تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 71-81

وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: 32] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: رَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ أَعْلَمُ بِمَنْ خَافَ عُقُوبَةَ اللَّهِ فَاجْتَنَبَ مَعَاصِيهِ مِنْ عِبَادِهِ

صفحات 71-81
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 34] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَفَرَأَيْتَ يَا مُحَمَّدُ الَّذِي أَدْبَرَ عَنِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَأَعْرَضَ عَنْهُ

وَعَنْ دِينِهِ، وَأَعْطَى صَاحِبَهُ قَلِيلًا مِنْ مَالِهِ، ثُمَّ مَنَعَهُ فَلَمْ يُعْطِهِ، فَبَخِلَ عَلَيْهِ.
وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ عَاتَبَهُ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ قَدِ اتَّبَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى دِينِهِ، فَضَمِنَ لَهُ الَّذِي عَاتَبَهُ إِنْ هُوَ أَعْطَاهُ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ، وَرَجَعَ إِلَى شِرْكِهِ أَنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ عَذَابَ الْآخِرَةِ، فَفَعَلَ، فَأَعْطَى الَّذِي عَاتَبَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضَ مَا كَانَ ضَمِنَ لَهُ، ثُمَّ بَخِلَ عَلَيْهِ وَمَنَعَهُ تَمَامَ مَا ضَمِنَ لَهُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي

الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَكْدَى﴾ [النجم: 34] قَالَ: " الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ: أَعْطَى قَلِيلًا ثُمَّ أَكْدَى "

حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ [النجم: 33] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ يَرَى﴾ [النجم: 35] قَالَ: " هَذَا رَجُلٌ أَسْلَمَ، فَلَقِيَهُ بَعْضُ مَنْ يُعَيِّرُهُ فَقَالَ: أَتَرَكْتَ دَيْنَ الْأَشْيَاخِ وَضَلَّلْتَهُمْ، وَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ فِي النَّارِ، كَانَ يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَنْصُرَهُمْ، فَكَيْفَ يُفْعَلُ بِآبَائِكَ، فَقَالَ: إِنِّي خَشِيتُ عَذَابَ اللَّهِ، فَقَالَ: أَعْطِنِي شَيْئًا، وَأَنَا أَحْمِلُ كُلَّ عَذَابٍ كَانَ عَلَيْكَ عَنْكَ، فَأَعْطَاهُ شَيْئًا، فَقَالَ زِدْنِي، فَتَعَاسَرَ حَتَّى أَعْطَاهُ شَيْئًا، وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا، وَأَشْهَدَ لَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ ": ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾ [النجم: 34] عَاسَرَهُ ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ [النجم: 35] «نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ» وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَكْدَى﴾ [النجم: 34] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثَنَا مِهْرَانُ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿أَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾ [النجم: 34] قَالَ: «أَعْطَى قَلِيلًا ثُمَّ انْقَطَعَ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثَنِي أَبِي قَالَ: ثَنِي عَمِّي قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾ [النجم: 34]

يَقُولُ: «أَعْطَى قَلِيلًا ثُمَّ انْقَطَعَ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثَنَا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾ [النجم: 34] قَالَ: «انْقَطَعَ فَلَا يُعْطِي شَيْئًا، أَلَمْ تَرَ إِلَى الْبِئْرِ يُقَالُ لَهَا أَكْدَتْ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى؛ وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿وَأَكْدَى﴾ [النجم: 34] : «انْقَطَعَ عَطَاؤُهُ»

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، وَقَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَكْدَى﴾ [النجم: 34] قَالَ: «أَعْطَى قَلِيلًا، ثُمَّ قَطَعَ ذَلِكَ» قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ قَالَ: ثَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مِثْلَ ذَلِكَ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَأَكْدَى﴾ [النجم: 34] «أَيْ بَخِلَ وَانْقَطَعَ عَطَاؤُهُ»

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَكْدَى﴾ [النجم: 34] يَقُولُ: «انْقَطَعَ عَطَاؤُهُ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ

: ﴿وَأَكْدَى﴾ [النجم: 34] «عَاسَرَهُ» وَالْعَرَبُ تَقُولُ: حَفَرَ فُلَانٌ فَأَكْدَى، وَذَلِكَ إِذَا بَلَغَ الْكُدْيَةَ، وَهُوَ أَنْ يَحْفِرَ الرَّجُلُ فِي السَّهْلِ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُهُ جَبَلٌ فَيُكْدِي، يُقَالُ قَدْ أَكْدَى كَدَاءً، وَكَدِيَتْ أَظْفَارُهُ وَأَصَابِعُهُ كُدًى شَدِيدًا، مَنْقُوصٌ: إِذَا غَلُظَتْ، وَكَدِيَتْ أَصَابِعُهُ إِذَا كَلَّتْ فَلَمْ تَعْمَلْ شَيْئًا، وَكَدَا النَّبْتُ إِذَا قَلَّ رِيعُهُ يُهْمَزُ وَلَا يُهْمَزُ وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ يَقُولُ: اشْتُقَّ قَوْلُهُ: أَكْدَى، مِنْ كُدْيَةِ الرَّكِيَّةِ، وَهُوَ أَنْ يَحْفِرَ حَتَّى يَيْأَسَ مِنَ الْمَاءِ، فَيُقَالُ حِينَئِذٍ بَلَغْنَا كُدْيَتَهَا

وَقَوْلُهُ: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾ [النجم: 35] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَعِنْدَ هَذَا الَّذِي ضَمِنَ لَهُ صَاحِبُهُ أَنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ عَذَابَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ عِلْمُ الْغَيْبِ، فَهُوَ يَرَى حَقِيقَةَ قَوْلِهِ، وَوَفَاءَهُ بِمَا وَعَدَ

وَقَوْلُهُ: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾ [النجم: 36] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَمْ لَمْ يُخْبَرْ هَذَا الْمَضْمُونُ لَهُ أَنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ عَذَابَ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ، بِالَّذِي فِي صُحُفِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: 37] يَقُولُ: وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى مَنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ مَا أُرْسِلَ بِهِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الَّذِي وَفَّى، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَفَاؤُهُ بِمَا عَهِدَ إِلَيْهِ

رَبُّهُ مِنْ تَبْلِيغِ رِسَالَاتِهِ، وَهُوَ ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: 38]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثَنَا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: 37] قَالَ: «كَانُوا قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ يَأْخُذُونَ الْوَلِيَّ بِالْوَلِيِّ، حَتَّى كَانَ إِبْرَاهِيمُ، فَبَلَغَ» ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: 38] «لَا يُؤَاخَذُ أَحَدٌ بِذَنْبِ غَيْرِهِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثَنَا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: 37] قَالُوا: «بَلَغَ هَذِهِ الْآيَاتِ» ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: 38]

حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: 37] قَالَ: «وَفَّى طَاعَةَ اللَّهِ، وَبَلَّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ إِلَى خَلْقِهِ» وَكَانَ عِكْرِمَةُ يَقُولُ: وَفَى هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ الْعَشْرِ ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: 38] حَتَّى بَلَغَ ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: 47]

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: 37] «وَفَّى طَاعَةِ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ إِلَى خَلْقِهِ»

حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ طَلْحَةَ الْيَرْبُوعِيُّ قَالَ: ثَنَا أَبُو بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: 37] قَالَ: «بَلَّغَ مَا أُمِرَ بِهِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثَنَا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: 37] قَالَ: «بَلَّغَ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: 37] قَالَ: " وَفَّى: بَلَّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ، بَلَّغَ مَا أُرْسِلَ بِهِ، كَمَا يُبَلِّغُ الرَّجُلُ مَا أُرْسِلَ بِهِ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ وَفَّى بِمَا رَأَى فِي الْمَنَامِ مِنْ ذَبْحِ ابْنِهِ، وَقَالُوا قَوْلُهُ: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: 38] مِنَ الْمُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ؛ وَقَالُوا: مَعْنَى الْكَلَامِ: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَبِمَا فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثَنِي أَبِي قَالَ: ثَنِي عَمِّي قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: 37] يَقُولُ: " إِبْرَاهِيمُ الَّذِي اسْتَكْمَلَ الطَّاعَةَ فِيمَا فَعَلَ بِابْنِهِ حِينَ رَأَى الرُّؤْيَا، وَالَّذِي فِي صُحُفِ مُوسَى ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: 38] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ أَبِي صَخْرٍ، عَنِ الْقُرَظِيِّ، وَسُئِلَ، عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: 37] قَالَ: «وَفَّى بِذَبْحِ ابْنِهِ» وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهُ وَفَّى رَبَّهُ جَمِيعَ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَبُّوَيْهِ قَالَ: ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ: ثَنَا خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «الْإِسْلَامُ ثَلَاثُونَ سَهْمًا وَمَا ابْتُلِيَ بِهَذَا الدِّينِ أَحَدٌ فَأَقَامَهُ إِلَّا إِبْرَاهِيمُ قَالَ اللَّهُ» ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: 37] «فَكَتَبَ اللَّهُ لَهُ بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ»

حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: 37] «مَا فُرِضَ عَلَيْهِ»

وَقَالَ آخَرُونَ: وَفَّى بِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَبَرِ الَّذِي حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: ثَنَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثَنِي زَبَّانُ بْنُ فَائِدٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أُبَيهٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " أَلَا أُخْبِرُكُمْ لَمْ سَمَّى اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وَفَّى؟ لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ كُلَّمَا أَصْبَحَ وَأَمْسَى: " ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17] حَتَّى خَتَمَ الْآيَةَ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ وَفَّى رَبَّهُ عَمَلَ يَوْمِهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَطِيَّةَ قَالَ: ثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: 37] قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا وَفَّى؟» قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: «وَفَّى عَمَلَ يَوْمِهِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي النَّهَارِ» وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: وَفَى جَمِيعِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَجَمِيعِ مَا أُمِرَ بِهِ مِنَ الطَّاعَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ وَفَّى فَعَمَّ بِالْخَبَرِ عَنْ تَوْفِيَتِهِ جَمِيعَ الطَّاعَةِ، وَلَمْ يُخَصِّصْ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّهُ خَصَّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَفَّى ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: 38] فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ، لَا مِمَّا خَصَّ بِهِ الْخَبَرَ عَنْ أَنَّهُ وَفَّى وَأَمَّا التَّوْفِيَةُ فَإِنَّهَا عَلَى الْعُمُومِ، وَلَوْ صَحَّ الْخَبَرَانِ اللَّذَانِ

ذَكَرْنَاهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ نَعْدُ الْقَوْلَ بِهِ إِلَى غَيْرِهِ وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِمَا نَظَرٌ يَجِبُ التَّثَبُّتُ فِيهِمَا مِنْ أَجْلِهِ

وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: 38] فَإِنَّ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿أَلَّا تَزِرُ﴾ [النجم: 38] عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلْنَاهُ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ رَدًّا عَلَى «مَا» الَّتِي فِي قَوْلِهِ ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾ [النجم: 36] يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: 38] غَيْرَهَا، بَلْ كُلُّ آثِمَةٍ فَإِنَّمَا إِثْمُهَا عَلَيْهَا وَقَدْ بَيَّنَّا تَأْوِيلَ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ

فِيهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيُّ قَالَ: ثَنَا أَبُو مَالِكٍ الْجَنْبِيُّ قَالَ: ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْغِفَارِيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ [النجم: 56] قَالَ: «هَذَا فِي صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى» وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: 38] الَّذِي ضَمِنَ لِلْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ أَنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ عَذَابَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ: أَلَمْ يُخْبَرْ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ، وَضَامِنُ هَذَا الضَّمَانِ بِالَّذِي فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ مَكْتُوبٌ: أَنْ لَا تَأْثَمُ آثِمَةٌ إِثْمَ أُخْرَى غَيْرِهَا ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: أَوَلَمْ يُنَبَّأْ أَنَّهُ لَا يُجَازَى

عَامِلٌ إِلَّا بِعَمَلِهِ، خَيْرًا كَانَ ذَلِكَ أَوْ شَرًّا

كَمَا: حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39] ، وَقَرَأَ ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: 4] قَالَ: «أَعْمَالَكُمْ» وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ

حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ: ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39] قَالَ: «فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذَا (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَأَتْبَعْنَاهُمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ) فَأَدْخَلَ الْأَبْنَاءَ بِصَلَاحِ الْآبَاءِ الْجَنَّةَ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: 41] قَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ [النجم: 40] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَنَّ عَمَلَ كُلِّ عَامِلٍ سَوْفَ يَرَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَنْ وَرَدَ الْقِيَامَةَ بِالْجَزَاءِ الَّذِي يُجَازَى عَلَيْهِ، خَيْرًا كَانَ أَوْ شَرًّا،

لَا يُؤَاخَذُ بِعُقُوبَةِ ذَنْبٍ غَيْرَ عَامِلِهِ، وَلَا يُثَابُ عَلَى صَالِحٍ عَمِلَهُ عَامِلٌ غَيْرُهُ وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ: الَّذِي رَجَعَ عَنْ إِسْلَامِهِ بِضَمَانِ

جارٍ التحميل