وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: 125] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا بِحُجَّتِي
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: 125] قَالَ: عَالِمًا بِحُجَّتِي وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَاهُ: وَقَدْ كُنْتُ ذَا بَصَرٍ أُبْصِرُ بِهِ الْأَشْيَاءَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: 125] فِي الدُّنْيَا
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: {قَالَ رَبِّ لِمَ
حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا} [طه: 125] قَالَ: كَانَ بَعِيدَ الْبَصَرِ، قَصِيرَ النَّظَرِ، أَعْمَى عَنِ الْحَقِّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا، أَنَّ اللَّهَ عَزَّ شَأْنُهُ وَجَلَّ ثَنَاؤُهُ، عَمَّ بِالْخَبَرِ عَنْهُ بِوَصْفِهِ نَفْسُهُ بِالْبَصَرِ، وَلَمْ يُخَصِّصْ مِنْهُ مَعْنًى دُونَ مَعْنًى، فَذَلِكَ عَلَى مَا عَمَّهُ.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ، قَالَ: رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى عَنْ حُجَّتِي وَرُؤْيَةِ الْأَشْيَاءِ، وَقَدْ كُنْتُ فِي الدُّنْيَا ذَا بَصَرٍ بِذَلِكَ كُلِّهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قَالَ هَذَا لِرَبِّهِ: ﴿لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى﴾ [طه: 125] مَعَ مُعَايَنَتِهِ عَظِيمَ سُلْطَانِهِ، أَجَهِلَ فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ مَا شَاءَ، أَمْ مَا وَجْهُ ذَلِكَ؟ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ مِنْهُ مَسْأَلَةٌ لِرَبِّهِ يُعَرِّفُهُ الْجُرْمَ الَّذِي اسْتَحَقَّ بِهِ ذَلِكَ، إِذْ كَانَ قَدْ جَهِلَهُ، وَظَنَّ أَنْ لَا جُرْمَ لَهُ، اسْتَحَقَّ ذَلِكَ بِهِ مِنْهُ، فَقَالَ: رَبِّ لِأَيِّ ذَنْبٍ وَلِأَيِّ جُرْمٍ حَشَرْتَنِي أَعْمَى، وَقَدْ كُنْتُ مِنْ قَبْلُ فِي الدُّنْيَا بَصِيرًا وَأَنْتَ لَا تُعَاقِبُ أَحَدًا إِلَّا بِدُونِ مَا يَسْتَحِقُّ مِنْكَ مِنَ الْعِقَابِ
وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ [طه: 126] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ، قَالَ اللَّهُ حِينَئِذٍ لِلْقَائِلِ لَهُ: ﴿لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ [طه: 125] فَعَلْتُ ذَلِكَ بِكَ، فَحَشَرْتُكَ أَعْمَى كَمَا أَتَتْكَ آيَاتِي، وَهِيَ حُجَجُهُ وَأَدِلَّتُهُ وَبَيَانُهُ الَّذِي بَيَّنَهُ فِي كِتَابِهِ، فَنَسِيتَهَا: يَقُولُ: فَتَرَكْتُهَا وَأَعْرَضْتُ عَنْهَا، وَلَمْ تُؤْمِنْ بِهَا،
وَلَمْ تَعْمَلْ.
وَعَنَى بِقَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ﴾ [طه: 126] هَكَذَا أَتَتْكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: 126] يَقُولُ: فَكَمَا نَسِيتَ آيَاتِنَا فِي الدُّنْيَا، فَتَرَكْتَهَا
وَأَعْرَضْتَ عَنْهَا، فَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نَنْسَاكَ، فَنَتْرُكُكَ فِي النَّارِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: 126] فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَحْمَسِيُّ، قَالَ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: 126] قَالَ: فِي النَّارِ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ [طه: 126] قَالَ: فَتَرَكْتَهَا ﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: 126] وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُتْرَكُ فِي النَّارِ وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ فِي ذَلِكَ
مَا حَدَّثَنِي بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: 126] قَالَ: نَسِيَ مِنَ الْخَيْرِ، وَلَمْ يَنْسَ مِنَ الشَّرِّ وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ قَتَادَةُ قَرِيبُ الْمَعْنَى مِمَّا قَالَهُ أَبُو صَالِحٍ وَمُجَاهِدٌ، لِأَنَّ تَرْكَهُ إِيَّاهُمْ فِي النَّارِ أَعْظَمُ الشَّرِّ لَهُمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه: 127]
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَهَكَذَا نَجْزِي: أَيْ نُثِيبُ مَنْ أَسْرَفَ فَعَصَى رَبَّهُ، وَلَمْ يُؤْمِنْ بِرُسُلِهِ وَكُتُبِهِ، فَنَجْعَلُ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا فِي الْبَرْزَخِ كَمَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ.
﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه: 127] . يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَلَعَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ أَشَدُّ لَهُمْ مِمَّا وَعَدْتَهُمْ فِي الْقَبْرِ مِنَ الْمَعِيشَةِ الضَّنْكِ ﴿وَأَبْقَى﴾ [طه: 71] يَقُولُ: وَأَدْوَمُ مِنْهَا، لِأَنَّهُ إِلَى غَيْرِ أَمَدٍّ وَلَا نِهَايَةَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ [طه: 128] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفَلَمْ يَهْدِ لِقَوْمِكَ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ، وَمَعْنَى يَهْدِ: يُبَيِّنُ.
يَقُولُ: أَفَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ كَثْرَةَ مَا أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الَّتِي سَلَكَتْ قَبْلَهَا الَّتِي يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ وَدُورِهِمْ، وَيَرَوْنَ آثَارَ عُقُوبَاتِنَا الَّتِي أَحْلَلْنَاهَا بِهِمْ سُوءَ مَغَبَّةِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنَ الْكُفْرِ بِآيَاتِنَا، وَيَتَّعِظُوا بِهِمْ، وَيَعْتَبِرُوا، وَيُنِيبُوا إِلَى الْإِذْعَانِ، وَيُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، خَوْفًا أَنْ يُصِيبَهُمُ بِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ مِثْلَ مَا أَصَابَهُمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: {كَمْ أَهْلَكْنَا
قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ} [طه: 128] لِأَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَتَّجِرُ إِلَى الشَّأْمِ، فَتَمُرُّ بِمَسَاكِنِ عَادٍ وَثَمُودَ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ، فَتَرَى آثَارَ وَقَائِعِ اللَّهِ تَعَالَى بِهِمْ، فَلِذَلِكَ قَالَ لَهُمْ: أَفَلَمْ يُحَذِّرْهُمْ مَا يَرَوْنَ مِنْ فَعَلْنَا بِهِمْ بِكُفْرِهِمْ بِنَا نُزُولَ مِثْلِهِ بِهِمْ، وَهُمْ عَلَى مِثْلِ فِعْلِهِمْ مُقِيمُونَ وَكَانَ الْفَرَّاءُ يَقُولُ: لَا يَجُوزُ فِي كَمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنْ يَكُونَ إِلَّا نَصْبًا بِأَهْلَكْنَا، وَكَانَ يَقُولُ: وَهُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا نَصْبًا، فَإِنَّ جُمْلَةَ الْكَلَامِ رَفْعٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَهْدِ لَهُمْ﴾ [طه: 128] وَيَقُولُ: ذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ الْقَائِلِ: قَدْ تَبَيَّنَ لِي أَقَامَ عَمْرٌو أَمْ زَيْدٌ فِي الِاسْتِفْهَامِ، وَكَقَوْلِهِ ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعْوتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ [الأعراف: 193] وَيَزْعُمُ أَنَّ فِيهِ شَيْئًا يُرْفَعُ سَوَاءٌ لَا يَظْهَرُ مَعَ الِاسْتِفْهَامِ، قَالَ: وَلَوْ قُلْتُ: سَوَاءً عَلَيْكُمْ صَمْتُكُمْ وَدُعَاؤُكُمْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ الرَّفْعُ الَّذِي فِي الْجُمْلَةِ وَلَيْسَ الَّذِي قَالَ الْفَرَّاءُ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ: لِأَنَّ كَمْ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ حُرُوفِ الِاسْتِفْهَامِ فَإِنَّهَا لَمْ تَجْعَلْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِلِاسْتِفْهَامِ، بَلْ هِيَ وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ الْأَسْمَاءِ الْمَوْصُوفَةِ.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ مَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ وَهُوَ: أَفَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ كَثْرَةَ إِهْلَاكِنَا قَبْلَهُمُ
الْقُرُونَ الَّتِي يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ، أَوْ أَفَلَمْ تَهْدِهِمُ الْقُرُونُ الْهَالِكَةُ.
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: «أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ مَنْ أَهْلَكْنَا» فَكَمْ وَاقِعَةٌ مَوْقِعَ مَنْ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، هِيَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِقَوْلِهِ: ﴿يَهْدِ لَهُمْ﴾ [طه: 128] وَهُوَ أَظْهَرُ وُجُوهِهِ، وَأَصَحُّ مَعَانِيهِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي قَالَهُ وَجْهٌ وَمَذْهَبٌ عَلَى بُعْدٍ
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ [طه: 54] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ فِيمَا يُعَايِنُ هَؤُلَاءِ وَيَرَوْنَ مِنْ آثَارِ وَقَائِعِنَا بِالْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ رُسُلِهَا قَبْلَهُمْ، وَحُلُولِ مُثْلَاتِنَا بِهِمْ لِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ ﴿لَآيَاتٍ﴾ [البقرة: 164] يَقُولُ: لَدَلَالَاتٍ وَعِبَرًا وَعِظَاتٍ ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾ [طه: 54] يَعْنِي: لِأَهْلِ الْحِجَى وَالْعُقُولِ، وَمَنْ يَنْهَاهُ عَقْلُهُ وَفَهْمُهُ
وَدِينُهُ عَنْ مُوَاقَعَةِ مَا يَضُرُّهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾ [طه: 54] يَقُولُ: الْتُّقَى
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ [طه: 54] أَهْلُ الْوَرَعِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: 130] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ [يونس: 19] يَا مُحَمَّدُ أَنَّ كُلَّ مَنْ قَضَى لَهُ أَجَلًا فَإِنَّهُ لَا
يَخْتَرِمُهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ أَجَلَهُ ﴿وَأَجَلٌّ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: 2] يَقُولُ: وَوَقْتٌ مُسَمًّى عِنْدَ رَبِّكَ سَمَّاهُ لَهُمْ فِي أُمِّ الْكِتَابِ وَخَطَّهُ فِيهِ، هُمْ بَالِغُوهُ وَمُسْتَوْفُوهُ ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾ [طه: 129] يَقُولُ: لَلَازَمَهُمُ الْهَلَاكُ عَاجِلًا، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: لَازِمٌ فُلَانٌ فُلَانًا يُلَازِمُهُ مُلَازَمَةً وَلِزَامًا: إِذَا لَمْ يُفَارِقْهُ، وَقَدِمَ قَوْلُهُ: ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾ [طه: 129] قَبْلَ قَوْلِهِ ﴿أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [البقرة: 282] وَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ وَأَجَلُّ مُسَمًّى لَكَانَ لِزَامًا، فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌّ مُسَمًّى﴾ [طه: 129] الْأَجَلُ الْمُسَمَّى: الدُّنْيَا
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌّ مُسَمًّى﴾ [طه: 129] وَهَذِهِ مِنْ مَقَادِيمِ الْكَلَامِ، يَقُولُ: لَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى كَانَ لِزَامًا، وَالْأَجَلُ الْمُسَمَّى، السَّاعَةُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: 46]
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكِ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌّ مُسَمًّى﴾ [طه: 129] قَالَ: هَذَا مُقَدَّمٌ وَمُؤَخَّرٌ، وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ وَأَجَلٌّ مُسَمًّى لَكَانَ لِزَامًا وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾ [طه: 129] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: لَكَانَ مَوْتًا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثني أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾ [طه: 129] يَقُولُ: مَوْتًا وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ لَكَانَ قَتْلًا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾ [طه: 129] وَاللِّزَامُ: الْقَتْلُ
وَقَوْلُهُ: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [طه: 130] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ:
فَاصْبِرْ يَا مُحَمَّدُ عَلَى مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ مِنْ قَوْمِكَ لَكَ إِنَّكَ سَاحِرٌ، وَإِنَّكَ مَجْنُونٌ وَشَاعِرٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [طه: 130] يَقُولُ: وَصَلِّ بِثَنَائِكَ عَلَى رَبِّكَ، وَقَالَ: بِحَمْدِ رَبِّكَ.
وَالْمَعْنَى: بِحَمْدِكَ رَبَّكَ، كَمَا تَقُولُ: أَعْجَبَنِي ضَرْبُ زَيْدٍ، وَالْمَعْنَى: ضَرْبِي زَيْدًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ [طه: 130] وَذَلِكَ صَلَاةُ الصُّبْحِ ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: 130] وَهِيَ الْعَصْرُ ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ [طه: 130] وَهِيَ سَاعَاتُ اللَّيْلِ، وَاحِدُهَا: إِنْيٌ، عَلَى تَقْدِيرِ حِمْلٍ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْمُنَخَّلِ السَّعْدِيِّ:
[البحر البسيط]
حُلْوٌ وَمُرٌّ كَعِطْفِ الْقِدْحِ مُرَّتُهُ ... فِي كُلِّ إِنْيٍ قَضَاهُ اللَّيْلُ يَنْتَعِلُ
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾ [طه: 130] صَلَاةُ الْعِشَاءِ الْآخِرَةُ، لِأَنَّهَا تُصَلَّى بَعْدَ مُضِيِّ آنَاءٍ مِنَ اللَّيْلِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: 130] يَعْنِي صَلَاةَ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ، وَقِيلَ: أَطْرَافُ النَّهَارِ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ الصَّلَاتَانِ اللَّتَانِ ذَكَرْنَا، لِأَنَّ صَلَاةَ الظُّهْرِ فِي آخِرِ طَرَفِ النَّهَارِ الْأَوَّلِ، وَفِي أَوَّلِ طَرَفِ النَّهَارِ الْآخِرِ، فَهِيَ فِي طَرَفَيْنِ مِنْهُ، وَالطَّرَفُ الثَّالِثُ: غُرُوبُ الشَّمْسِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ تُصَلَّى الْمَغْرِبُ، فَلِذَلِكَ
قِيلَ أَطْرَافَ،
وَقَدْ يُحْمَلُ أَنْ يُقَالَ: أُرِيدَ بِهِ طَرَفَا النَّهَارِ.
وَقِيلَ: أَطْرَافَ، كَمَا قِيلَ ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: 4] فَجَمَعَ، وَالْمُرَادُ: قُلْبَانِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أَوَّلَ طَرَفِ النَّهَارِ الْآخِرِ، وَآخِرَ طَرَفِهِ الْأَوَّلِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: 130] قَالَ: الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ
حَدَّثَنَا تَمِيمُ بْنُ الْمُنْتَصِرِ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرَأَى الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ فَقَالَ: «إِنَّكُمْ رَاءوُنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا» ثُمَّ تَلَا: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: 130]
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: 130] قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الْعَصْرُ، وَأَطْرَافُ النَّهَارِ قَالَ: الْمَكْتُوبَةُ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ [طه: 130] قَالَ: هِيَ صَلَاةُ الْفَجْرِ ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: 130] قَالَ: صَلَاةُ الْعَصْرِ ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ [طه: 130] قَالَ: صَلَاةُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: 130] قَالَ: صَلَاةُ الظُّهْرِ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: 130] قَالَ: مِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ: الْعَتَمَةُ.
وَأَطْرَافُ النَّهَارِ: الْمَغْرِبُ وَالصُّبْحُ وَنُصِبُ قَوْلُهُ ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ [طه: 130] عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ [طه: 130] لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ آخِرَ اللَّيْلِ، وَأَطْرَافَ النَّهَارِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى ﴿آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ [آل عمران: 113] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ [طه: 130] قَالَ: الْمُصَلَّى مِنَ اللَّيْلِ كُلِّهِ
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ، قَرَأَ: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ [طه: 130] قَالَ: مِنْ أَوَّلِهِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾ [طه: 130] قَالَ: آنَاءُ اللَّيْلِ: جَوْفُ اللَّيْلِ
وَقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: 130] يَقُولُ: كَيْ تَرْضَى وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْعِرَاقِ: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: 130] بِفَتْحِ التَّاءِ.
وَكَانَ عَاصِمٌ وَالْكَسَائِيُّ يَقْرَآنِ ذَلِكَ: (لَعَلَّكَ تُرْضَى) بِضَمِّ التَّاءِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وَكَأَنَّ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ بِالْفَتْحِ، ذَهَبُوا
إِلَى مَعْنَى: إِنَّ اللَّهَ يُعْطِيكَ، حَتَّى تَرْضَى عَطِيَّتَهُ وَثَوَابَهُ إِيَّاكَ، وَكَذَلِكَ تَأَوَّلَهُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: 130] قَالَ: الثَّوَابُ، تَرْضَى بِمَا يُثِيبُكَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: 130] قَالَ: بِمَا تُعْطَى وَكَأَنَّ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ بِالضَّمِّ، وَجَّهُوا مَعْنَى الْكَلَامِ إِلَى لَعَلَّ اللَّهَ يُرْضِيكَ مِنْ عِبَادَتِكَ إِيَّاهُ، وَطَاعَتِكَ لَهُ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي: أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ، قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءُ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ، مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى، غَيْرِ مُخْتَلِفَتَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِذَا أَرْضَاهُ، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَرْضَى، وَأَنَّهُ إِذَا رَضِيَ فَقَدْ أَرْضَاهُ اللَّهُ، فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَدُلُّ عَلَى مَعْنَى الْأُخْرَى، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ الصَّوَابَ