وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ [البقرة: 144] يَعْنِي اصْرِفْ وَجْهَكَ وَحَوِّلْهُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَقَوْلُهُ: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144] يَعْنِي بِالشَّطْرِ: النَّحْوَ وَالْقَصْدَ وَالتَّلْقَاءَ، كَمَا قَالَ الْهُذَلِيُّ:
[البحر البسيط]
إِنَّ الْعَسِيرَ بِهَا دَاءٌ مُخَامِرُهَا ... فَشَطْرَهَا نَظَرُ الْعَيْنَيْنِ مَحْسُورُ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ شَطْرَهَا: نَحْوَهَا.
وَكَمَا قَالَ ابْنُ أَحْمَرَ:
[البحر البسيط]
تَعْدُو بِنَا شَطْرَ جَمْعٍ وَهْيَ عَاقِدَةٌ ... قَدْ كَارَبَ الْعَقْدُ مِنْ إِيفَادِهَا الْحَقَبَا
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي الْعَالِيَةِ ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144] يَعْنِي تِلْقَاءَهُ " وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144] نَحْوَهُ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلِهِ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144] نَحْوَهُ.
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144] أَيْ تِلْقَاءَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ "
حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144] قَالَ: نَحْوَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144] أَيْ تِلْقَاءَهُ " حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: شَطْرَهُ: نَحْوَهُ
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحِمَّانِيُّ، قَالَ: ثنا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، " ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144] قَالَ: قِبَلَهُ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، ﴿شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144] نَاحِيَتَهُ جَانِبَهُ، قَالَ: وَجَوَانِبُهُ: شُطُورُهُ " ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْمَكَانِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُوَلِّيَ وَجْهَهُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْقِبْلَةُ الَّتِي حُوِّلَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنَاهَا اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: 144] حِيَالَ مِيزَابِ الْكَعْبَةِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، قَالَ: ثنا عُثْمَانُ، قَالَ: أنا شُعْبَةُ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ قَمْطَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، " ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: 144] حِيَالَ مِيزَابِ الْكَعْبَةِ "
وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ قَمْطَةَ، قَالَ: «رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو» جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِإِزَاءِ الْمِيزَابِ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: 144] قَالَ: هَذِهِ الْقِبْلَةُ هِيَ هَذِهِ الْقِبْلَةُ " حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، نَحْوَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ " اسْتَقْبَلَ الْمِيزَابَ فَقَالَ: هَذَا الْقِبْلَةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: 144] " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ الْبَيْتُ كُلُّهُ قِبْلَةَ، وَقِبْلَةُ الْبَيْتِ الْبَابُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «الْبَيْتُ كُلُّهُ قِبْلَةٌ، وَهَذِهِ قِبْلَةُ الْبَيْتِ، يَعْنِي الَّتِي فِيهَا الْبَابُ» وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي مَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144] فَالْمُوَلِّي وَجْهَهُ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ هُوَ الْمُصِيبُ الْقِبْلَةَ.
وَإِنَّمَا عَلَى مَنْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ النِّيَّةُ بِقَلْبِهِ أَنَّهُ إِلَيْهِ مُتَوَجِّهٌ، كَمَا أَنَّ عَلَى مَنِ ائْتَمَّ بِإِمَامٍ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ الِائْتِمَامُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحَاذِيًا بَدَنُهُ بَدَنُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي طَرَفِ الصَّفِّ وَالْإِمَامُ فِي طَرَفٍ آخَرَ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ مَنْ خَلْفَهُ مُؤْتَمًّا بِهِ مُصَلِّيًا إِلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُصَلِّي إِلَيْهِ الْإِمَامُ.
فَكَذَلِكَ حُكْمُ الْقِبْلَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُحَاذِيهَا كُلُّ مُصَلٍّ وَمُتَوَجِّهٌ إِلَيْهَا بِبَدَنِهِ غَيْرَ أَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إِلَيْهَا، فَإِنْ كَانَ عَنْ يَمِينِهَا أَوْ عَنْ يَسَارِهَا مُقَابِلَهَا فَهُوَ مُسْتَقْبِلُهَا بَعْدَ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، أَوْ قَرُبَ مِنْ عَنِ يَمِينِهَا أَوْ عَنْ يَسَارِهَا بَعْدَ أنْ يَكُونَ
غَيْرَ مُسْتَدْبِرِهَا، وَلَا مُنْحَرِفٍ عَنْهَا بِبَدَنِهِ وَوَجْهِهِ
كَمَا حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمِيرَةَ بْنِ زِيَادٍ الْكِنْدِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144] قَالَ: شَطْرَهُ قِبَلَهُ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقِبْلَةُ الْبَيْتِ: بَابُهُ
كَمَا حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَالْفَضْلُ بْنُ الصَّبَّاحِ، قَالَا: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: قَالَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ " رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ خَرَجَ مِنَ الْبَيْتِ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ إِلَى الْبَابِ فَقَالَ: «هَذِهِ الْقِبْلَةُ، هَذِهِ الْقِبْلَةُ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، وَسُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، قَالَا: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، قَالَ: " خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْبَيْتِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ مُسْتَقْبِلًا بِوَجْهِهِ الْكَعْبَةَ، فَقَالَ: «هَذِهِ الْقِبْلَةُ» مَرَّتَيْنِ " حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، قَالَ: ثنا أَبِي قَالَ: ثنا ابْنُ جُرَيْجٍ،
قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ: " إِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالطَّوَافِ، وَلَمْ تُؤْمَرُوا بِدُخُولِهِ.
قَالَ: لَمْ يَكُنْ يَنْهَى عَنْ دُخُولِهِ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ فِي قِبَلِ الْقِبْلَةِ رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ: «هَذِهِ الْقِبْلَةُ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَأُخْبِرَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْبَيْتَ هُوَ الْقِبْلَةُ، وَأَنَّ قِبْلَةَ الْبَيْتِ بَابُهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ: فَأَيْنَمَا كُنْتُمْ مِنَ الْأَرْضِ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فَحَوِّلُوا وُجُوهَكُمْ فِي صَلَاتِكُمْ نَحْوَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَتِلْقَاءَهُ.
وَالْهَاءُ الَّتِي فِي «شَطْرِهِ» عَائِدَةٌ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَأَوْجَبَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
فَرْضُ التَّوَجُّهِ نَحْوَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي صَلَاتِهِمْ حَيْثُ كَانُوا مِنْ أَرْضِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى.
وَأُدْخِلَتِ الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَوَلُّوا﴾ [البقرة: 144] جَوَابًا لِلْجَزَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَيْثُمَا كُنْتُمْ﴾ جَزَاءً، وَمَعْنَاهُ: حَيْثُمَا تَكُونُوا فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 144] . يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ أَحْبَارُ الْيَهُودِ وَعُلَمَاءُ النَّصَارَى.
وَقَدْ قِيلَ إِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ الْيَهُودَ خَاصَّةً
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البقرة: 144] أُنْزِلَ ذَلِكَ فِي الْيَهُودِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 144] يَعْنِي هَؤُلَاءِ الْأَحْبَارِ، وَالْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، يَعْلَمُونَ أَنَّ التَّوَجُّهَ نَحْوَ الْمَسْجِدِ الْحَقُّ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَذُرِّيَّتِهِ، وَسَائِرِ عِبَادِهِ بَعْدَهُ " وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 5] أَنَّهُ الْفَرْضُ الْوَاجِبُ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ، وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ فَرَضَهُ عَلَيْهِمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 74] يَعْنِي بِذَلِكَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وَلَيْسَ اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي اتَّبَاعِكُمُ أَمْرَهُ وَانْتَهَائِكُمْ إِلَى طَاعَتِهِ فِيمَا أَلَزَمَكُمْ مِنْ فَرَائِضِهِ وَإِيمَانِكُمْ بِهِ فِي صَلَاتِكُمْ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ صَلَاتِكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ،
وَلَا هُوَ سَاهٍ عَنْهُ، وَلَكِنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُحْصِيَهُ لَكُمْ وَيَدَّخِرُهُ لَكُمْ عِنْدَهُ حَتَّى يُجَازِيَكُمْ بِهِ أَحْسَنَ جَزَاءٍ، وَيُثِيبُكُمْ عَلَيْهِ أَفْضَلَ ثَوَابٍ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 145] يَعْنِي بِذَلِكَ تَبَارَكَ اسْمُهُ: وَلَئِنْ جِئْتَ يَا مُحَمَّدُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِكُلِّ
بُرْهَانٍ، وَحُجَّةٍ وَهِيَ الْآيَةُ بِأَنَّ الْحَقَّ هُوَ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ فَرْضِ التَّحَوُّلِ مِنْ قِبْلَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ
فِي الصَّلَاةِ إِلَى قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، مَا صَدَّقُوا بِهِ وَلَا اتَّبَعُوا مَعَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ قِبْلَتَكَ الَّتِي حَوَّلْتُكَ إِلَيْهَا وَهِيَ التَّوَجُّهُ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
وَأُجِيبَتْ «لَئِنْ» بِالْمَاضِي مِنَ الْفِعْلِ وَحُكْمُهَا الْجَوَّابُ بِالْمُسْتَقْبَلِ تَشْبِيهًا لَهَا بِ «لَوْ» فَأُجِيبْتَ بِمَا تُجَابُ بِهِ لَوْ لِتَقَارُبِ مَعْنَيْيِهِمَا؛ وَقَدْ مَضَى الْبَيَانُ عَنْ نَظِيرِ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى.
وَأُجِيبَتْ «لَوْ» بِجَوَابِ الْأَيْمَانِ، وَلَا تَفْعَلُ الْعَرَبُ ذَلِكَ إِلَّا فِي الْجَزَاءِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ الْجَزَاءَ مُشَابِهِ الْيَمِينَ فِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يَتِمُّ أَوَّلُهُ إِلَّا بِآخِرِهِ، وَلَا يَتِمُّ وَحْدَهُ، وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِمَا يُؤَكَّدُ بِهِ بَعْدَهُ، فَلَمَّا بَدَأَ بِالْيَمِينِ فَأُدْخِلَتْ عَلَى الْجَزَاءِ صَارَتِ اللَّامُ الْأُولَى بِمَنْزِلَةِ يَمِينٍ، وَالثَّانِيَةُ بِمَنْزِلَةِ جَوَابٍ لَهَا، كَمَا قِيلَ: لَعَمْرُكَ لَتَقُومَنَّ إِذْ كَثُرَتِ اللَّامُ مِنْ لَعَمْرُكَ " حَتَّى صَارَتْ كَحَرْفٍ مِنْ حُرُوفِهِ، فَأُجِيبَ بِمَا يُجَابُ بِهِ الْأَيْمَانُ، إِذْ كَانَتِ اللَّامُ تَنُوبُ فِي الْأَيْمَانِ عَنِ الْأَيْمَانِ دُونَ سَائِرِ الْحُرُوفِ غَيْرِ الَّتِي هِيَ أَحَقُّ بِهِ الْأَيْمَانُ، فَتَدُلُّ عَلَى الْأَيْمَانِ، وَتَعْمَلُ عَمَلَ الْأَجْوِبَةِ، وَلَا تَدُلُّ سَائِرُ أَجْوِبَةِ الْأَيْمَانِ لَنَا عَلَى الْأَيْمَانِ؛ فَشُبِّهَتِ اللَّامُ الَّتِي فِي جَوَابِ الْأَيْمَانِ بِالْأَيْمَانِ لِمَا وَصَفْنَا، فَأُجِيبَتْ بِأَجْوِبَتِهَا.
فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا: «لَوْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قَبْلَتَكَ»
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ [البقرة: 145] يَقُولُ: وَمَا لَكَ مِنْ سَبِيلٍ يَا مُحَمَّدُ إِلَى
اتِّبَاعِ قِبْلَتِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ تَسْتَقْبِلُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِصَلَاتِهَا، وَأَنَّ النَّصَارَى تَسْتَقْبِلُ الْمَشْرِقَ، فَأَنَّى يَكُونُ لَكَ السَّبِيلُ إِلَى اتِّبَاعِ قِبْلَتِهِمْ مَعَ اخْتِلَافِ وجُوهِهَا.
يَقُولُ: فَالْزَمْ قِبْلَتَكَ الَّتِي أُمِرْتَ بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهَا، وَدَعْ عَنْكَ مَا تَقُولُهُ الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى وَتَدْعُوكَ إِلَيْهِ مِنْ قِبْلَتِهِمْ وَاسْتِقْبَالِهَا
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ [البقرة: 145] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: وَمَا الْيَهُودُ بِتَابِعَةٍ قِبْلَةَ النَّصَارَى، وَلَا النَّصَارَى بِتَابِعَةٍ قِبْلَةَ الْيَهُودِ فَمُتَوَجِّهَةٌ نَحْوَهَا
كَمَا حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعْ قِبْلَةٍ بَعْضٍ﴾ [البقرة: 145] " يَقُولُ: " مَا الْيَهُودُ بِتَابِعِي قِبْلَةِ النَّصَارَى، وَلَا النَّصَارَى بِتَابِعِي قِبْلَةَ الْيَهُودِ.
قَالَ: وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا حُوِّلَ إِلَى الْكَعْبَةِ، قَالَتِ الْيَهُودُ: إِنَّ مُحَمَّدًا اشْتَاقَ إِلَى بَلَدِ أَبِيهِ وَمَوْلِدِهِ، وَلَوْ ثَبَتَ عَلَى قِبْلَتِنَا لَكُنَّا نَرْجُو أَنْ يَكُونَ هُوَ صَاحِبَنَا الَّذِي نَنْتَظِرُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 144] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 146] " حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ [البقرة: 145] مِثْلَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ، وَالنَّصَارَى لَا تَجْتَمِعُ عَلَى قِبْلَةٍ وَاحِدَةٍ مَعَ إِقَامَةِ كُلِّ حِزْبٍ مِنْهُمْ عَلَى مِلَّتِهِمْ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مُحَمَّدُ لَا تُشْعِرُ نَفْسَكَ رِضَا هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى، فَإِنَّهُ أَمْرٌ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهُمْ
مَعَ اخْتِلَافِ مِلَلِهِمْ لَا سَبِيلَ لَكَ إِلَى إِرْضَاءِ كُلِّ حِزْبٍ مِنْهُمْ، مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ إِنِ اتَّبَعْتَ قِبْلَةَ الْيَهُودِ أَسْخَطْتَ النَّصَارَى، وَإِنِ اتَّبَعْتَ قِبْلَةَ النَّصَارَى أَسْخَطْتَ الْيَهُودَ، فَدَعْ مَا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، وَادْعُهُمْ إِلَى مَا لَهُمُ السَّبِيلُ إِلَيْهِ مِنَ الِاجْتِمَاعِ عَلَى مِلَّتِكَ الْحَنِيفِيَّةِ الْمُسْلِمَةِ، وَقِبْلَتِكَ قِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَالْأَنْبِيَاءِ مِنْ بَعْدِهِ
الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَي: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 145] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [البقرة: 120] وَلَئِنِ الْتَمَسْتَ يَا مُحَمَّدُ رِضَا هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى الَّذِينَ قَالُوا لَكَ وَلِأَصْحَابِكَ: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: 135] ، فَاتَّبَعْتَ قِبْلَتَهُمْ يَعْنِي
فَرَجَعْتَ إِلَى قِبْلَتِهِمْ.
ويعني بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة: 145] مِنْ بَعْدِ مَا وَصَلَ إِلَيْكَ مِنَ الْعِلْمِ بِإِعْلَامِي إِيَّاكَ أَنَّهُمْ مُقِيمُونَ عَلَى بَاطِلٍ وَعَلَى عِنَادٍ مِنْهُمْ لِلْحَقِّ وَمَعْرِفَةٍ مِنْهُمْ أَنَّ الْقِبْلَةَ الَّتِي وَجَّهْتُكَ إِلَيْهَا هِيَ الْقِبْلَةُ الَّتِي فَرَضْتُ عَلَى أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَسَائِرِ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنَ الرُّسُلِ التَّوَجُّهَ نَحْوَهَا؛ ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 145] يَعْنِي أَنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ مِنْ عِبَادِي الظَّلَمَةِ أَنْفُسَهُمُ الْمُخَالِفِينَ أَمْرِي، وَالتَّارِكِينَ طَاعَتِي، وَأَحَدُهُمْ، وَفِي عِدَادِهِمْ