ذِكْرُ الْأَخْبَارِ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِالَّذِي كَانَ مِنْ فِعْلِ الْقَاتِلِ مِنَ ابْنَيْ آدَمَ بِأَخِيهِ الْمَقْتُولِ بَعْدَ قَتْلِهِ إِيَّاهُ:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ: مَعْنَى النَّفْيِ مِنَ الْأَرْضِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: هُوَ نَفْيُهُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ غَيْرِهِ وَحَبْسِهِ فِي السِّجْنِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي نُفِيَ إِلَيْهِ , حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ مِنْ فُسُوقِهِ وَنُزُوعُهُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ رَبَّهُ.
وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصِّحَّةَ , لِأَنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرْتُ.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا جَعَلَ جَزَاءَ الْمُحَارِبِ: الْقَتْلَ أَوِ الصَّلْبَ , أَوْ قَطْعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ خِلَافٍ , بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَا فِي حَالِ امْتِنَاعِهِ؛ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ النَّفْيَ أَيْضًا إِنَّمَا هُوَ جَزَاؤُهُ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ لَا قَبْلَهَا , وَلَوْ كَانَ هُرُوبُهُ مِنَ الطَّلَبِ نَفْيًا لَهُ مِنَ الْأَرْضِ , كَانَ قَطْعُ يَدِهِ وَرِجْلِهِ مِنْ خِلَافٍ فِي حَالِ امْتِنَاعِهِ وَحَرْبِهِ عَلَى وَجْهِ الْقِتَالِ بِمَعْنَى إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.
وَفِي إِجْمَاعِ الْجَمِيعِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقُومُ مَقَامَ نَفْيِهِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَدًّا لَهُ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.
وَإِذْ كَانَ كَذَلِكَ , فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إِلَّا الْوَجْهَانِ الْآخَرَانِ , وَهُوَ النَّفْي مِنْ بَلْدَةٍ إِلَى أُخْرَى غَيْرِهَا أَوِ السِّجْنِ.
فَإِذْ كَانَ كَذَلِكَ , فَلَا شَكَّ أَنَّهُ إِذَا نُفِيَ مِنْ بَلْدَةٍ إِلَى أُخْرَى غَيْرِهَا فَلَمْ يُنْفَ مِنَ الْأَرْضِ , بَلْ إِنَّمَا نُفِيَ مِنْ أَرْضٍ دُونَ أَرْضٍ.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا أَمَرَ بِنَفْيِهِ مِنَ الْأَرْضِ , كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى نَفْيِهِ مِنَ الْأَرْضِ إِلَّا بِحَبْسِهِ فِي بُقْعَةٍ مِنْهَا عَنْ سَائِرِهَا , فَيَكُونُ مَنْفِيًّا حِينَئِذٍ عَنْ جَمِيعِهَا , إِلَّا مِمَّا لَا سَبِيلَ إِلَى نَفْيِهِ مِنْهُ.
وَأَمَّا مَعْنَى النَّفْيِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: فَهُوَ الطَّرْدُ , وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَوْسِ بْنِ حَجَرٍ:
[البحر الكامل]
يُنْفَوْنَ عَنْ طُرُقِ الْكِرَامِ كَمَا ... يَنْفِي الْمُطَارِقُ مَا يَلِي الْقَرَدُ
وَمِنْهُ قِيلَ لِلدَّرَاهِمِ الرَّدِيئَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ: النُّفَايَةُ.
وَأَمَّا الْمَصْدَرُ مِنْ نَفَيْتُ , فَإِنَّهُ النَّفْي وَالنِّفَايَةُ , وَيُقَالَ: الدَّلْوُ يَنْفِي الْمَاءَ.
وَيُقَالَ لِمَا تَطَايَرَ مِنَ الْمَاءِ مِنَ الدَّلْوِ النَّفْي , وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ:
[البحر الرجز]
كَأَنَّ مَتْنَيْهِ مِنَ النَّفِيِّ ... مَوَاقِعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِيِّ
وَمِنْهُ قِيلَ: نَفَى شَعْرُهُ: إِذَا سَقَطَ , يُقَالَ: حَالَ لَوْنُكَ وَنَفَى شَعْرُكَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ذَلِكَ لَهُمْ خِزْي فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ هَذَا الْجَزَاءُ الَّذِي جَازَيْتُ بِهِ الَّذِينَ حَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَسَعَوْا فِي الْأَرْضِ فَسَادًا فِي الدُّنْيَا , مِنْ قَتْلٍ , أَوْ صَلْبٍ , أَوْ قَطْعِ يَدٍ وَرِجْلٍ مِنْ خِلَافِ لَهُمْ يَعْنِي لِهَؤُلَاءِ الْمُحَارِبِينَ خِزْي
فِي الدُّنْيَا يَقُولُ هُوَ لَهُمْ شَرٌّ وَعَارٌ وَذِلَّةٌ , وَنَكَالٌ وَعُقُوبَةٌ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ , يُقَالَ مِنْهُ: أَخْزَيْتُ فُلَانًا فَخَزِيَ هُوَ خِزْيًا.
وَقَوْلُهُ: وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَسَعَوْا فِي الْأَرْضِ فَسَادًا فَلَمْ يَتُوبُوا مِنْ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ , حَتَّى
هَلَكُوا فِي الْآخِرَةِ مَعَ الْخِزْيِ الَّذِي جَازَيْتُهُمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا , وَالْعُقُوبَةُ الَّتِي عَاقَبْتُهُمْ بِهَا فِيهَا عَذَابٌ عَظِيمٌ , يَعْنِي: عَذَابَ جَهَنَّمَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ شِرْكِهِمْ وَمُنَاصَبَتِهِمُ الْحَرْبَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ , وَالسَّعْيِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ بِالْإِسْلَامِ , وَالدُّخُولِ فِي
الْإِيمَانِ مِنْ قَبْلِ قُدْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ , فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْعُقُوبَاتِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ جَزَاءً لِمَنْ حَارَبَهُ وَرَسُولَهُ وَسَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا , مِنْ قَتْلٍ , أَوْ صَلْبٍ , أَوْ قَطْعِ يَدٍ وَرِجْلٍ مِنْ خِلَافٍ , أَوْ نَفْي مِنَ الْأَرْضِ , فَلَا تِبَاعَةَ قِبَلَهُ لِأَحَدٍ فِيمَا كَانَ أَصَابَ فِي حَالِ كُفْرِهِ وَحَرْبِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي مَالٍ وَلَا دَمٍ وَلَا حُرْمَةٍ قَالُوا: فَأَمَّا الْمُسْلِمُ إِذَا حَارَبَ الْمُسْلِمِينَ أَوِ الْمُعَاهَدِينَ وَأَتَى بَعْضَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ , فَلَنْ تَضَعَ تَوْبَتُهُ عَنْهُ عُقُوبَةَ ذَنْبِهِ , بَلْ تَوْبَتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ , وَعَلَى الْإِمَامِ إِقَامَةُ الْحَدِّ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَخَذُهُ بِحُقُوقِ النَّاسِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ , عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ , عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ , قَالَا: قَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 34] نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُشْرِكِينَ , فَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ , وَلَيْسَ تَحْرُزُ هَذِهِ الْآيَةُ الرَّجُلَ الْمُسْلِمَ مِنَ الْحَدِّ إِنْ قَتَلَ أَوْ أَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ أَوْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ثُمَّ لَحِقَ بِالْكُفَّارِ قَبْلَ أَنْ
يُقْدَرَ عَلَيْهِ , ذَلِكَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ الَّذِي أَصَابَ "
حَدَّثَنَا بَشَّارٌ , قَالَ: ثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , أَنَّ ابْنَ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 34] قَالَ: «هَذَا لِأَهْلِ الشِّرْكِ إِذَا فَعَلُوا شَيْئًا فِي شِرْكِهِمْ , فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ إِذَا تَابُوا وَأَسْلَمُوا»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: 33] بِالزِّنَا , وَالسَّرِقَةِ وَقَتْلِ النَّفْسِ , وَإِهْلَاكِ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] عَلَى عَهْدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ , عَنْ جُوَيْبِرٍ , عَنِ الضَّحَّاكِ , قَالَ: كَانَ قَوْمٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِيثَاقٌ , فَنَقَضُوا الْعَهْدَ وَقَطَعُوا السَّبِيلَ وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ , فَخَيَّرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ , فَإِنْ شَاءَ قَتَلَ , وَإِنْ شَاءَ صَلَبَ , وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلَهُمْ مِنْ خِلَافٍ , فَمَنْ تَابَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِ قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيٍّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] الْآيَةُ , فَذَكَرَ نَحْوَ قَوْلِ الضَّحَّاكِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: فَإِنْ جَاءَ تَائِبًا فَدَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ قُبِلَ مِنْهُ وَلَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا سَلَفَ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] قَالَ: «هَذَا لِأَهْلِ الشِّرْكِ إِذَا فَعَلُوا شَيْئًا مِنْ هَذَا فِي شِرْكِهِمْ ثُمَّ تَابُوا وَأَسْلَمُوا , فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثنا أَبُو سُفْيَانَ , عَنْ مَعْمَرٍ , عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ , وَقَتَادَةَ , أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] فَهَذِهِ لِأَهْلِ الشِّرْكِ , فَمَنْ أَصَابَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ شَيْئًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ لَهُمْ حَرْبٌ , فَأَخَذَ مَالًا أَوْ أَصَابَ دَمًا ثُمَّ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِ , أُهْدِرَ عَنْهُ مَا مَضَى " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هَذِهِ الْآيَةُ مَعْنِيٌّ بِالْحُكْمِ بِهَا الْمُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ الْحُرَّابُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ , مَنْ قَطَعَ مِنْهُمُ الطَّرِيقَ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى إِسْلَامِهِ , ثُمَّ اسْتَأْمَنَ فَأُومِنَ عَلَى جِنَايَاتِهِ الَّتِي جَنَاهَا وَهُوَ لِلْمُسْلِمِينَ حَرْبٌ.
وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ مُرْتَدًّا عَنِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ , ثُمَّ اسْتَأْمَنَ فَأُومِنَ؛ قَالُوا: فَإِذَا أَمَّنَهُ الْإِمَامُ عَلَى جِنَايَاتِهِ الَّتِي سَلَفَتْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ لِأَحَدٍ تَبِعَةٌ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ أَصَابَهُ قَبْلَ تَوْبَتِهِ وَقَبْلَ أَمَانِ الْإِمَامِ إِيَّاهُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ , قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ , قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أُسَامَةَ , عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ , عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ حَارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ , خَرَجَ مُحَارِبًا فَأَخَافَ السَّبِيلَ , وَسَفَكَ الدَّمَ , وَأَخَذَ الْأَمْوَالَ , ثُمَّ جَاءَ تَائِبًا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ , فَقَبِلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَوْبَتَهُ , وَجَعَلَ لَهُ أَمَانًا مَنْشُورًا عَلَى مَا كَانَ أَصَابَ مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ , عَنْ مُجَالِدٍ , عَنِ
الشَّعْبِيِّ: أَنَّ حَارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ , حَارَبَ فِي عَهْدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ , فَأَتَى الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهُ عَلَيْهِمَا , فَطَلَبَ إِلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْمِنَ لَهُ مِنْ عَلِيٍّ , فَأَبَى.
ثُمَّ أَتَى ابْنَ جَعْفَرٍ , فَأَبَى عَلَيْهِ.
فَأَتَى سَعِيدَ بْنَ قَيْسٍ الْهَمْدَانِيَّ فَأَمَّنَهُ , وَضَمَّهُ إِلَيْهِ , وَقَالَ لَهُ: اسْتَأْمِنْ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
قَالَ: فَلَمَّا صَلَّى عَلِيٌّ الْغَدَاةَ , أَتَاهُ سَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ , فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , مَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ قَالَ: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] . قَالَ: ثُمَّ قَالَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] . قَالَ سَعِيدٌ: وَإِنْ كَانَ حَارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ؟ قَالَ: وَإِنْ كَانَ حَارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ.
قَالَ: فَهَذَا حَارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ قَدْ جَاءَ تَائِبًا فَهُوَ آمِنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَجَاءَ بِهِ فَبَايَعَهُ , وَقَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ , وَكَتَبَ لَهُ أَمَانًا "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَغْرَاءَ , عَنْ مُجَالِدٍ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , قَالَ: كَانَ حَارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ قَدْ أَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ وَحَارَبَ ثُمَّ تَابَ , وَكُلِّمَ لَهُ عَلِيٌّ فَلَمْ يُؤَمِّنْهُ.
فَأَتَى سَعِيدَ بْنَ قَيْسٍ فَكَلَّمَهُ , فَانْطَلَقَ سَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ إِلَى عَلِيٍّ , فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ , مَا تَقُولُ فِيمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ فَقَرَأَ الْآيَةَ كُلَّهَا , فَقَالَ: أَرَأَيْتَ مَنْ تَابَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: أَقُولُ كَمَا قَالَ اللَّهُ.
قَالَ: فَإِنَّهُ حَارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ.
قَالَ: فَأَمَّنَهُ عَلِيٌّ فَقَالَ حَارِثَةُ:
[البحر الطويل]
أَلَا أَبْلِغَنْ هَمْدَانَ إِمَّا لَقِيتَهَا ... عَلَى النَّأْيِ لَا يَسْلَمْ عَدُوٌّ يَعِيبُهَا لَعَمْرُ أَبِيهَا إِنَّ هَمْدَانَ ... تَتَّقِي الْإِلَهَ وَيَقْضِي بِالْكِتَابِ خَطِيبُهَا
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ , قَوْلُهُ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] وَتَوْبَتُهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى الْإِمَامِ يَسْتَأْمِنُهُ عَلَى مَا قَتَلَ وَأَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ: فَإِنْ لَمْ يُؤَمِّنِّي عَلَى ذَلِكَ ازْدَدْتُ فَسَادًا وَقَتْلًا وَأَخْذًا لِلْأَمْوَالِ أَكْثَرَ مِمَّا فَعَلْتُ ذَلِكَ قَبْلُ.
فَعَلَى الْإِمَامِ مِنَ الْحَقِّ أَنْ يُؤَمِّنَهُ عَلَى ذَلِكَ , فَإِذَا أَمَّنَّهُ الْإِمَامُ جَاءَ حَتَّى يَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِ الْإِمَامِ.
فلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ أَنْ يَتْبَعَهُ وَلَا يَأْخُذَهُ بِدَمٍ سَفَكَهُ وَلَا مَالٍ أَخَذَهُ , وَكُلُّ مَالٍ كَانَ لَهُ فَهُوَ لَهُ , لِكَيْلَا يَقْتُلَ الْمُؤْمِنِينَ أَيْضًا وَيُفْسِدَهُ.
فَإِذَا رَجَعَ إِلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ فَهُوَ وَلِيُّهُ يَأْخُذُهُ بِمَا صَنَعَ.
وَتَوْبَتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ وَالنَّاسِ , فَإِذَا أَخَذَهُ الْإِمَامُ وَقَدْ تَابَ فِيمَا يَزْعُمُ إِلَى اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَبْلَ أَنْ يُؤَمِّنَهُ الْإِمَامُ فَلْيُقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ "
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ , قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ , أَخْبَرَنِي مَكْحُولٌ , أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أَعْطَاهُ الْإِمَامُ أَمَانًا , فَهُوَ آمِنٌ وَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ مَا كَانَ أَصَابَ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: كُلُّ مَنْ جَاءَ تَائِبًا مِنَ الْحِرَابِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ , اسْتَأْمَنَ الْإِمَامَ فَأَمَّنَهُ أَوْ لَمْ يَسْتَأْمِنْهُ بَعْدَ أَنْ يَجِيءَ مُسْتَسْلِمًا تَارِكًا لِلْحَرْبِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ , عَنْ أَشْعَثَ , عَنْ عَامِرٍ , قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ مُرَادِ إِلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ عَلَى الْكُوفَةِ فِي إِمْرَةِ عُثْمَانَ بَعْدَ مَا صَلَّى الْمَكْتُوبَةَ , فَقَالَ: يَا أَبَا مُوسَى هَذَا مَقَامَ الْعَائِذِ بِكَ , أَنَا فُلَانٌ ابْنُ فُلَانٍ الْمُرَادِيُّ ,
كُنْتُ حَارَبْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَسَعَيْتُ فِي الْأَرْضِ , وَإِنِّي تُبْتُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيَّ.
فَقَامَ أَبُو مُوسَى فَقَالَ: هَذَا فُلَانٌ ابْنُ فُلَانٍ , وَإِنَّهُ كَانَ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَسَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا , وَإِنَّهُ تَابَ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ , فَمَنْ لَقِيَهُ فَلَا يَعْرِضْ لَهُ إِلَّا بِخَيْرٍ.
فَأَقَامَ الرَّجُلُ مَا شَاءَ اللَّهُ , ثُمَّ إِنَّهُ خَرَجَ , فَأَدْرَكَهُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِ فَقَتَلَهُ " حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيِّ , عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي مُوسَى , فَذَكَرَ نَحْوَهُ
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ , قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ , قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكٍ: أَرَأَيْتَ هَذَا الْمُحَارِبَ الَّذِي قَدْ أَخَافَ السَّبِيلَ وَأَصَابَ الدَّمَ وَالْمَالَ , فَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ تَمَنَّعَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ , ثُمَّ جَاءَ تَائِبًا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ.
قَالَ: قُلْتُ: فَلَا يُتَّبَعُ بِشَيْءٍ مِنْ أَحْدَاثِهِ؟ قَالَ: لَا , إِلَّا أَنْ يُوجَدَ مَعَهُ مَالٌ بِعَيْنِهِ فَيَرُدُّ إِلَى صَاحِبِهِ , أَوْ يَطْلُبَهُ وَلِيُّ مَنْ قَتَلَ بِدَمٍ فِي حَرْبِهِ يَثْبُتُ بِبَيِّنَةٍ أَوِ اعْتِرَافٍ فَيُقَادُ بِهِ؛ وَأَمَّا الدِّمَاءُ الَّتِي أَصَابَهَا وَلَمْ يَطْلُبْهَا أَوْلِيَاؤُهَا فَلَا يَتْبَعُهُ الْإِمَامُ بِشَيْءٍ.
قَالَ عَلِيٌّ: قَالَ الْوَلِيدُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأَبِي عَمْرٍو , فَقَالَ: تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ إِذَا كَانَ مُحَارِبًا لِلْعَامَّةِ وَالْأَئِمَّةِ قَدْ آذَاهُمْ بِحَرْبِهِ فَشَهَرَ سِلَاحَهُ وَأَصَابَ الدِّمَاءَ وَالْأَمْوَالَ , فَكَانَتْ لَهُ مَنَعَةٌ أَوْ فِئَةٌ يَلْجَأُ إِلَيْهِمْ , أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ , أَوْ كَانَ مُقِيمًا عَلَيْهِ ثُمَّ جَاءَ تَائِبًا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ , قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَلَمْ يُتْبَعْ بِشَيْءٍ مِنْهُ "
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ , قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ , قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرٍو: سَمِعْتُ ابْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ , يَقُولُ ذَلِكَ
حَدَّثَنِي عَلَى بْنُ سَهْلٍ , قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ , قَالَ: فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَبِي عَمْرٍو وَمَالِكٍ لِلَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ , فَقَالَ: «إِذَا أَعْلَنَ بِالْمُحَارَبَةِ لِلْعَامَّةِ وَالْأَئِمَّةِ وَأَصَابَ الدِّمَاءَ وَالْأَمْوَالَ , فَامْتَنَعَ بِمُحَارَبَتِهِ مِنَ الْحَكُومَةِ عَلَيْهِ , أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ جَاءَ تَائِبًا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ , قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَلَمْ يُتْبَعْ بِشَيْءٍ مِنْ أَحْدَاثِهِ فِي حَرْبِهِ مِنْ دَمِ خَاصَّةً وَلَا عَامَّةٍ وَإِنْ طَلَبَهُ وَلِيُّهُ»
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ , قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ , قَالَ: قَالَ اللَّيْثُ: وَكَذَلِكَ ثني مُوسَى بْنُ إِسْحَاقَ الْمَدَنِيُّ , وَهُوَ الْأَمِيرُ عِنْدَنَا: أَنَّ عَلِيًّا الْأَسَدِيَّ حَارَبَ وَأَخَافَ السَّبِيلَ وَأَصَابَ الدَّمَ وَالْمَالَ , فَطَلَبَتْهُ الْأَئِمَّةُ وَالْعَامَّةُ , فَامْتَنَعَ وَلَمْ يُقْدَرْ عَلَيْهِ , حَتَّى جَاءَ تَائِبًا؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53] الْآيَةُ , فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ , أَعِدْ قِرَاءَتَهَا فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ.
فغَمَدَ سَيْفَهُ , ثُمَّ جَاءَ تَائِبًا , حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنَ السَّحَرِ , فَاغْتَسَلَ , ثُمَّ أَتَى مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَصَلَّى الصُّبْحَ , ثُمَّ قَعَدَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فِي غِمَارِ أَصْحَابِهِ؛ فَلَمَّا أَسْفَرَ عَرَفَهُ النَّاسُ وَقَامُوا إِلَيْهِ , فَقَالَ: لَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَيَّ , جِئْتُ تَائِبًا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيَّ.
فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: صَدَقَ.
وَأَخَذَ بِيَدِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ حَتَّى أَتَى مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ فِي إِمْرَتِهِ عَلَى الْمَدِينَةِ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ , فَقَالَ: هَذَا عَلِيُّ , جَاءَ تَائِبًا وَلَا
سَبِيلَ لَكُمْ عَلَيْهِ وَلَا قَتْلَ.
قَالَ: فَتُرِكَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ.
قَالَ: وَخَرَجَ عَلِيٌّ تَائِبًا مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي الْبَحْرِ , فَلَقُوا الرُّومَ , فَقَرَّبُوا سَفِينَتَهُ إِلَى سَفِينَةٍ مِنْ سُفُنِهِمْ , فَاقْتَحَمَ عَلَى الرُّومِ فِي سَفِينَتِهِمْ , فَهُزِمُوا مِنْهُ إِلَى سَفِينَتِهِمُ الْأُخْرَى , فَمَالَتْ بِهِمْ وَبِهِ فَغَرِقُوا جَمِيعًا "
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ , قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ , قَالَ: ثنا مُطَرِّفُ بْنُ مَعْقِلٍ , قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءً , قَالَ فِي رَجُلٍ سَرَقَ سَرِقَةُ فَجَاءَ بِهَا تَائِبًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْخَذَ: فَهَلْ عَلَيْهِ حَدٌّ؟ قَالَ: لَا , ثُمَّ قَالَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] الْآيَةُ "
حَدَّثَنَا ابْنُ الْبَرْقِيِّ , قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ , قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ , قَالَ: ثني أَبُو صَخْرٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ , وَعَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , قَالَا: إِنْ جَاءَ تَائِبًا لَمْ يَقْتَطِعْ مَالًا وَلَمْ يَسْفِكْ دَمًا تُرِكَ , فَذَلِكَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] يَعْنِي بِذَلِكَ: أَنَّهُ لَمْ يَسْفِكْ دَمًا وَلَمْ يَقْتَطِعْ مَالًا " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي ذَلِكَ التَّائِبَ مِنْ حَرْبِهِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالسَّعْيَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا , بَعْدَ لَحَاقِهِ فِي حَرْبِهِ بِدَارِ الْكُفْرِ؛ فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ حَرَابَتُهُ وَحَرْبُهُ وَهُوَ مُقِيمٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَدَاخِلٌ فِي غِمَارِ الْأُمَّةِ , فَلَيْسَتْ تَوْبَتُهُ وَاضِعَةً عَنْهُ شَيْئًا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ وَلَا مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُعَاهِدِينَ , بَلْ يُؤْخَذُ بِذَلِكَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ , قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ , عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ: أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ سَأَلُوا عُرْوَةَ عَمَّنْ تَلَصَّصَ فِي الْإِسْلَامِ فَأَصَابَ
حُدُودًا ثُمَّ جَاءَ تَائِبًا , فَقَالَ: لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ , لَوْ قُبِلَ ذَلِكَ مِنْهُمُ اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ وَكَانَ فَسَادًا كَبِيرًا , وَلَكِنْ لَوْ فَرَّ إِلَى الْعَدُوِّ ثُمَّ جَاءَ تَائِبًا , لَمْ أَرْ عَلَيْهِ عُقُوبَةً "
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ خِلَافُ هَذَا الْقَوْلِ , وَهُوَ مَا: حَدَّثَنِي بِهِ عَلِيٌّ , قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ , قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ , سَمِعَ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ , عَنْ عُرْوَةَ , قَالَ: " يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ مَا فَرَّ مِنْهُ , وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ فِيهِ أَمَانٌ , يَعْنِي: الَّذِي يُصِيبُ حَدًّا , ثُمَّ يَفِرُّ فَيَلْحَقُ الْكُفَّارَ , ثُمَّ يَجِيءُ تَائِبًا " وَقَالَ آخَرُونَ: إِنْ كَانَتْ حَرَابَتُهُ وَحَرْبُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ , وَهُوَ فِي غَيْرِ مَنَعَةٍ مِنْ فِئَةٍ يَلْجَأُ إِلَيْهَا , ثُمَّ جَاءَ تَائِبًا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ , فَإِنَّ تَوْبَتَهُ لَا تَضَعُ عَنْهُ شَيْئًا مِنَ الْعُقُوبَةِ وَلَا مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ.
وَإِنْ كَانَتْ حَرَابَتُهُ وَحَرْبُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ هُوَ لَاحِقٌ بِدَارِ الْكُفْرِ , غَيْرَ أَنَّهُ فِي كُلِّ ذَلِكَ كَانَ يَلْجَأُ إِلَى فِئَةٍ تَمْنَعُهُ مَنْ أَرَادَهُ مِنْ سُلْطَانِ الْمُسْلِمِينَ , ثُمَّ جَاءَ تَائِبًا قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ , فَإِنَّ تَوْبَتَهُ تَضَعُ عَنْهُ كُلَّ مَا كَانَ مِنْ أَحْدَاثِهِ فِي أَيَّامِ حَرَابَتِهِ تِلْكَ , إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَصَابَ حَدًّا أَوْ أَمَرَ الرُّفْقَةَ بِمَا فِيهِ عُقُوبَةٌ أَوْ غُرْمٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ مُعَاهَدٍ , وَهُوَ غَيْرُ مُلْتَجِئٍ إِلَى فِئَةٍ تَمْنَعُهُ , فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ بِمَا أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ كَذَلِكَ , وَلَا يَضَعُ ذَلِكَ عَنْهُ تَوْبَتَهُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ , قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ , قَالَ: قَالَ أَبُو عَمْرٍو: إِذَا قَطَعَ الطَّرِيقَ لِصٌّ أَوْ جَمَاعَةٌ مِنَ اللُّصُوصِ , فَأَصَابُوا مَا أَصَابُوا مِنَ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ
فِئَةٌ يَلْجَئُونَ إِلَيْهَا وَلَا مَنَعَةٌ وَلَا يَأْمَنُونَ إِلَّا بِالدُّخُولِ فِي غِمَارِ أُمَّتِهِمْ وَسَوَادِ عَامَّتِهِمْ , ثُمَّ جَاءَ تَائِبًا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ , لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ وَأُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّهُ مَا كَانَ "
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ , قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ , قَالَ: ذَكَرْتُ لِأَبِي عَمْرٍو قَوْلَ عُرْوَةَ: يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ مَا فَرَّ مِنْهُ , وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ فِيهِ أَمَانٌ.
فَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: إِنْ فَرَّ مِنْ حَدَثِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ فَأَعْطَاهُ إِمَامٌ أَمَانًا , لَمْ يَجُزْ أَمَانُهُ.
وَإِنْ هُوَ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ , ثُمَّ سَأَلَ إِمَامًا عَلَى أَحْدَاثِهِ , لَمْ يَنْبَغِ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْطِيَهُ أَمَانًا , وَإِنْ أَعْطَاهُ الْإِمَامُ أَمَانًا وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِأَحْدَاثِهِ , فَهُوَ آمِنٌ , وَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يَطْلُبُهُ بِدَمٍ أَوْ مَالٍ , رُدَّ إِلَى مَأْمَنِهِ , فَإِنْ أَبَى أَنْ يَرْجِعَ فَهُوَ آمِنٌ , وَلَا يُتَعَرَّضُ لَهُ.
قَالَ: وَإِنْ أَعْطَاهُ أَمَانًا عَلَى أَحْدَاثِهِ وَهُوَ يَعْرِفُهَا , فَالْإِمَامُ ضَامِنٌ وَاجِبٌ عَلَيْهِ عَقْلُ مَا كَانَ أَصَابَ مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ , وَكَانَ فِيمَا عَطَّلَ مِنْ تِلْكَ الْحُدُودِ وَالدِّمَاءِ آثِمًا , وَأَمْرَهُ إِلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ.
قَالَ: وَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: فَإِذَا أَصَابَ ذَلِكَ وَكَانَتْ لَهُ مَنَعَةٌ أَوْ فِئَةٌ يَلْجَأُ إِلَيْهَا , أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ , أَوْ كَانَ مُقِيمًا عَلَيْهِ ثُمَّ جَاءَ تَائِبًا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ , قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ , وَلَمْ يُتْبَعْ بِشَيْءٍ مِنْ أَحْدَاثِهِ الَّتِي أَصَابَهَا فِي حَرْبِهِ , إِلَّا أَنْ يُوجَدَ مَعَهُ شَيْءٌ قَائِمٌ بِعَيْنِهِ فَيُرَدُّ إِلَى صَاحِبِهِ "
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ , قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ , قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ , عَنْ رَبِيعَةَ , قَالَ: تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ , وَلَا يُتْبَعُ بِشَيْءٍ مِنْ أَحْدَاثِهِ فِي حَرْبِهِ إِلَّا أَنْ يَطْلُبَهُ أَحَدٌ بِدَمٍ كَانَ أَصَابَهُ فِي سِلْمِهِ قَبْلَ حَرْبِهِ فَإِنَّهُ يُقَادُ بِهِ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثنا مَعْمَرٌ الرَّقِّيُّ , قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ , عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ , قَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ الْحَجَّاجَ , إِنْ كَانَ لِيَفْقَهَ , أَمَّنَ رَجُلًا مِنْ مُحَارَبَتِهِ ,
فَقَالَ: انْظُرُوا هَلْ أَصَابَ شَيْئًا قَبْلَ خُرُوجِهِ؟ " وَقَالَ آخَرُونَ تَضَعُ تَوْبَتُهُ عَنْهُ حَدَّ اللَّهِ الَّذِي وَجَبَ عَلَيْهِ بِمُحَارَبَتِهِ , وَلَا يُسْقِطُ عَنْهُ حُقُوقَ بَنِي آدَمَ.
وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ , حَدَّثَنَا بِذَلِكَ عَنْهُ الرَّبِيعُ وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ: تَوْبَةُ الْمُحَارِبِ الْمُمْتَنِعِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِجَمَاعَةٍ مَعَهُ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ , تَضَعُ عَنْهُ تَبِعَاتِ الدُّنْيَا الَّتِي كَانَتْ لَزِمَتْهُ فِي أَيَّامِ حَرْبِهِ وَحَرَابَتِهِ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ , وَغُرْمٌ لَازِمٌ وقَوَدٌ وَقَصَاصٌ , إِلَّا مَا كَانَ قَائِمًا فِي يَدِهِ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُعَاهِدِينَ بِعَيْنِهِ , فَيُرَدُّ عَلَى أَهْلِهِ؛ لِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ حُكْمُ الْجَمَاعَةِ الْمُمْتَنِعَةِ الْمُحَارِبَةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ السَّاعِيَةِ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا عَلَى وَجْهِ الرِّدَّةِ عَنِ الْإِسْلَامِ , فَكَذَلِكَ حُكْمُ كُلِّ مُمْتَنِعٍ سَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا , جَمَاعَةً كَانُوا أَوْ وَاحِدًا , فَأَمَّا الْمُسْتَخْفِي بِسَرِقَتِهِ وَالْمُتَلَصِّصُ عَلَى وَجْهِ إِغْفَالِ مَنْ سَرَقَهُ , وَالشَّاهِرُ السِّلَاحَ فِي خَلَاءٍ عَلَى بَعْضِ السَّابِلَةِ , وَهُوَ عِنْدَ الطَّلَبِ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الامْتِنَاعِ , فَإِنَّ حُكْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ تَابَ أَوْ لَمْ يَتُبْ مَاضٍ , وَبِحُقُوقِ مَنْ أَخَذَ مَالَهُ أَوْ أَصَابَ وَلِيَّهُ بِدَمٍ أَوْ خَتْلٍ مَأْخُوذٌ , وَتَوْبَتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ؛ قِيَاسًا عَلَى إِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ لِلْمُسْلِمِينَ سِلْمٌ ثُمَّ صَارَ لَهُمْ حَرْبًا , أَنَّ حَرْبَهُ إِيَّاهُمْ لَنْ يَضَعَ عَنْهُ حَقًّا لِلَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَلَا لِآدَمَيٍّ , فَكَذَلِكَ حُكْمُهُ إِذَا أَصَابَ ذَلِكَ فِي خَلَاءٍ أَوْ بِاسْتِخْفَاءٍ وَهُوَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ مِنَ السُّلْطَانِ بِنَفْسِهِ إِنْ أَرَادَهُ , وَلَا لَهُ فِئَةٌ يَلْجَأُ إِلَيْهَا مَانِعَةٌ مِنْهُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 34] دَلِيلٌ وَاضِحٌ لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ , أَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْمُحَارِبِينَ يَجْرِي فِي الْمُسْلِمِينَ وَالْمُعَاهِدِينَ دُونَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَدْ نَصَبُوا لِلْمُسْلِمِينَ حَرْبًا.
وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ حُكْمًا فِي أَهْلِ الْحَرْبِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ دُونَ الْمُسْلِمِينَ وَدُونَ ذِمَّتِهِمْ لَوَجَبَ أَوْ لَا يَسْقُطُ إِسْلَامُهُمْ عَنْهُمْ إِذَا أَسْلَمُوا أَوْ تَابُوا بَعْدَ قُدْرَتِنَا عَلَيْهِمْ مَا كَانَ لَهُمْ قَبْلَ إِسْلَامِهِمْ وَتَوْبَتِهِمْ مِنَ الْقَتْلِ وَمَا لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَهْلِ الْحَرْبِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
وَفِي إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ إِسْلَامَ الْمُشْرِكِ الْحَرْبِيِّ يَضَعُ عَنْهُ بَعْدَ قُدْرَةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ مَا كَانَ وَاضِعَهُ عَنْهُ إِسْلَامُهُ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ , مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مَنْ قَالَ: عَنَى بِآيَةِ الْمُحَارِبِينَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: حُرَّابَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَوِ الذِّمَّةِ دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ مُشْرِكِي أَهْلِ الْحَرْبِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 34] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: فَاعْلَمُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنَّ اللَّهَ غَيْرُ مُؤَاخِذٍ مَنْ تَابَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ السَّاعِينَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَغَيْرِهِمْ بِذُنُوبِهِ , وَلَكِنَّهُ يَعْفُو عَنْهُ فَيَسْتُرُهَا عَلَيْهِ وَلَا يَفْضَحُهُ بِهَا بِالْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ , رَحِيمٌ بِهِ فِي عَفْوِهِ عَنْهُ وَتَرْكِهِ عُقُوبَتَهُ عَلَيْهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِيمَا أَخْبَرَهُمْ وَوَعَدَهُمْ
مِنَ الثَّوَابِ , وَأَوْعَدَ مِنَ الْعِقَابِ اتَّقُوا اللَّهَ يَقُولُ: أَجِيبُوا اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكُمْ وَنَهَاكُمْ بِالطَّاعَةِ لَهُ فِي ذَلِكَ , وَحَقِّقُوا إِيمَانَكُمْ وَتَصْدِيقَكُمْ رَبَّكُمْ وَنَبِيَّكُمْ بِالصَّالِحِ مِنْ أَعْمَالِكُمْ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ يَقُولُ: وَاطْلُبُوا الْقُرْبَةَ إِلَيْهِ بِالْعَمَلِ بِمَا يُرْضِيهِ.
وَالْوَسِيلَةُ: هِيَ الْفَعِيلَةُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: تَوَسَّلْتُ إِلَى فُلَانٍ بِكَذَا , بِمَعْنَى: تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ , وَمِنْهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: إِنَّ الرِّجَالَ لَهُمْ إِلَيْكِ وَسِيلَةٌ أَنْ يَأْخُذُوكِ تَكَحَّلِي وَتَخَضَّبِي يَعْنِي بِالْوَسِيلَةِ: الْقُرْبَةُ.
وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرُ: إِذَا غَفَلَ الْوَاشُونَ عُدْنَا لِوَصْلِنَا وَعَادَ التَّصَافِي بَيْنَنَا وَالْوَسَائِلُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ