تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 509-518

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾

صفحات 509-518
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: 124] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: 124] فَأَتَمَّ إِبْرَاهِيمُ الْكَلِمَاتِ، وَإِتْمَامُهُ إِيَّاهُنَّ إِكْمَالُهُ إِيَّاهُنَّ بِالْقِيَامِ لِلَّهِ بِمَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ فِيهِنَّ وَهُوَ الْوَفَاءُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: 37] يَعْنِي وَفَى بِمَا عُهِدَ إِلَيْهِ بِالْكَلِمَاتِ، فَأَمَرَهُ بِهِ

مِنْ فَرَائِضِهِ وَمَحَنَهُ فِيهَا

كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: 124] أَيْ فَأَدَّاهُنَّ "

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: 124] أَيْ عَمِلَ بِهِنَّ، فَأَتَمَّهُنَّ "

حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: " ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: 124] أَيْ عَمِلَ بِهِنَّ فَأَتَمَّهُنَّ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: 124] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: 124] فَقَالَ اللَّهُ: يَا إِبْرَاهِيمُ إِنِّي مُصَيِّرُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا يُؤْتَمُّ بِهِ وَيُقْتَدَى بِهِ

كَمَا حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: " ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: 124] لِيُؤْتَمَّ بِهِ، وَيُقْتَدَى بِهِ؛ يُقَالُ مِنْهُ: أَمَمْتُ الْقَوْمَ فَأَنَا أَؤُمُّهُمْ أَمًّا وَإِمَامَةً إِذَا كُنْتُ إِمَامَهُمْ " وَإِنَّمَا أَرَادَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ لِإِبْرَاهِيمَ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: 124] إِنِّي مُصَيِّرُكَ

تَؤُمُّ مَنْ بَعْدَكَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِي وَبِرُسُلِي، فَتَقَدَّمَهُمْ أَنْتَ، وَيَتَّبِعُونَ هَدْيَكَ، وَيَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِكَ الَّتِي تَعْمَلُ بِهَا بِأَمْرِي إِيَّاكَ وَوَحْيِي إِلَيْكَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: 124] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لَمَّا رَفَعَ اللَّهُ مَنْزِلَتَهُ وَكَرَّمَهُ، فَأَعْلَمَهُ مَا هُوَ صَانِعٌ بِهِ مِنْ تَصْيِيرِهِ إِمَامًا فِي الْخَيْرَاتِ لِمَنْ فِي عَصْرِهِ وَلِمَنْ جَاءَ بَعْدَهُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَسَائِرِ النَّاسِ غَيْرِهِمْ يُهْتَدَى بِهَدْيهِ وَيُقْتَدَى بِأَفْعَالِهِ وَأَخْلَاقِهِ: يَا رَبِّ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي

فَاجْعَلْ أَئِمَّةً يُقْتَدَى بِهِمْ كَالَّذِي جَعَلْتَنِي إِمَامًا يُؤْتَمُّ بِهِ وَيُقْتَدَى بِي.
مَسْأَلَةً مِنْ إِبْرَاهِيمَ رَبَّهُ سَأَلَهُ إِيَّاهَا

كَمَا حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: " قَالَ إِبْرَاهِيمُ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: 124] يَقُولُ: فَاجْعَلْ مِنْ ذُرِّيَّتِي مَنْ يُؤْتَمُّ بِهِ وَيُقْتَدَى بِهِ " وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: 124] مَسْأَلَةٌ مِنْهُ رَبَّهُ لِعَقِبِهِ أَنْ يَكُونُوا عَلَى عَهْدِهِ وَدِينِهِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35] فَأَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّ فِي عَقِبِهِ الظَّالِمَ الْمُخَالِفَ لَهُ فِي دِينِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124] . وَالظَّاهِرُ مِنَ التَّنْزِيلِ يَدُلُّ عَلَى غَيْرِ الَّذِي قَالَهُ صَاحِبُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: 124] فِي إِثْرِ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: 124] فَمَعْلُومٌ أَنَّ الَّذِيَ سَأَلَهُ إِبْرَاهِيمُ لِذُرِّيَّتِهِ لَوْ كَانَ غَيْرَ الَّذِي أَخْبَرَ رَبُّهُ أَنَّهُ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ لَكَانَ مُبَيَّنًا؛ وَلَكِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَمَّا كَانَتْ مِمَّا جَرَى ذِكْرُهُ، اكْتُفِيَ بِالذِّكْرِ الَّذِي قَدْ مَضَى مِنْ تَكْرِيرِهِ وَإِعَادَتِهِ، فَقَالَ: ﴿وَمَنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: 124] بِمَعْنَى: وَمِنْ

ذُرِّيَّتِي فَاجْعَلْ مِثْلَ الَّذِي جَعَلْتَنِي بِهِ مِنَ الْإِمَامَةِ لِلنَّاسِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124] هَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ أَنَّ الظَّالِمَ لَا يَكُونُ إِمَامًا يَقْتَدِي بِهِ أَهْلُ الْخَيْرِ، وَهُوَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَوَابٌ لَمَّا تُوُهِّمَ فِي مَسْأَلَتِهِ إِيَّاهُ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَئِمَّةً مِثْلَهُ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ فَاعِلٌ ذَلِكَ إِلَّا بِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الظُّلْمِ مِنْهُمْ،

فَإِنَّهُ غَيْرُ مُصَيِّرِهِ كَذَلِكَ، وَلَا جَاعِلِهِ فِي مَحَلِّ أَوْلِيَائِهِ عِنْدَهُ بِالتَّكْرِمَةِ بِالْإِمَامَةِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ إِنَّمَا هِيَ لِأَوْلِيَائِهِ وَأَهْلِ طَاعَتِهِ دُونَ أَعْدَائِهِ وَالْكَافِرِينَ بِهِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْعَهْدِ الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الظَّالِمِينَ أَنْ يَنَالُوهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ الْعَهْدُ هُوَ النُّبُوَّةُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124] يَقُولُ: عَهْدِي: نُبُوَّتِي " فَمَعْنَى قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ الْآيَةِ: لَا يَنَالُ النُّبُوَّةَ أَهْلُ الظُّلْمِ وَالشِّرْكِ وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى الْعَهْدِ عَهْدُ الْإِمَامَةِ، فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى قَوْلِهِمْ: لَا أَجْعَلُ مَنْ كَانَ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بِأَسْرِهِمْ ظَالِمًا

إِمَامًا لِعِبَادِي يُقْتَدَى بِهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124] قَالَ: لَا يَكُونُ إِمَامٌ ظَالِمًا "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " قَالَ اللَّهُ: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124] قَالَ: لَا يَكُونُ إِمَامٌ ظَالِمًا " حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، بِمِثْلِهِ

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " فِي قَوْلِهِ ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124] قَالَ: لَا يَكُونُ إِمَامٌ ظَالِمٌ يُقْتَدَى بِهِ " حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ، قَالَ: ثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا مَسْرُوقُ بْنُ أَبَانَ الْحَطَّابُ، قَالَ: ثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124] قَالَ: لَا أَجْعَلُ إِمَامًا

ظَالِمًا يُقْتَدَى بِهِ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيُّ قَالَ: ثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدِ الزَّنْجِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124] قَالَ: لَا أَجْعَلُ إِمَامًا ظَالِمًا يُقْتَدَى بِهِ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124] قَالَ: لَا يَكُونُ إِمَامًا ظَالِمٌ "

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَمَّا عَطَاءٌ فَإِنَّهُ قَالَ: " ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: 124] فَأَبَى أَنْ يَجْعَلَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ظَالِمًا إِمَامًا؛ قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مَا عَهْدُهُ؟ قَالَ: أَمْرُهُ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهُ لَا عَهْدَ عَلَيْكَ لِظَالِمٍ أَنْ تُطِيعَهُ فِي ظُلْمِهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " قَوْلُهُ: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124] يَعْنِي لَا عَهْدَ لِظَالِمْ عَلَيْكَ فِي ظُلْمِهِ أَنْ تُطِيعَهُ فِيهِ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مُسْلِمٍ الْأَعْوَرِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124] قَالَ: لَيْسَ لِلظَّالِمِينَ عَهْدٌ، وَإِنْ عَاهَدْتَهُ فَانْقُضْهُ "

حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ هَارُونِ بْنِ عَنْتَرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَيْسَ لِظَالِمٍ عَهْدٌ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى الْعَهْدِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْأَمَانُ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى مَعْنَى قَوْلِهِمْ، قَالَ اللَّهُ: لَا يَنَالُ أَمَانِي أَعْدَائِي، وَأَهْلَ الظُّلْمِ لِعِبَادِي؛ أَيْ لَا أُؤَمِّنُهُمْ مِنْ عَذَابِي فِي الْآخِرَةِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124] ذَلِكُمْ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَنَالُ عَهْدَهُ ظَالِمٌ، فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَقَدْ نَالُوا عَهْدَ اللَّهِ، فَوَارَثُو بِهِ الْمُسْلِمِينَ وَعَادُوهُمْ وَنَاكَحُوهُمْ بِهِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَصَرَ اللَّهُ عَهْدَهُ وَكَرَامَتَهُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124] قَالَ: لَا يَنَالُ عَهْدَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ الظَّالِمُونَ، فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَقَدْ نَالَهُ الظَّالِمُ وَأَكَلَ بِهِ وَعَاشَ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ

إِسْرَائِيلَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: " ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124] قَالَ: لَا يَنَالُ عَهْدَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ الظَّالِمُونَ، فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَقَدْ نَالَهُ الظَّالِمُ فَأَمِنَ بِهِ وَأَكَلَ وَأَبْصَرَ وَعَاشَ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْعَهْدُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: دِينُ اللَّهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: " قَالَ اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124] فَقَالَ: فَعَهْدُ اللَّهِ الَّذِي عَهِدَ إِلَى عِبَادِهِ: دِينُهُ.
يَقُولُ: لَا يَنَالُ دِينُهُ الظَّالِمِينَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ يَقُولُ: لَيْسَ كُلُّ ذُرِّيَّتِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ عَلَى الْحَقِّ "

حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124] قَالَ: لَا يَنَالُ عَهْدِي عَدُوٌّ لِي يَعْصِينِي، وَلَا أُنْحِلُهَا إِلَّا وَلِيًّا يُطِيعُنِي " وَهَذَا الْكَلَامُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ ظَاهِرُ خَبَرٍ عَنْ أَنَّهُ لَا يَنَالُ مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ عَهْدَ اللَّهِ الَّذِي هُوَ النُّبُوَّةُ وَالْإِمَامَةُ لِأَهْلِ الْخَيْرِ، بِمَعْنَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَالْعَهْدَ الَّذِي بِالْوَفَاءِ بِهِ يَنْجُو فِي الْآخِرَةَ، مَنْ وَفَّى لِلَّهِ بِهِ فِي الدُّنْيَا، مَنْ كَانَ

مِنْهُمْ ظَالِمًا مُتَعَدِّيًا جَائِرًا عَنْ قَصْدِ سَبِيلِ الْحَقِّ.
فَهُوَ إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِإِبْرَاهِيمَ أَنَّ مِنْ وَلَدِهِ مَنْ يُشْرِكُ بِهِ، وَيَجُوزُ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، وَيَظْلِمُ نَفْسَهُ وَعِبَادَهُ

كَالَّذِي حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، قَالَ: ثَنَا عَتَّابُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 124] قَالَ: إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي ذُرِّيَّتِكَ ظَالِمُونَ " وَأَمَّا نَصْبُ الظَّالِمِينَ، فَلِأَنَّ الْعَهْدَ هُوَ الَّذِي لَا يَنَالُ الظَّالِمِينَ.
وَذُكِرَ أَنَّهُ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمُونَ) بِمَعْنَى أَنَّ الظَّالِمِينَ هُمُ الَّذِينَ لَا يَنَالُونَ عَهْدَ اللَّهِ.
وَإِنَّمَا جَازَ الرَّفْعُ فِي الظَّالِمِينَ وَالنَّصْبُ، وَكَذَلِكَ فِي الْعَهْدِ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا نَالَ الْمَرْءَ فَقَدْ نَالَهُ الْمَرْءُ، كَمَا يُقَالُ: نَالَنِي خَيْرُ فُلَانٍ وَنِلْتُ خَيْرَهُ، فَيُوَجِّهُ الْفِعْلَ مَرَّةً إِلَى الْخَيْرِ وَمَرَّةً إِلَى نَفْسِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الظُّلْمِ فِيمَا مَضَى فَكَرِهْنَا إِعَادَتَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾

[البقرة: 125]

أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً﴾ [البقرة: 125] فَإِنَّهُ عَطْفٌ بِـ «إِذْ» عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: 124] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: 124] مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: {يَا بَنِي

إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ} [البقرة: 40] وَاذْكُرُوا إِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ، وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً.
وَالْبَيْتُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ مَثَابَةً لِلنَّاسِ هُوَ الْبَيْتُ الْحَرَامُ.
وَأَمَّا الْمَثَابَةُ فَإِنَّ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ مُخْتَلِفُونَ فِي مَعْنَاهَا وَالسَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أُنِّثَتْ؛ فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: أُلْحِقَتِ الْهَاءُ فِي الْمَثَابَةِ لَمَّا كَثُرَ مَنْ يَثُوبُ إِلَيْهِ، كَمَا يُقَالُ سَيَّارَةٌ لِمَنْ يُكْثِرُ ذَلِكَ وَنَسَّابَةٌ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: بَلِ الْمَثَابُ وَالْمَثَابَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، نَظِيرُهُ الْمَقَامُ وَالْمَقَامَةُ ذِكْرٌ عَلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ يُرِيدُ بِهِ الْمَوْضِعَ الَّذِي يُقَامُ فِيهِ، وَأُنِّثَتِ الْمَقَامَةُ لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا الْبُقْعَةُ.
وَأَنْكَرَ هَؤُلَاءِ أَنْ تَكُونَ الْمَثَابَةُ كَالسَّيَّارَةِ وَالنَّسَّابَةِ، وَقَالُوا: إِنَّمَا أُدْخِلَتِ الْهَاءُ فِي السَّيَّارَةِ وَالنَّسَّابَةِ تَشْبِيهًا لَهَا بِالدَّاعِيَةِ؛ وَالْمَثَابَةُ مَفْعَلَةٌ مِنْ ثَابَ الْقَوْمُ إِلَى الْمَوْضِعِ: إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ فَهُمْ يَثُوبُونَ إِلَيْهِ مَثَابًا وَمَثَابَةً وَثَوَابًا.
فَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 125] وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَرْجِعًا لِلنَّاسِ وَمَعَاذًا يَأْتُونَهُ كُلَّ عَامٍ وَيَرْجِعُونَ إِلَيْهِ، فَلَا يَقْضُونَ مِنْهُ وَطَرًا.
وَمِنَ الْمَثَابِ قَوْلُ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ فِي صِفَةِ الْحَرَمِ: [البحر الطويل] مَثَابٌ لِأَفْنَاءِ الْقَبَائِلِ كُلِّهَا ... تَخُبُّ إِلَيْهِ الْيَعْمَلَاتُ الصَّلَائِحُ وَمِنْهُ قِيلَ: ثَابَ إِلَيْهِ عَقْلُهُ، إِذَا رَجَعَ إِلَيْهِ بَعْدَ عُزُوبِهِ عَنْهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 125] قَالَ: لَا يَقْضُونَ مِنْهُ وَطَرًا " حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 125] قَالَ: يَثُوبُونَ إِلَيْهِ، لَا يَقْضُونَ مِنْهُ وَطَرًا "

حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 125] قَالَ: أَمَّا الْمَثَابَةُ فَهُوَ الَّذِي يَثُوبُونَ إِلَيْهِ كُلَّ سَنَةٍ لَا يَدَعُهُ الْإِنْسَانُ إِذَا أَتَاهُ مَرَّةً أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 125] قَالَ: لَا يَقْضُونَ مِنْهُ وَطَرًا، يَأْتُونَهُ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَيْهِ "

جارٍ التحميل