تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 100-104

ذِكْرُ الْأَخْبَارِ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ فِيمَنْ كَانَ مِنْ قُدَمَاءِ الْمُفَسِّرِينَ مَحْمُودًا عِلْمُهُ بِالتَّفْسِيرِ وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ مَذْمُومًا عِلْمُهُ بِذَلِكَ

صفحات 100-104
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «إِنَّمَا سُمِّيَتْ مَثَانِيَ لِأَنَّهَا ثُنِّيَتْ فِيهَا الْفَرَائِضُ وَالْحُدُودُ»

حَدَّثَنَا بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ يُكْثِرُ تِعْدَادُهُمْ: «الْقُرْآنُ كُلُّهُ مَثَانٍ» وَقَالَ جَمَاعَةٌ أُخْرَى: بَلِ الْمَثَانِي فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، لِأَنَّهَا تُثَنَّى قِرَاءَتُهَا فِي كُلِّ صَلَاةٍ.
وَسَنَذْكُرُ أَسْمَاءَ قَائِلِي ذَلِكَ وَعِلَلَّهُمْ، وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ، فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ، إِذَا انْتَهَيْنَا إِلَى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: 87] إِنَّ شَاءَ اللَّهُ ذَلِكَ.

وَبِمْثِلِ مَا جَاءَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي أَسْمَاءِ سُوَرِ الْقُرْآنِ الَّتِي ذُكِرَتْ، جَاءَ شِعْرُ الشُّعَرَاءِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَلَفْتُ بِالسَّبْعِ اللَّوَاتِي طُوِّلَتْ ... وَبِمِئِينَ بَعْدَهَا قَدْ أُمْئِيَتْ وَبِمَثَانٍ ثُنِّيَتْ فَكُرِّرَتْ ... وَبِالطَّوَاسِينِ الَّتِي قَدْ ثُلِّثَتْ وبِالْحَوَامِيمِ اللَّوَاتِي سُبِّعَتْ ... وَبِالمُفَصَّلِ اللَّوَاتِي فُصِّلَتْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلْنَاهُ، فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ؛ وَأَمَّا الْمُفَصَّلُ، فَإِنَّهَا سُمِّيَتْ مُفَصَّلًا، لِكَثْرَةِ الْفُصُولِ الَّتِي بَيْنَ سِوَرِهَا بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: ثُمَّ تُسَمَّى كُلُّ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ سُورَةً، وَتُجْمَعُ سُوَرًا، عَلَى تَقْدِيرِ خُطْبَةٍ وَخُطَبٍ، وَغُرْفَةٍ وَغُرَفٍ؛

وَالسُّورَةُ بِغَيْرِ هَمْزٍ: الْمَنْزِلَةُ مِنْ مَنَازِلِ الِارْتِفَاعِ، وَمِنْ ذَلِكَ سُورُ الْمَدِينَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ الْحَائِطُ الَّذِي يُحْوِيهَا لِارْتِفَاعِهِ عَلَى مَا يَحْوِيهِ، غَيْرَ أَنَّ السُّورَةَ مِنْ سُورِ الْمَدِينَةِ لَمْ يُسْمَعْ فِي جَمْعِهَا سُوَرٌ، كَمَا سُمِعَ فِيَ جَمْعِ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ سُوَرٌ، قَالَ الْعَجَّاجُ: فِي جَمْعِ السُّورَةِ مِنَ الْبِنَاءِ: [البحر الرجز] فَرُبَّ ذِي سُرَادِقَ مَحْجُورٍ ... سُرْتُ إِلَيْهِ فِي أَعَالِي السُّورِ فَخَرَّجَ بِتَقْدِيرِ جَمْعِهَا عَلَى تَقْدِيرِ جَمْعِ بُرَّةٍ وَبُسْرَةٍ، لِأَنَّ جَمْعَ ذَلِكَ بُرٌّ وَبُسْرٌ، وَكَذَلِكَ لَمْ يُسْمَعْ فِي جَمْعِ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ سُوَرٌ، وَلَوْ جُمِعَتْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ خَطَأً فِي الْقِيَاسِ، إِذَا أُرِيدَ بِهِ جَمِيعُ الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا تَرَكُوا فِيمَا يَرَى جَمْعَهُ كَذَلِكَ، لِأَنَّ كُلَّ جَمْعٍ كَانَ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ الْمُذَكَّرِ مِثْلَ بُرٍّ وَشَعِيرٍ وَقَصَبٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنَّ جِمَاعَهُ كَالْوَاحِدِ مِنَ الْأَشْيَاءِ غَيْرَهُ، لِأَنَّ حُكْمَ الْوَاحِدِ مِنْهُ مُفْرَدًا قَلَّمَا يُصَابُ، فَجَرَى جِمَاعُهُ مَجْرَى الْوَاحِدِ مِنَ الْأَشْيَاءِ غَيْرِهِ، ثُمَّ

جُعِلَتِ الْوَاحِدَةُ مِنْهُ كَالْقِطْعَةِ مِنْ جَمِيعِهِ، فَقِيلَ: بُرَّةٌ وَشَعِيرَةٌ وَقَصَبَةٌ، يُرَادُ بِهِ قِطْعَةٌ مِنْهُ، وَلَمْ تَكُنْ سُوَرُ الْقُرْآنِ مَوْجُودَةً مُجْتَمِعَةً اجْتِمَاعَ الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَسُورُ الْمَدِينَةِ، بَلْ كُلُّ سُورَةٍ مِنْهَا مَوْجُودَةٌ مُنْفَرِدَةٌ بِنَفْسِهَا انْفِرَادَ كُلِّ غُرْفَةٍ مِنَ الْغُرَفِ، وَخُطْبَةٍ مِنَ الْخُطَبِ، فَجَعَلَ جَمْعَهَا جَمْعَ الْغُرَفِ وَالْخُطَبِ، الْمَبْنِيُّ جَمْعُهَا مِنْ وَاحِدِهَا، وَمِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَعْنَى السُّورَةِ الْمَنْزِلَةُ مِنَ الِارْتِفَاعِ قَوْلُ نَابِغَةِ بَنِي ذُبْيَانَ: [البحر الطويل] أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاكَ سُورَةً ... تَرَى كُلَّ مَلِكٍ دُونَهَا يَتَذَبْذَبُ يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَعْطَاهُ مَنْزِلَةً مِنْ مَنَازِلِ الشَّرَفِ، الَّتِي قُصِرَتْ عَنْهَا مَنَازِلُ الْمُلُوكِ.
وَقَدْ هَمَزَ بَعْضُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَتَأْوِيلُهَا فِي لُغَةِ مَنْ هَمَزَهَا: الْقِطْعَةُ الَّتِي أَفُضِلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ عَمَّا سِوَاهَا وَأُبْقِيَتْ، وَذَلِكَ أَنَّ سُؤْرَ كُلِّ شَيْءٍ الْبَقِيَّةُ مِنْهُ.
تَبْقَى بَعْدَ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الْفَضْلَةُ مِنْ شَرَابِ الرَّجُلِ يَشْرَبُهُ، ثُمَّ يَفْضُلُهَا فَيُبْقِيهَا فِي الْإِنَاءِ سُؤْرًا؛ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ، يَصِفُ امْرَأَةً فَارَقَتْهُ، فَأَبْقَتْ مِنْ وَجْدِهَا بَقِيَّةً: [البحر المتقارب] فَبَانَتْ وَقَدْ أَسْأَرَتْ فِي الْفُؤَادِ ... صَدْعًا عَلَى نَأْيِهَا مُسْتَطِيرَا وَقَالَ الْأَعْشَى فِي مِثْلِ ذَلِكَ: [البحر البسيط]

بَانَتْ وَقَدْ أَسْأَرَتْ فِي النَّفْسِ حَاجَتَهَا ... بَعْدَ ائْتِلَافٍ وَخَيْرُ الْودِّ مَا نَفَعَا وَأَمَّا الْآيَةُ مِنْ الْقُرْآنِ، فَإِنَّهَا تَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ سُمِّيَتْ آيَةً، لِأَنَّهَا عَلَامَةٌ يُعْرَفُ بِهَا تَمَامُ مَا قَبْلَهَا وَابْتِدَاؤُهَا، كَالْآيَةِ الَّتِي تَكُونُ دَلَالَةً عَلَى الشَّيْءِ، يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَيْهِ، كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: [البحر الطويل] أَلِكْنِي إِلَيْهَا عَمْرَكَ اللَّهُ يَا فَتَى ... بِآيَةِ مَا جَاءَتْ إِلَيْنَا تَهَادِيَا يَعْنِي: بِعَلَامَةِ ذَلِكَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ، جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ﴾ [المائدة: 114] أَيْ عَلَامَةً مِنْكَ، لِإِجَابَتِكَ دُعَاءَنَا، وَإِعْطَائِكَ إِيَّانَا سُؤْلَنَا.
وَالْآخَرُ مِنْهُمَا: الْقِصَّةُ، كَمَا قَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى: [البحر الطويل] أَلَا بَلِّغَا هَذَا الْمُعَرِّضَ آيَةً ... أَيَقْظَانَ قَالَ الْقَوْلَ إِذْ قَالَ أَمْ حَلَمْ يَعْنِي بِقَوْلِهِ آيَةً: رِسَالَةً مِنِّي وَخَبَرًا عَنِّي، فَيَكُونُ مَعْنَى الْآيَاتِ: الْقَصَصُ، قِصَّةٌ تَتْلُو قِصَّةً بِفُصُولٍ وَوُصُولٍ

جارٍ التحميل