وَقَوْلُهُ: ﴿أَصَلَاتُكَ﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثَنِي أَبِي، قَالَ: ثَنِي عَمِّي، قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: 100] يَعْنِي بِالْقَائِمِ: قُرَى عَامِرَةٌ.
وَالْحَصِيدِ: قُرَى خَامِدَةٌ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: 100] قَالَ: قَائِمٌ عَلَى عُرُوشِهَا، وَحَصِيدٌ: مُسْتَأْصَلَةٌ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿مِنْهَا قَائِمٌ﴾ [هود: 100] يَرَى
مَكَانَهُ، ﴿وَحَصِيدٌ﴾ [هود: 100] لَا يُرَى لَهُ أَثَرٌ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، " ﴿مِنْهَا قَائِمٌ﴾ [هود: 100] قَالَ: خَاو عَلَى عُرُوشِهِ، ﴿وَحَصِيدٌ﴾ [هود: 100] مُلْزَقٌ بِالْأَرْضِ "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، " ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: 100] قَالَ: خَرَّ بُنْيَانُهُ "
حَدَّثَنَا الْحَارِثُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ: " ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: 100] قَالَ: الْحَصِيدُ: مَا قَدْ خَرَّ بُنْيَانُهُ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: 100] مِنْهَا قَائِمٌ يُرَى أَثَرُهُ، وَحَصِيدٌ بَادٍ لَا يُرَى "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: 101] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا عَاقَبَنَا أَهْلَ هَذِهِ الْقُرَى الَّتِي اقْتَصَصْنَا نَبَّأَهَا عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ مِنْهُمْ عُقُوبَتِنَا، فَنَكُونُ
بِذَلِكَ قَدْ وَضَعْنَا عُقُوبَتَنَا إِيَّاهُمْ فِي غَيْرِ
مَوْضِعِهَا، ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [هود: 101] يَقُولُ: وَلَكِنَّهُمْ أَوْجَبُوا لِأَنْفُسِهِمْ بِمَعْصِيَتِهِمُ اللَّهَ، وَكُفْرِهِمْ بِهِ، عُقُوبَتَهُ وَعَذَابَهُ، فَأَحَلُّوا بِهَا مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَحُلُّوهُ بِهَا، وَأَوْجَبُوا لَهَا مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُوجِبُوهُ لَهَا.
﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود: 101] يَقُولُ: فَمَا دَفَعَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَيَدْعُونَهَا أَرْبَابًا مِنْ عِقَابِ اللَّهِ، وَعَذَابِهِ إِذَا أَحَلَّهُ بِهِمْ رَبُّهُمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَا رَدَّتْ عَنْهُمْ شَيْئًا مِنْهُ.
﴿لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: 101] يَا مُحَمَّدُ، يَقُولُ: لَمَّا جَاءَ قَضَاءُ رَبِّكَ بِعَذَابِهِمْ، فَحَقَّ عَلَيْهِمْ عِقَابُهُ، وَنَزَلَ بِهِمْ سَخَطُهُ.
﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: 101] يَقُولُ: وَمَا زَادَتْهُمْ آلِهَتُهُمْ عِنْدَ مَجِيءِ أَمْرِ رَبِّكَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِعِقَابِ اللَّهِ غَيْرَ تَخْسِيرٍ وَتَدْمِيرٍ وَإِهْلَاكٍ، يُقَالُ مِنْهُ: تَبَّبْتُهُ أُتَبِّبْهُ تَتْبِيبًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ لِلرَّجُلِ: تَبًّا لَكَ، قَالَ جَرِيرٌ:
[البحر الوافر]
عَرَادَةُ مِنْ بَقِيَّةِ قَوْمِ لُوطٍ ... أَلَا تَبًّا لِمَا فَعَلُوا تَبَابَا
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَلَّامٍ أَبُو الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ، قَالَ: ثَنَا
سُفْيَانُ، عَنْ نُسَيْرِ بْنِ ذُعْلُوقٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: 101] قَالَ: غَيْرَ تَخْسِيرٍ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: 101] قَالَ: تَخْسِيرٍ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: 101] يَقُولُ: غَيْرَ تَخْسِيرٍ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ " ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: 101] قَالَ: غَيْرَ تَخْسِيرٍ " وَهَذَا الْخَبَرُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ، وَإِنْ كَانَ خَبَرًا عَمَّنْ مَضَى مِنَ الْأُمَمِ قَبْلَنَا، فَإِنَّهُ وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَنَا أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ أَنَّا إِنْ سَلَكْنَا سَبِيلَ الْأُمَمِ قَبْلَنَا فِي الْخِلَافِ عَلَيْهِ
وَعَلَى رَسُولِهِ، سَلَكَ بِنَا سَبِيلَهُمْ فِي الْعُقُوبَةِ، وَإِعْلَامٌ مِنْهُ لَنَا أَنَّهُ لَا يَظْلِمُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ، وَأَنَّ الْعِبَادَ هُمُ الَّذِينَ يَظْلِمُونَ أَنْفُسَهُمْ
كَمَا: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، قَالَ: " اعْتَذَرَ يَعْنِي رَبَّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِلَى خَلْقِهِ، فَقَالَ: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ [هود: 101] مِمَّا ذَكَرْنَا لَكَ مِنْ عَذَابِ مَنْ عَذَّبْنَا مِنَ الْأُمَمِ ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ﴾ [هود: 101] حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: 101] قَالَ: مَا زَادَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخَذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكَمَا أَخَذْتُ أَيُّهَا النَّاسُ أَهْلَ هَذِهِ الْقُرَى الَّتِي اقْتَصَصْتُ عَلَيْكَ نَبَأَ أَهْلِهَا بِمَا أَخَذَتْهُمْ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ، عَلَى خِلَافِهِمْ أَمْرِي، وَتَكْذِيبِهِمْ رُسُلِي، وَجُحُودِهِمْ آيَاتِي، فَكَذَلِكَ أَخْذِي
الْقُرَى وَأَهْلَهَا إِذَا أَخَذْتُهُمْ بِعِقَابِي، وَهُمْ ظَلَمَةٌ لِأَنْفُسِهِمْ، بِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ، وَإِشْرَاكِهِمْ بِهِ غَيْرَهُ، وَتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُ.
﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ﴾ [هود: 102] يَقُولُ: إِنَّ أَخْذَ رَبِّكُمْ بِالْعِقَابِ مَنْ أَخَذَهُ أَلِيمٌ، يَقُولُ: مُوجِعٌ ﴿شَدِيدٌ﴾ [البقرة: 165] الْإِيجَاعِ، وَهَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ، تَحْذِيرٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ أَنْ يَسْلُكُوا فِي مَعْصِيَتِهِ طَرِيقَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْفَاجِرَةِ، فَيَحِلُّ بِهِمْ مَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْمَثُلَاتِ
كَمَا: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي» وَرُبَّمَا قَالَ: «يُمْهِلُ لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [هود: 102] "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " إِنَّ اللَّهَ حَذَّرَ هَذِهِ الْأُمَّةَ سَطْوَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102] " وَكَانَ عَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ يَقْرَأُ ذَلِكَ: «وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذْ أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ» وَذَلِكَ قِرَاءَةٌ لَا أَسْتَجِيزُ الْقِرَاءَةَ بِهَا لِخِلَافِهَا مَصَاحِفَ الْمُسْلِمِينَ، وَمَا عَلَيْهِ قِرَاءَةُ الْأَمْصَارِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: 103]
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ فِي أَخْذِنَا مَنْ أَخَذْنَا مِنْ أَهْلِ الْقُرَى الَّتِي اقْتَصَصْنَا خَبَرَهَا عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ لَآيَةً، يَقُولُ: لَعِبْرَةً وَعِظَةً لِمَنْ خَافَ عِقَابَ اللَّهِ، وَعَذَابَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ عِبَادِهِ، وَحُجَّةً عَلَيْهِ لِرَبِّهِ، وَزَاجِرًا يَزْجُرُهُ عَنْ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ، وَيُخَالِفُهُ فِيمَا أَمَرَهُ وَنَهَاهُ.
وَقِيلَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: إِنَّ فِيهِ عِبْرَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ بِأَنَّ اللَّهَ سَيَفِي لَهُ بِوَعْدِهِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾ [هود: 103] إِنَّا سَوْفَ نَفِي لَهُمْ بِمَا وَعَدْنَاهُمْ فِي الْآخِرَةِ كَمَا وَفَّيْنَا لِلْأَنْبِيَاءِ أَنَّا نَنْصُرُهُمْ "
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: 103] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَذَا الْيَوْمُ، يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾ [هود: 103] يَقُولُ: يَحْشُرُ اللَّهُ النَّاسَ مِنْ قُبُورِهِمْ، فَيَجْمَعُهُمْ فِيهِ لِلْجَزَاءِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ.
﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: 103] يَقُولُ: وَهُوَ يَوْمٌ تَشْهَدُهُ الْخَلَائِقُ لَا يَتَخَلَّفُ مِنْهُمْ أَحَدٌ،
فَيَنْتَقِمُ حِينَئِذٍ مِمَّنْ عَصَى اللَّهَ، وَخَالَفَ أَمْرَهُ وَكَذَّبَ رُسُلَهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: 103] قَالَ: يَوْمُ
الْقِيَامَةِ " حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثَنَا وَكِيعٌ، وحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ يُوسُفَ الْمَكِّيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " الشَّاهِدُ: مُحَمَّدٌ، وَالْمَشْهُودُ: يَوْمُ الْقِيَامَةِ.
ثُمَّ قَرَأَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: 103] "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ: ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: " الشَّاهِدُ: مُحَمَّدٌ، وَالْمَشْهُودُ: يَوْمُ الْقِيَامَةِ.
ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: 103] "
حُدِّثْتُ عَنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَوْلُهُ: " ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: 103] قَالَ: ذَلِكَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، يَجْتَمِعُ فِيهِ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ، وَيَشْهَدُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، وَأَهْلُ الْأَرْضِ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود: 104] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ.
وَمَا نُؤَخِرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْكُمْ أَنْ نَجِيئَكُمْ بِهِ إِلَّا لِآنٍ يُقْضَى، فَقَضَى لَهُ أَجَلًا فَعَدَّهُ وَأَحْصَاهُ، فَلَا يَأْتِي إِلَّا لِأَجَلِهِ ذَلِكَ، لَا يَتَقَدَّمُ مَجِيئُهُ قَبْلَ
ذَلِكَ وَلَا يَتَأَخَّرُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَوْمَ يَأْتِي يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَيُّهَا النَّاسُ، وَتَقُومُ السَّاعَةُ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِ رَبِّهَا.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: «يَوْمَ يَأْتِي» فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِيهَا (يَوْمَ يَأْتِي لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ) . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ فِيهَا فِي الْوَصْلِ وَحَذْفِهَا فِي الْوَقْفِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ.
بِحَذْفِ الْيَاءِ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: 105] . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ [هود: 105] بِحَذْفِ الْيَاءِ فِي الْوَصْلِ وَالْوَقْفِ اتِّبَاعًا لِخَطِّ الْمُصْحَفِ، وَأَنَّهَا لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ لِهُذَيْلٍ، تَقُولُ: مَا أَدْرِ مَا تَقُولُ،
وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الرجز]
كَفَّاكَ كَفٌّ مَا تُلِيقُ دِرْهَمَا جُودًا ... وَأُخْرَى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّمَا
وَقِيلَ: ﴿لَا تَكَلَّمُ﴾ [هود: 105] وَإِنَّمَا هِيَ «لَا تَتَكَلَّمُ» ، فَحَذَفَ إِحْدَى التَّاءَيْنِ اجْتِزَاءً بِدَلَالَةِ الْبَاقِيَةِ مِنْهُمَا عَلَيْهَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيُّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: 105] يَقُولُ: فَمِنْ هَذِهِ النُّفُوسِ الَّتِي لَا تَكَلَّمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا بِإِذْنِ رَبِّهَا، شَقِيُّ وَسَعِيدٌ، وَعَادَ عَلَى النَّفْسِ، وَهِيَ فِي اللَّفْظِ وَاحِدٌ بِذِكْرِ الْجَمِيعِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيُّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: 105] يَقُولُ: تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾ [هود: 106] لَهُمْ، وَهُوَ أَوَّلُ نُهَاقِ الْحِمَارِ وَشِبْهُهُ، ﴿وَشَهِيقٌ﴾ [هود: 106] وَهُوَ آخِرُ نَهِيقِهِ إِذَا رَدَّدَهُ فِي الْجَوْفِ عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنْ نُهَاقِهِ، كَمَا قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ:
[البحر الرجز]
حَشْرَجَ فِي الْجَوْفِ سَحِيلًا أَوْ شَهَقْ ...
حَتَّى يُقَالُ نَاهِقٌ وَمَا نَهَقْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ، ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: 106] يَقُولُ: صَوْتٌ شَدِيدٌ وَصَوْتٌ ضَعِيفٌ "
قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: 106] قَالَ: الزَّفِيرُ فِي الْحَلْقِ، وَالشَّهِيقُ فِي الصَّدْرِ " حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ بِنَحْوِهِ
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «صَوْتُ الْكَافِرِ فِي النَّارِ صَوْتُ الْحِمَارِ، أَوَّلَهُ زَفِيرٌ وَآخِرَهُ شَهِيقٌ»
حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ الْبَحْرَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالُوا: ثَنَا أَبُو عَامِرٍ، قَالَ: ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ سُفْيَانَ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيُّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود: 105] سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَعَلَامَ عَمِلْنَا؟ عَلَى شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ أَمْ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَفْرُغْ مِنْهُ؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَى شَيْءٍ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ يَا عُمَرُ وَجَرَتْ بِهِ الْأَقْلَامُ، وَلَكِنْ كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» اللَّفْظُ لِحَدِيثِ ابْنِ مَعْمَرٍ وَقَوْلُهُ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [هود: 107] لَابِثِينَ فِيهَا، وَيَعِني بِقَوْلِهِ: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ أَبَدًا؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَرَادَتْ أَنْ تَصِفَ الشَّيْءَ بِالدَّوَامِ أَبَدًا، قَالَتْ: هَذَا دَائِمٌ دَوَامُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ؛ بِمَعْنَى أَنَّهُ دَائِمٌ أَبَدًا، وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ: هُوَ بَاقٍ مَا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَمَا سَمَرَ لَنَا سَمِيرٌ، وَمَا لَأْلَأَتِ الْعُفْرُ بِأَذْنَابِهَا يَعْنُونَ بِذَلِكَ كُلِّهِ أَبَدًا.
فَخَاطَبَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِمَا يَتَعَارَفُونَ بِهِ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا.
وَكَانَ ابْنُ زَيْدٍ يَقُولُ فِي ذَلِكَ بِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِيهِ