سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 18] أَيْ تَكْذِبُونَ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 18] قَالَ: تُشْرِكُونَ وَقَوْلُهُ ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 22] قَالَ: يُشْرِكُونَ , قَالَ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: 139] , قَالَ: قَوْلُهُمُ الْكَذِبَ فِي ذَلِكَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَتَّخِذَ اللَّهُ لَهْوًا، وَلَهُ مُلْكُ جَمِيعِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالَّذِينَ عِنْدَهُ مِنْ خَلْقِهِ لَا يَسْتَنْكِفُونَ عَنْ عِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُ , وَلَا يَعْيَوْنَ مِنْ طُولِ
خِدْمَتِهِمْ لَهُ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ لَا يَسْتَعْبِدُ وَالِدٌ وَلَدَهُ , وَلَا صَاحِبَتَهُ، وَكُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَبِيدُهُ، فَأَنَّى يَكُونُ لَهُ صَاحِبَةٌ وَوَلَدٌ؟ يَقُولُ: أَوَ لَا تَتَفَكَّرُونَ فِيمَا تَفْتَرُونَ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى رَبِّكُمْ؟ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: 19] لَا يَرْجِعُونَ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ،
قَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: 19] لَا يَحْسَرُونَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: 19] قَالَ: لَا يَعْيَوْنَ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: 19] قَالَ: لَا يَعْيَوْنَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: 19] قَالَ: لَا يَسْتَحْسِرُونَ، لَا يَمَلُّونَ ذَلِكَ الِاسْتِحْسَارَ , قَالَ: «وَلَا يَفْتُرُونَ، وَلَا يَسْأَمُونَ» هَذَا كُلُّهُ مَعْنَاهُ وَاحِدٌ , وَالْكَلَامُ مُخْتَلِفٌ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: بَعِيرٌ حَسِيرٌ: إِذَا أَعْيَا وَقَامَ , وَمِنْهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ: بِهَا جِيَفُ الْحَسْرَى فَأَمَّا عِظَامُهَا ... فَبِيضٌ، وَأَمَّا جِلْدُهَا فَصَلِيبُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ﴾ [الأنبياء: 21] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يُسَبِّحُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ عِنْدَهُ مِنْ مَلَائِكَةِ رَبِّهِمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ مِنْ تَسْبِيحِهِمْ إِيَّاهُ
كَمَا حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، سَأَلَ كَعْبًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: 20] , وَ ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: 38] فَقَالَ: هَلْ يَئُودُكَ طَرْفُكَ؟ هَلْ يَئُودُكَ نَفَسُكَ؟ قَالَ: لَا , قَالَ: فَإِنَّهُمْ أُلْهِمُوا التَّسْبِيحَ , كَمَا أُلْهِمْتُمُ الطَّرْفَ وَالنَّفَسَ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ حَسَّانَ بْنِ مُخَارِقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: قُلْتُ لِكَعْبِ الْأَحْبَارِ: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: 20] أَمَا يَشْغَلُهُمْ رِسَالَةٌ أَوْ عَمَلٌ؟ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي إِنَّهُمْ جُعِلَ لَهُمُ التَّسْبِيحُ كَمَا جُعِلَ لَكُمُ النَّفَسُ، أَلَسْتَ تَأْكُلُ وَتُشْرَبُ وَتَقُومُ وَتَقْعُدُ وَتَجِيءُ وَتَذْهَبُ وَأَنْتَ تَنَفَّسُ؟ قُلْتُ: بَلَى , قَالَ: فَكَذَلِكَ جُعِلَ لَهُمُ التَّسْبِيحُ
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَبُو دَاوُدَ قَالَا: ثنا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ عَمْرٍو الْبِكَالِيِّ،
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ، فَجَعَلَ تِسْعَةَ أَجْزَاءٍ الْمَلَائِكَةَ , وَجُزْءًا سَائِرَ الْخَلْقِ.
وَجَزَّأَ الْمَلَائِكَةَ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ، فَجَعَلَ تِسْعَةَ أَجْزَاءٍ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ , وَجُزْءًا لِرِسَالَتِهِ.
وَجَزَّأَ الْخَلْقَ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ، فَجَعَلَ تِسْعَةَ أَجْزَاءٍ الْجِنَّ , وَجُزْءًا سَائِرَ بَنِي آدَمَ.
وَجَزَّأَ بَنِي آدَمَ عَشَرَةَ أَجْزَاءٍ، فَجَعَلَ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ تِسْعَةَ أَجْزَاءٍ , وَجُزْءًا سَائِرَ بَنِي آدَمَ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: 20] يَقُولُ: الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ هُمْ عِنْدَ الرَّحْمَنِ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْأَمُونَ فِيهَا.
وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ مَعَ أَصْحَابِهِ، إِذْ قَالَ: «تَسْمَعُونَ مَا أَسْمَعُ؟» قَالُوا: مَا نَسْمَعُ مِنْ شَيْءٍ يَا نَبِيَّ اللَّهِ , قَالَ: «إِنِّي لَأَسْمَعُ أَطِيطَ السَّمَاءِ، وَمَا تُلَامُ أَنْ تَئِطَّ , وَلَيْسَ فِيهَا مَوْضِعُ رَاحَةٍ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ قَائِمٌ» وَقَوْلُهُ: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ [الأنبياء: 21] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَتَّخَذَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ , يَعْنِي بِقَوْلِهِ ﴿هُمْ﴾ [الأنبياء: 21] : الْآلِهَةَ.
يَقُولُ: هَذِهِ الْآلِهَةُ الَّتِي اتَّخَذُوهَا , تُنْشِرُ الْأَمْوَاتَ , يَقُولُ: يُحْيُونَ الْأَمْوَاتَ؟ وَيُنْشِرُونَ الْخَلْقَ؟ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ.:
كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثني عِيسَى ح وَحَدَّثَنِي
الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿يُنْشِرُونَ﴾ [الأنبياء: 21] يَقُولُ: يُحْيُونَ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ [الأنبياء: 21] يَقُولُ: أَفِي آلِهَتِهِمْ أَحَدٌ يُحْيِي ذَلِكَ , يُنْشِرُونَ؟ وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: 31] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: 154]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 22] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَوْ كَانَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ آلِهَةٌ تَصْلُحُ لَهُمُ الْعِبَادَةُ سِوَى اللَّهِ الَّذِي هُوَ خَالِقُ الْأَشْيَاءِ، وَلَهُ الْعِبَادَةُ وَالْأُلُوهَةُ الَّتِي لَا تَصْلُحُ إِلَّا لَهُ ﴿لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22] يَقُولُ: لَفَسَدَ أَهْلُ
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 22] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَتَنْزِيهٌ لِلَّهِ , وَتَبْرِئَةٌ لَهُ مِمَّا يَفْتَرِي بِهِ عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِهِ مِنَ الْكَذِبِ.
كَمَا:
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: 22] يُسَبِّحُ نَفْسَهُ إِذْ قِيلَ عَلَيْهِ الْبُهْتَانُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُسْئِلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَا سَائِلَ يَسْأَلُ رَبَّ الْعَرْشِ عَنِ الَّذِي يَفْعَلُ بِخَلْقِهِ مِنْ تَصْرِيفِهِمْ فِيمَا شَاءَ مِنْ حَيَاةٍ , وَمَوْتٍ , وَإِعْزَازٍ , وَإِذْلَالٍ , وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِهِ فِيهِمْ , لِأَنَّهُمْ خَلْقُهُ وَعَبِيدُهُ، وَجَمِيعُهُمْ فِي مِلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَالْحُكْمُ حُكْمُهُ، وَالْقَضَاءُ قَضَاؤُهُ، لَا شَيْءَ فَوْقَهُ يَسْأَلُهُ عَمَّا يَفْعَلُ فَيَقُولُ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ؟ وَلِمَ لَمْ تَفْعَلْ؟ ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَجَمِيعُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ عِبَادِهِ مَسْئُولُونَ عَنْ أَفْعَالِهِمْ، وَمُحَاسَبُونَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، وَهُوَ الَّذِي يَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَيُحَاسِبُهُمْ عَلَيْهِ , لِأَنَّهُ فَوْقَهُمْ وَمَالِكُهُمْ، وَهُمْ فِي سُلْطَانِهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿لَا يُسْئِلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ يَقُولُ: لَا يُسْئِلُ عَمَّا يَفْعَلُ بِعِبَادِهِ، وَهُمْ يُسْأَلُونَ عَنْ أَعْمَالِهِمْ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَوْلُهُ: ﴿لَا يُسْئِلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ قَالَ: لَا يُسْئِلُ الْخَالِقُ عَنْ قَضَائِهِ فِي خَلْقِهِ، وَهُوَ يَسْأَلُ الْخَلْقَ عَنْ عَمَلِهِمْ
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يُسْئِلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ قَالَ: لَا يُسْئِلُ
الْخَالِقُ عَمَّا يَقْضِي فِي خَلْقِهِ، وَالْخَلْقُ مَسْئُولُونَ عَنْ أَعْمَالِهِمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 24] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَتَّخَذَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً تَنْفَعُ وَتَضُرُّ , وَتَخْلُقُ , وَتُحْيِي وَتُمِيتُ؟ . قُلْ يَا مُحَمَّدُ لَهُمْ: هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ
, يَعْنِي حُجَّتَكُمْ , يَقُولُ: هَاتُوا إِنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ مُحِقُّونَ فِي قِيلِكُمْ ذَلِكَ حُجَّةً وَدَلِيلًا عَلَى صِدْقِكُمْ.
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [الأنبياء: 24] يَقُولُ: هَاتُوا بَيِّنَتَكُمْ عَلَى مَا تَقُولُونَ
وَقَوْلُهُ: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ [الأنبياء: 24] يَقُولُ: هَذَا الَّذِي جِئْتُكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَالتَّنْزِيلِ، ﴿ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ [الأنبياء: 24] يَقُولُ: خَبَرُ مَنْ مَعِيَ مِمَّا لَهُمْ مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ عَلَى إِيمَانِهِمْ بِهِ , وَطَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ , وَمَا عَلَيْهِمْ مِنْ عِقَابِ اللَّهِ عَلَى مَعْصِيَتِهِمْ إِيَّاهُ , وَكُفْرِهِمْ بِهِ ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ [الأنبياء: 24] يَقُولُ: وَخَبَرُ مَنْ قَبْلِي مِنَ
الْأُمَمِ الَّتِي سَلَفَتْ قَبْلِي، وَمَا فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا , وَهُوَ فَاعِلٌ بِهِمْ فِي الْآخِرَةِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ [الأنبياء: 24] يَقُولُ: هَذَا الْقُرْآنُ فِيهِ ذِكْرُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ , ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ [الأنبياء: 24] يَقُولُ: ذِكْرُ أَعْمَالِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ , وَمَا صَنَعَ اللَّهُ بِهِمْ وَإِلَى مَا صَارُوا
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ [الأنبياء: 24] قَالَ: حَدِيثُ مَنْ مَعِي، وَحَدِيثُ مَنْ قَبْلِي وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ﴾ [الأنبياء: 24] يَقُولُ: بَلْ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ لَا يَعْلَمُونَ الصَّوَابَ فِيمَا يَقُولُونَ وَلَا فِيمَا يَأْتُونَ وَيَذَرُونَ، فَهُمْ مُعْرِضُونَ عَنِ الْحَقِّ جَهْلًا مِنْهُمْ بِهِ , وَقِلَّةَ فَهْمٍ وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ
مَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 24] عَنْ كِتَابِ اللَّهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلَكِ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا أَرْسَلْنَا يَا مُحَمَّدُ مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَى أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا مَعْبُودَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ لَهُ سِوَايَ ﴿فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25] يَقُولُ:
فَأَخْلِصُوا لِيَ الْعِبَادَةَ، وَأَفْرِدُوا لِيَ الْأُلُوهَةَ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلَكِ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25] قَالَ: أَرْسَلْتُ الرُّسُلَ بِالْإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: أَظُنُّهُ أَنَا قَالَ عَمَلٌ حَتَّى يَقُولُوهُ وَيُقِرُّوا بِهِ , وَالشَّرَائِعُ مُخْتَلِفَةٌ , فِي التَّوْرَاةِ شَرِيعَةٌ , وَفِي الْإِنْجِيلِ شَرِيعَةٌ , وَفِي الْقُرْآنِ شَرِيعَةُ حَلَالٍ وَحَرَامٍ.
وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ , وَالتَّوْحِيدِ لَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: 27] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ هَؤُلَاءِ الْكَافِرُونَ بِرَبِّهِمُ: اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا مِنْ مَلَائِكَتِهِ , فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ اسْتِعْظَامًا مِمَّا قَالُوا , وَتَبَرِّيًا مِمَّا وَصَفُوهُ بِهِ سُبْحَانَهُ، يَقُولُ
تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ: مَا ذَلِكَ مِنْ صِفَتِهِ , ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: 26] يَقُولُ: مَا الْمَلَائِكَةُ كَمَا وَصَفَهُمْ بِهِ هَؤُلَاءِ الْكَافِرُونَ مِنْ بَنِي آدَمَ، وَلَكِنَّهُمْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ , يَقُولُ: أَكْرَمُهُمُ اللَّهُ.
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: 26] قَالَ: قَالَتِ الْيَهُودُ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى صَاهَرَ الْجِنَّ، فَكَانَتْ مِنْهُمُ الْمَلَائِكَةُ.
قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَكْذِيبًا لَهُمْ , وَرَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: 26] وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَيْسَ كَمَا قَالُوا، إِنَّمَا هُمْ عِبَادٌ
أَكْرَمُهُمُ اللَّهُ بِعِبَادَتِهِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [مريم: 88] قَالَتِ الْيَهُودُ وَطَوَائِفُ مِنَ النَّاسِ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَاتَنَ إِلَى الْجِنِّ , وَالْمَلَائِكَةُ مِنَ الْجِنِّ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: 26] وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الأنبياء: 27] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا بِمَا يَأْمُرَهُمْ بِهِ رَبُّهُمْ، وَلَا يَعْمَلُونَ عَمَلًا إِلَّا بِهِ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الأنبياء: 27] يُثْنِي عَلَيْهِمْ ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: 27]