تفسير الطبري = جامع البيانوَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: 17] يَقُولُ: وَمِنْ وَرَاءِ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ، يَعْنِي أَمَامَهُ وَقُدَّامَهُ عَذَابٌ غَلِيظٌ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: 17] يَقُولُ: وَمِنْ وَرَاءِ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ، يَعْنِي أَمَامَهُ وَقُدَّامَهُ عَذَابٌ غَلِيظٌ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ

اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ، لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ، ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ} [إبراهيم: 18] اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي رَافِعِ ﴿مَثَلُ﴾ [البقرة: 113] ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: إِنَّمَا هُوَ كَأَنَّهُ قَالَ: وَمِمَّا نَقَصَ عَلَيْكَ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [إبراهيم: 18] ثُمَّ أَقْبَلَ يُفَسِّرُ كَمَا قَالَ: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ﴾ [الرعد: 35] وَهَذَا كَثِيرٌ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ: إِنَّمَا الْمَثَلُ لِلْأَعْمَالِ، وَلَكِنَّ الْعَرَبَ تُقَدِّمُ الْأَسْمَاءَ لِأَنَّهَا أَعْرَفُ، ثُمَّ تَأْتِي بِالْخَبَرِ الَّذِي تُخْبِرُ عَنْهُ مَعَ صَاحِبِهِ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ: مَثَلُ أَعْمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ كَرَمَادٍ، كَمَا قِيلَ: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: 60] وَمَعْنَى الْكَلَامِ: تَرَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وُجُوهَ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ مُسْوَدَّةً قَالَ: وَلَوْ خَفَضَ الْأَعْمَالَ جَازَ، كَمَا قَالَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: 217] الْآيَةَ وَقَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الرعد: 35] قَالَ: " فَتَجْرِي هُوَ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَنْ تَجْرِيَ، وَأَنْ يَكُونَ كَذَا وَكَذَا، فَلَوْ أَدْخَلَ «أَنَّ» جَازَ، قَالَ: وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [البحر الوافر] ذَرِينِي إِنَّ أَمْرَكِ لَنْ يُطَاعَا ... وَمَا أَلْفَيْتِنِي حِلْمِي مُضَاعَا قَالَ: فَالْحِلْمُ مَنْصُوبٌ بِـ «أَلْفَيْتِ» عَلَى التَّكْرِيرِ، قَالَ: وَلَوْ رَفَعَهُ كَانَ صَوَابًا.
قَالَ: وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِأَعْمَالِ الْكُفَّارِ، فَقَالَ: مَثَلُ أَعْمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَهَا فِي الدُّنْيَا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ اللَّهَ بِهَا، مَثَلُ رَمَادٍ

عَصَفَتِ الرِّيحُ عَلَيْهِ فِي يَوْمِ رِيحٍ عَاصِفٍ، فَنَسَفَتْهُ وَذَهَبَتْ بِهِ، فَكَذَلِكَ أَعْمَالُ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَجِدُونَ مِنْهَا شَيْئًا يَنْفَعُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ فَيُنْجِيهِمْ مِنْ عَذَابِهِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَهَا للَّهِ خَالِصًا، بَلْ كَانُوا يُشْرِكُونَ فِيهَا الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ.
يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [إبراهيم: 18] يَعْنِي أَعْمَالَهُمُ الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَهَا فِي الدُّنْيَا الَّتِي يُشْرِكُونَ فِيهَا مَعَ اللَّهِ شُرَكَاءَ، هِيَ أَعْمَالٌ عُمِلَتْ عَلَى غَيْرِ هُدًى وَاسْتِقَامَةٍ، بَلْ عَلَى جَوْرٍ عَنِ الْهُدَى بَعِيدٍ، وَأَخْذٍ عَلَى غَيْرِ اسْتِقَامَةٍ شَدِيدٍ.
وَقِيلَ: ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: 18] فَوُصِفَ بِالْعُصُوفِ، وَهُوَ مِنْ صِفَةِ الرِّيحِ، لِأَنَّ الرِّيحَ تَكُونُ فِيهِ كَمَا يُقَالُ: يَوْمٌ بَارِدٌ، وَيَوْمٌ حَارٌّ، لِأَنَّ الْبَرْدَ وَالْحَرَارَةَ يَكُونَانِ فِيهِ؛ وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الرجز] يَوْمَيْنِ غَيْمَيْنِ وَيَوْمًا شَمْسَا فَوَصَفَ الْيَوْمَيْنِ بِالْغَيْمَيْنِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْغَيْمُ فِيهِمَا وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ بِهِ فِي يَوْمٍ عَاصِفِ الرِّيحِ، فَحُذِفَتِ الرِّيحُ لِأَنَّهَا قَدْ ذُكِرَتْ قَالَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ نَظِيرَ قَوْلِ الشَّاعِرِ: [البحر الطويل] إِذَا جَاءَ يَوْمٌ مُظْلِمُ الشَّمْسِ كَاسِفُ يُرِيدُ: كَاسِفَ الشَّمْسِ

وَقِيلَ: هُوَ مِنْ نَعْتِ الرِّيحِ خَاصَّةً، غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ بَعْدَ الْيَوْمِ أُتْبِعَ إِعْرَابَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تُتْبِعُ الْخَفْضَ الْخَفْضَ فِي النُّعُوتِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر البسيط] تُرِيكَ سُنَّةَ وَجْهٍ غَيْرِ مُقْرِفَةٍ ... مَلْسَاءَ لَيْسَ بِهَا خَالٌ وَلَا نَدَبُ فَخَفَضَ «غَيْرِ» إِتْبَاعًا لِإِعْرَابِ الْوَجْهِ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ نَعْتِ السُّنَّةِ، وَالْمَعْنَى: سُنَّةَ وَجْهٍ غَيْرَ مُقْرِفَةٍ، وَكَمَا قَالُوا: هَذَا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ [إبراهيم: 18] قَالَ: " حَمَلَتْهُ الرِّيحُ ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: 18] "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: 18] يَقُولُ: الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وعَبَدُوا غَيْرَهُ، فَأَعْمَالُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ، لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِهِمْ يَنْفَعُهُمْ، كَمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى الرَّمَادِ إِذَا أَرْسَلَ عَلَيْهِ

الرِّيحَ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ "

جارٍ التحميل