مِنْ تَسَّاقَطْ وَتَشْدِيدِ السِّينِ، بِمَعْنَى: تَتَسَاقَطُ عَلَيْكِ النَّخْلَةُ رُطَبًا جَنِيًّا، ثُمَّ تُدْغَمُ إِحْدَى التَّاءَيْنِ فِي الْأُخْرَى فَتُشَدَّدُ، وَكَأَنَّ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ كَذَلِكَ وَجَّهُوا مَعْنَى الْكَلَامِ إِلَى: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تَسَّاقَطُ النَّخْلَةُ عَلَيْكِ رُطَبًا.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: (تُسَاقِطْ) بِالتَّاءِ وَتَخْفِيفِ السِّينِ، وَوُجِّهَ مَعْنَى الْكَلَامِ، إِلَى مِثْلِ مَا وَجَّهَ إِلَيْهِ مُشَدِّدُوهَا، غَيْرَ أَنَّهُمْ خَالَفُوهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ
وَرُوِي عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ: (يَسَّاقَطْ) بِالْيَاءِ.
حَدَّثَنِي بِذَلِكَ، أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ، يَقْرَؤُهُ كَذَلِكَ، وَكَأَنَّهُ وَجَّهَ مَعْنَى الْكَلَامِ إِلَى: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ يَتَسَاقَطُ الْجِذْعُ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا
وَرُوِي عَنْ أَبِي نَهِيكٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ: «تَسْقُطُ» بِضَمِّ التَّاءِ وَإِسْقَاطِ الْأَلِفِ حَدَّثَنَا بِذَلِكَ ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْمُؤْمِنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي نَهِيكٍ، يَقْرَؤُهُ كَذَلِكَ وَكَأَنَّهُ وَجَّهَ مَعْنَى الْكَلَامِ إِلَى: تَسْقُطُ النَّخْلَةُ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ الثَّلَاثَ، أَعْنِي ﴿تُسَاقِطْ﴾ [مريم: 25] بِالتَّاءِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ، وَبِالتَّاءِ وَتَخْفِيفِ السِّينِ، وَبِالْيَاءِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ، قِرَاءَاتٌ مُتَقَارِبَاتُ الْمَعَانِي، قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ قُرَّاءُ أَهْلِ مَعْرِفَةٍ بِالْقُرْآنِ، فَبِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ الصَّوَابَ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجِذْعَ إِذَا تَسَاقَطَ رُطَبًا، وَهُوَ ثَابِتٌ غَيْرُ مَقْطُوعٍ، فَقَدْ تَسَاقَطَتِ النَّخْلَةُ رُطَبًا، وَإِذَا تَسَاقَطَتِ النَّخْلَةُ رُطَبًا، فَقَدْ تَسَاقَطَتِ النَّخْلَةُ بِأَجْمَعِهَا، جِذْعُهَا وَغَيْرُ جِذْعِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ النَّخْلَةَ مَا دَامَتْ قَائِمَةً عَلَى أَصْلِهَا، فَإِنَّمَا هِيَ جِذْعٌ وَجَرِيدٌ وَسَعَفٌ، فَإِذَا قُطِعَتْ صَارَتْ جِذْعًا، فَالْجِذْعُ الَّذِي أُمِرَتْ مَرْيَمُ بِهَزِّهِ لَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ نَعْلَمُهُ أَنَّهُ كَانَ جِذْعًا مَقْطُوعًا غَيْرَ السُّدِّيِّ، وَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ عَادَ بِهَزِّهَا إِيَّاهُ نَخْلَةً، فَقَدْ صَارَ مَعْنَاهُ وَمَعْنَى مَنْ قَالَ: كَانَ الْمُتَسَاقِطُ عَلَيْهَا رُطَبًا نَخْلَةً وَاحِدًا، فَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ صِحَّةُ مَا قُلْنَا
وَقَوْلُهُ: ﴿جَنِيًّا﴾ [مريم: 25] يَعْنِي مَجْنِيًّا، وَإِنَّمَا كَانَ أَصْلُهُ مَفْعُولًا فَصُرِفَ إِلَى فَعِيلٍ، وَالْمَجْنِيُّ: الْمَأْخُوذُ طَرِيًّا، وَكُلُّ مَا أُخِذَ مِنْ ثَمَرِهِ، أَوْ نُقِلَ مِنْ مَوْضِعِهِ
بِطَرَاوَتِهِ فَقَدِ اجْتُنِيَ، وَلِذَلِكَ قِيلَ: فُلَانٌ يَجْتَنِي الْكَمْأَةَ، وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ أُخْتِ جَذِيمَةَ: [البحر الرجز] هَذَا جَنَايَ وَخِيَارُهُ فِيهِ ... إِذْ كُلُّ جَانٍ يَدُهُ إِلَى فِيهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: 26] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَكُلِي مِنَ الرُّطَبِ الَّذِي يَتَسَاقَطُ عَلَيْكِ، وَاشْرَبِي مِنْ مَاءِ السَّرِيِّ الَّذِي جَعَلَهُ رَبُّكِ تَحْتَكِ، لَا تَخْشَيْ جُوعًا وَلَا عَطَشًا ﴿وَقُرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: 26] يَقُولُ:
وَطِيبِي نَفْسًا وَافْرَحِي بِوِلَادَتِكِ إِيَّايَ وَلَا تَحْزَنِي.
وَنُصِبَتِ الْعَيْنُ لِأَنَّهَا هِيَ الْمَوْصُوفَةُ بِالْقَرَارِ.
وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: وَلْتَقْرُرْ عَيْنُكِ بِوَلَدِكِ، ثُمَّ حُوِّلَ الْفِعْلُ عَنِ الْعَيْنِ إِلَى الْمَرْأَةِ صَاحِبَةِ الْعَيْنِ، فَنُصِبَتِ الْعَيْنُ إِذْ كَانَ الْفِعْلُ لَهَا فِي الْأَصْلِ عَلَى التَّفْسِيرِ، نَظِيرُ مَا فُعِلَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ طَبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: 4] وَإِنَّمَا هُوَ: فَإِنْ طَابَتْ أَنْفُسُهُنَّ لَكُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ [هود: 77] وَمِنْهُ قَوْلُهُ: «يَسَّاقَطُ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا» إِنَّمَا هُوَ يَسَّاقَطُ عَلَيْكِ رُطَبُ الْجِذْعِ، فَحَوَّلَ الْفِعْلَ إِلَى الْجِذْعِ، فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَهُ بِالْيَاءِ.
وَفِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَهُ: ﴿تَسَّاقَطْ﴾ [مريم: 25] بِالتَّاءِ، مَعْنَاهُ: يَسَّاقَطُ عَلَيْكِ رُطَبُ النَّخْلَةِ، ثُمَّ حُوِّلَ الْفِعْلُ إِلَى النَّخْلَةِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَقَرِّي﴾ [مريم: 26] . فَأَمَّا أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَقَرَءُوهُ: ﴿وَقَرِّي﴾ [مريم: 26] بِفَتْحِ الْقَافْ عَلَى لُغَةِ مَنْ قَالَ: قَرَرْتُ بِالْمَكَانِ أَقَرُّ بِهِ، وَقَرَرْتُ عَيْنًا، أَقَرُّ بِهِ قُرُورًا، وَهِيَ لُغَةُ قُرَيْشٍ فِيمَا ذُكِرَ لِي وَعَلَيْهَا الْقِرَاءَةُ.
وَأَمَّا أَهْلُ نَجْدٍ فَإِنَّهَا تَقُولُ قَرَرْتُ بِهِ عَيْنًا أَقَرُّ بِهِ قَرَارًا وَقَرَرْتُ بِالْمَكَانِ أَقَرُّ بِهِ، فَالْقِرَاءَةُ عَلَى لُغَتِهِمْ: «وَقِرِّي عَيْنًا» بِكَسْرِ الْقَافْ، وَالْقِرَاءَةُ عِنْدَنَا عَلَى لُغَةِ قُرَيْشٍ بِفَتْحِ الْقَافْ
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: 26] يَقُولُ: فَإِنْ رَأَيْتِ مِنَ بَنِي آدَمَ أَحَدًا يُكَلِّمُكَ أَوْ يَسْأَلُكِ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِكِ وَأَمْرِ وَلَدِكِ وَسَبَبِ وِلَادَتِكِهِ ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26] يَقُولُ: فَقُولِي: إِنِّي أَوْجَبْتُ عَلَى نَفْسِي لِلَّهِ صَمْتًا أَلَّا أُكَلِّمَ أَحَدًا مِنْ بَنِي آدَمَ الْيَوْمَ ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًا﴾ [مريم: 26] وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا
فِي مَعْنَى الصَّوْمِ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26] صَمْتًا
حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ عُثْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ ﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26] قَالَ: صَمْتًا
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26] قَالَ: يَعْنِي بِالصَّوْمِ: الصَّمْتَ
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا، قَرَأَ: «إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا وَصَمْتًا»