تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 339-347

وَقَوْلُهُ: ﴿بِقِيعَةٍ﴾ [النور: 39] وَهِيَ جَمْعُ قَاعٍ، كَالْجِيرَةِ جَمْعُ جَارٍ، وَالْقَاعُ مَا انْبَسَطَ مِنَ الْأَرْضِ وَاتَّسَعَ، وَفِيهِ يَكُونُ السَّرَابُ

صفحات 339-347
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ [النور: 43] قَالَ: " سَنَاهُ: ضَوْءٌ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ " وَقَرَأَتْ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ﴾ [النور: 43] بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ ﴿يَذْهَبُ﴾ [النور: 43] ، سِوَى أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِئِ , فَإِنَّهُ قَرَأَهُ بِضَمِّ الْيَاءِ: (يُذْهِبُ بِالْأَبْصَارِ)

وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا أَخْتَارُ غَيْرَهَا هِيَ فَتْحُهَا، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا، وَأَنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَدْخَلَتِ الْبَاءَ فِي مَفْعُولِ (ذَهَبْتُ) ، لَمْ يَقُولُوا: إِلَّا ذَهَبَ بِهِ، دُونَ أَذْهَبْتُ بِهِ.
وَإِذَا أَدْخَلُوا الْأَلِفَ فِي (أَذْهَبْتُ) ، لَمْ يَكَادُوا أَنْ يُدْخِلُوا الْبَاءَ فِي مَفْعُولِهِ، فَيَقُولُونَ: أَذْهَبَتْهُ، وَذَهَبْتُ بِهِ

وَقَوْلُهُ: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [النور: 44] يَقُولُ: يُعَقِّبُ اللَّهُ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَيُصَرِّفُهُمَا، إِذَا أَذْهَبَ هَذَا , جَاءَ هَذَا، وَإِذَا أَذْهَبَ هَذَا , جَاءَ هَذَا.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: 13] يَقُولُ: إِنَّ فِي إِنْشَاءِ اللَّهِ السَّحَابَ , وَإِنْزَالِهِ مِنْهُ الْوَدْقَ , وَمِنَ السَّمَاءِ الْبَرْدَ , وَفِي تَقْلِيبِهِ اللَّيْلَ

وَالنَّهَارَ، لَعِبْرَةً لِمَنِ اعْتَبَرَ بِهِ , وَعِظَةً لِمَنِ اتَّعَظَ بِهِ مِمَّنْ لَهُ فَهْمٌ وَعَقْلٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنْبِيءُ , وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ مُدَبِّرًا وَمُصَرِّفًا وَمُقَلِّبًا، لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مِنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مِنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النور: 45] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: 45] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ غَيْرَ عَاصِمٍ:

(وَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ دَابَّةٍ) وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَعَاصِمٌ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾ [النور: 45] بِنَصْبِ كُلَّ، و ﴿خَلَقَ﴾ [البقرة: 29] عَلَى مِثَالِ (فَعَلَ) . وَهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِضَافَةَ فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ

ذَلِكَ (خَالِقُ) تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ الْمُضِيُّ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ

وَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: 45] يَعْنِي: مِنْ نُطْفَةٍ ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور: 45] كَالْحَيَّاتِ وَمَا أَشْبَهَهَا.
وَقِيلَ: إِنَّمَا قِيلَ: ﴿فَمِنْهُمْ منْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ [النور: 45] وَالْمَشْي لَا يَكُونُ عَلَى الْبَطْنِ؛ لِأَنَّ الْمَشْيَ إِنَّمَا يَكُونُ لِمَا لَهُ قَوَائِمُ، عَلَى التَّشْبِيهِ، وَأَنَّهُ لَمَّا خَالَطَ مَا لَهُ قَوَائِمُ مَا لَا قَوَائِمَ لَهُ، جَازَ،

كَمَا قَالَ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ [النور: 45] كَالطَّيْرِ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور: 45] كَالْبَهَائِمِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ قِيلَ: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي، وَ (مَنْ) لِلنَّاسِ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ أَوْ أَكْثَرُهَا لِغَيْرِهِمْ؟ قِيلَ: لِأَنَّهُ تَفْرِيقُ مَا هُوَ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ﴾ [النور: 45] وَكَانَ دَاخِلًا فِي ذَلِكَ النَّاسُ وَغَيْرُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: ﴿فَمِنْهُمْ﴾ [البقرة: 253] لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ وَغَيْرِهِمْ فِي ذَلِكَ وَاخْتِلَاطِهِمْ، فَكَنَّى عَنْ جَمِيعِهِمْ كِنَايَتَهُ عَنْ بَنِي آدَمَ، ثُمَّ فَسَّرَهُمْ بِـ (مَنْ) ، إِذْ كَانَ قَدْ كَنَّى عَنْهُمْ كِنَايَةَ بَنِي آدَمَ خَاصَّةً.
﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: 47] يَقُولُ: يُحْدِثُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ مِنَ الْخَلْقِ.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 20] يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ عَلَى إِحْدَاثِ ذَلِكَ وَخَلْقِهِ وَخَلْقِ مَا يَشَاءُ مِنَ الْأَشْيَاءِ غَيْرَهُ، ذُو قُدْرَةٍ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَرَادَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النور: 46] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَقَدْ أَنْزَلْنَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَامَاتٍ وَاضِحَاتٍ، دَالَّاتٍ عَلَى طَرِيقِ الْحَقِّ، وَسَبِيلِ الرَّشَادِ.
﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: 213] : يَقُولُ:

وَاللَّهُ يُرْشِدُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ بِتَوْفِيقِهِ، فَيَهْدِيهِ إِلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ وَالطَّرِيقُ الْقَاصِدُ الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور: 48] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَقُولُ الْمُنَافِقُونَ: صَدَّقْنَا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ.

﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [آل عمران: 23] يَقُولُ: ثُمَّ تُدْبِرُ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا قَالُوا هَذَا الْقَوْلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَدْعُو إِلَى الْمُحَاكَمَةِ إِلَى غَيْرِهِ خَصْمَهَا.
﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 43] يَقُولُ: وَلَيْسَ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ، يَعْنِي قَوْلُهُ: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ [النور: 47] بِالْمُؤْمِنِينَ، لِتَرْكِهِمُ الِاحْتِكَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ إِذَا دُعُوا إِلَيْهِ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النور: 48] يَقُولُ: وَإِذَا دُعِيَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: 23] فِيمَا اخْتَصَمُوا فِيهِ بِحُكْمِ اللَّهِ، ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [النور: 48] عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ وَالرِّضَا بِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [النور: 50] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِنْ يَكُنِ الْحَقُّ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُدْعَوْنَ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، فَيَأْبَوْنَ وَيُعْرِضُونَ عَنِ الْإِجَابَةِ

إِلَى ذَلِكَ، قِبَلَ الَّذِينَ يَدْعُونَهُمْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، يَأْتُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ مُذْعِنِينَ، يَقُولُ ﴿مُذْعِنِينَ﴾ [النور: 49] مُنْقَادِينَ لِحُكْمِهِ،

مُقِرِّينَ بِهِ , طَائِعِينَ غَيْرَ مُكْرَهِينَ؛ يُقَالُ مِنْهُ: قَدْ أَذْعَنَ فُلَانٌ بِحَقِّهِ , إِذَا أَقَرَّ بِهِ طَائِعًا غَيْرَ مُسْتَكْرَهٍ , وَانْقَادَ لَهُ وَسَلَّمَ وَكَانَ مُجَاهِدٌ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ

مَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: 49] قَالَ: سُرَّعًا "

وَقَوْلُهُ: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [النور: 50] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَفِي قُلُوبِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُعْرِضُونَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، شَكٌّ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لِلَّهِ رَسُولٌ , فَهُمْ يَمْتَنِعُونَ مِنَ الْإِجَابَةِ إِلَى حُكْمِهِ وَالرِّضَا بِهِ؟ . ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ [النور: 50] إِذَا احْتَكَمُوا

إِلَى حُكْمِ كِتَابِ اللَّهِ وَحُكْمِ رَسُولِهِ؟

وَقَوْلُهُ: ﴿أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ [النور: 50] وَالْمَعْنَى: أَنْ يَحِيفَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَبَدَأَ بِاللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ تَعْظِيمًا لِلَّهِ، كَمَا يُقَالُ: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئْتَ، بِمَعْنَى شِئْتَ.
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [النور: 48] فَأَفْرَدَ الرَّسُولَ بِالْحُكْمِ، وَلَمْ يَقُلْ:

لِيَحْكُمَا

وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [النور: 50] يَقُولُ: مَا خَافَ هَؤُلَاءِ الْمُعْرِضُونَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ وَحُكْمِ رَسُولِهِ، إِذْ أَعْرَضُوا عَنِ الْإِجَابَةِ إِلَى ذَلِكَ، مِمَّا دُعُوا إِلَيْهِ، أَنْ يَحِيفَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ، فَيَجُورَ فِي حُكْمِهِ عَلَيْهِمْ؛ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ أَهْلُ ظُلْمٍ لِأَنْفُسِهِمْ بِخِلَافِهِمْ أَمْرَ رَبِّهِمْ , وَمَعْصِيَتِهِمُ اللَّهَ فِيمَا أَمَرَهُمْ مِنَ

الرِّضَا بِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا أَحَبُّوا وَكَرِهُوا، وَالتَّسْلِيمِ لَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: 51] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى حُكْمِ اللَّهِ وَإِلَى حُكْمِ رَسُولِهِ، ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: 23] وَبَيْنَ خُصُومِهِمْ، ﴿أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا﴾ [النور: 51] مَا قِيلَ لَنَا، ﴿وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: 285] مَنْ دَعَانَا إِلَى ذَلِكَ.
وَلَمْ يَعْنِ بِكَانَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْخَبَرَ عَنْ أَمْرٍ قَدْ مَضَى فَيُقْضَى، وَلَكِنَّهُ تَأْنِيبٌ مِنَ اللَّهِ الَّذِينَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِسَبَبِهِمْ , وَتَأْدِيبٌ مِنْهُ آخَرِينَ غَيْرَهُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 5] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَالَّذِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ خُصُومِهِمْ، أَنْ يَقُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا.
﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 5] يَقُولُ: هُمُ الْمُنْجَحُونَ الْمُدْرِكُونَ طَلِبَاتِهِمْ، بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ، الْمُخَلَّدُونَ فِي جَنَّاتِ اللَّهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: 52] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِيمَا أَمَرَهُ وَنَهَاهُ، وَيُسَلِّمْ لِحُكْمِهِمَا لَهُ وَعَلَيْهِ، وَيَخَفْ عَاقِبَةَ مَعْصِيَةِ اللَّهِ , وَيَحْذَرْهُ، وَيَتَّقِ عَذَابَ اللَّهَ بِطَاعَتِهِ إِيَّاهُ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ؛ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ [البقرة: 81] يَقُولُ:

فَالَّذِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ بِرِضَا اللَّهِ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ , وَأَمَّنَهُمْ مِنْ عَذَابِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [النور: 53] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَحَلَفَ هَؤُلَاءِ الْمُعْرِضُونَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ وَحُكْمِ رَسُولِهِ إِذْ دُعُوا إِلَيْهِ ﴿بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: 53] يَقُولُ: أَغْلَظَ أَيْمَانِهِمْ وَأَشَدَّهَا: ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ﴾

[النور: 53] يَا مُحَمَّدُ بِالْخُرُوجِ إِلَى جِهَادِ عَدُوِّكَ وَعَدُوِّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿لَيَخْرُجَنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا﴾ [النور: 53] ؛ لَا تَحْلِفُوا، فَإِنَّ هَذِهِ ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ [النور: 53] مِنْكُمْ، فِيهَا التَّكْذِيبُ

كَمَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ [النور: 53] قَالَ: «قَدْ عَرَفْتُ طَاعَتَكُمْ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تَكْذِبُونَ»

﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8] يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ ذُو خِبْرَةٍ بِمَا تَعْمَلُونَ مِنْ طَاعَتِكُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أَوْ خِلَافِكُمْ أَمْرَهُمَا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِكُمْ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَهُوَ مُجَازِيكُمْ بِكُلِّ ذَلِكَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: 54] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ ﴿قُلْ﴾ [البقرة: 80] يَا مُحَمَّدُ , لِهَؤُلَاءِ الْمُقْسِمِينَ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ , وَغَيْرِهِمْ مِنْ أُمَّتِكَ

﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: 32] أَيُّهَا الْقَوْمُ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ , وَ ﴿أَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: 59] فَإِنَّ طَاعَتَهُ لِلَّهِ طَاعَةٌ.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [آل عمران: 32] يَقُولُ: فَإِنْ تُعْرِضُوا وَتُدْبِرُوا عَمَّا أَمَرَكُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ نَهَاكُمْ عَنْهُ، وَتَأْبُوا أَنْ

تُذْعِنُوا لِحُكْمِهِ لَكُمْ وَعَلَيْكُمْ.
﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾ [النور: 54] يَقُولُ: فَإِنَّمَا عَلَيْهِ فِعْلُ مَا أُمِرَ بِفِعْلِهِ مِنْ تَبْلِيغِ رِسَالَةِ اللَّهِ إِلَيْكُمْ، عَلَى مَا كَلَّفَهُ مِنَ التَّبْلِيغِ.
﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ [النور: 54] يَقُولُ: وَعَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ أَنْ تَفْعَلُوا مَا أَلْزَمَكُمْ وَأَوْجَبَ عَلَيْكُمْ مِنَ اتِّبَاعِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالِانْتِهَاءِ إِلَى طَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَكُمْ وَنَهَاكُمْ.
وَقُلْنَا إِنَّ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [آل عمران: 32] بِمَعْنَى: فَإِنْ تَتَوَلَّوْا، فَإِنَّهُ فِي مَوْضِعِ جَزْمٍ؛ لِأَنَّهُ خِطَابٌ لِلَّذِينَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يَقُولَ لَهُمْ ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: 59] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ [النور: 54] وَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ: ﴿تَوَلَّوْا﴾ [البقرة: 115] فِعْلًا مَاضِيًا عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنْ غَيْبٍ، لَكَانَ فِي مَوْضِعِ قَوْلُهُ: ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ [النور: 54] وَعَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: 54] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِنْ تُطِيعُوا أَيُّهَا النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ فِيمَا يَأْمُرُكُمْ وَيَنْهَاكُمْ، تَرْشُدُوا وَتُصِيبُوا الْحَقَّ فِي أُمُورِكُمْ.
﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: 54] يَقُولُ: وَغَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى مَنْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَى قَوْمٍ بِرِسَالَةٍ إِلَّا أَنْ يُبَلِّغَهُمْ رِسَالَتَهُ بَلَاغًا يُبَيِّنُ لَهُمْ ذَلِكَ

الْبَلَاغَ عَمَّا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ , يَقُولُ: فَلَيْسَ عَلَى مُحَمَّدٍ أَيُّهَا النَّاسُ إِلَّا أَدَاءُ رِسَالَةِ اللَّهِ إِلَيْكُمْ , وَعَلَيْكُمُ الطَّاعَةُ؛ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُ لِحُظُوظِ أَنْفُسِكُمْ تُصِيبُونَ، وَإِنْ عَصَيْتُمُوهُ بِأَنْفُسِكُمْ فَتُوبَقُونَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلُيَبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعَبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: 55]

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: 9] بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴿مِنْكُمْ﴾ [البقرة: 65] أَيُّهَا النَّاسُ، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: 25] يَقُولُ: وَأَطَاعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِيمَا أَمَرَاهُ وَنَهَيَاهُ؛ ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: 55] يَقُولُ: لَيُوَرِّثَنَّهُمُ اللَّهُ أَرْضَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، فَيَجْعَلُهُمْ مُلُوكَهَا وَسَاسَتَهَا.
﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: 55] يَقُولُ: كَمَا فَعَلَ مِنْ قَبْلِهِمْ ذَلِكَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ، إِذْ أَهْلِكَ الْجَبَابِرَةَ بِالشَّأْمِ , وَجَعَلَهُمْ مُلُوكَهَا وَسُكَّانَهَا.
﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور: 55] يَقُولُ: وَلَيُوَطِّئَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ، يَعْنِي: مِلَّتَهُمُ الَّتِي ارْتَضَاهَا لَهُمْ فَأَمَرَهُمْ بِهَا.
وَقِيلَ: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا، ثُمَّ تَلْقَى ذَلِكَ بِجَوَابِ الْيَمِينِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ [النور: 55] لِأَنَّ الْوَعْدَ قَوْلٌ يَصْلُحُ فِيهِ (أَنْ) ، وَجَوَابُ الْيَمِينِ كَقَوْلِهِ: وَعَدْتُكَ أَنْ أُكْرِمَكَ، وَوَعَدْتُكَ لَأُكْرِمَنَّكَ.
وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ﴾ [النور: 55] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ الْقُرَّاءِ: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ﴾ [النور: 55] بِفَتْحِ التَّاءِ وَاللَّامِ، بِمَعْنَى: كَمَا اسْتَخْلَفَ اللَّهُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَاصِمٌ: (كَمَا اسْتُخْلِفَ) بِضَمِّ التَّاءِ , وَكَسْرِ اللَّامِ، عَلَى مَذْهَبِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ.
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ [النور: 55] فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ سِوَى عَاصِمٍ: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ [النور: 55] بِتَشْدِيدِ الدَّالِ، بِمَعْنَى: وَلَيُغَيِّرَنَّ حَالَهُمْ عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْخَوْفِ إِلَى الْأَمْنِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ بَدَّلَ فُلَانٌ: إِذَا غُيِّرَتْ حَالُهُ وَلَمْ يَأْتِ

مَكَانَ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ مُغَيِّرٍ عَنْ حَالِهِ فَهُوَ عِنْدَهُمْ مُبَدِّلٌ بِالتَّشْدِيدِ.
وَرُبَّمَا قِيلَ بِالتَّخْفِيفِ، وَلَيْسَ بِالْفَصِيحِ.
فَأَمَّا إِذَا جَعَلَ مَكَانَ الشَّيْءِ الْمُبْدَلِ غَيْرَهُ، فَذَلِكَ بِالتَّخْفِيفِ: أَبْدَلْتُهُ فَهُوَ مُبَدَّلٌ.
وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ: أَبْدَلَ هَذَا الثَّوْبَ: أَيْ جَعَلَ مَكَانَهُ آخَرَ غَيْرَهُ، وَقَدْ يُقَالُ بِالتَّشْدِيدِ؛ غَيْرَ أَنَّ الْفَصِيحَ مِنَ الْكَلَامِ مَا وَصَفْتُ.
وَكَانَ عَاصِمٌ يَقْرَؤُهُ: (وَلَيُبْدِلَنَّهُمْ) بِتَخْفِيفِ الدَّالِ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ: التَّشْدِيدُ، عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْتُ قَبْلُ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنْ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ ذَاكَ تَغْيِيرُ حَالِ الْخَوْفِ إِلَى الْأَمْنِ.
وَأَرَى عَاصِمًا ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْأَمْنَ لَمَّا كَانَ خِلَافَ الْخَوْفِ وَجَّهَ الْمَعْنَى إِلَى أَنَّهُ ذَهَبَ بِحَالِ الْخَوْفِ , وَجَاءَ بِحَالِ الْأَمْنِ، فَخَفَّفَ ذَلِكَ.
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ التَّخْفِيفَ إِنَّمَا هُوَ مَا كَانَ فِي إِبْدَالِ شَيْءٍ مَكَانَ آخَرَ، قَوْلُ أَبِي النَّجْمِ: [البحر الرجز] عَزْلَ الْأَمِيرِ لِلْأَمِيرِ الْمُبْدَلِ

جارٍ التحميل