الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾ [البقرة: 57] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ الْمَنِّ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: 57] وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الَّذِي اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ ظَاهِرِهِ عَلَى مَا تُرِكَ مِنْهُ.
وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ، فَخَالَفُوا مَا أَمَرْنَاهُمْ بِهِ وَعَصَوْا رَبَّهُمْ ثُمَّ رَسُولَنَا إِلَيْهِمْ، وَمَا ظَلَمُونَا.
فَاكْتَفَى بِمَا ظَهَرَ عَمَّا تَرَكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ [البقرة: 57] يَقُولُ: وَمَا ظَلَمُونَا بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ وَمَعْصِيَتِهِمْ ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: 57] وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ [البقرة: 57] وَمَا وَضَعُوا فِعْلَهُمْ ذَلِكَ وَعِصْيَانَهُمْ إِيَّانَا مَوْضِعَ مَضَرَّةٍ عَلَيْنَا وَمَنْقَصَةٍ لَنَا، وَلَكِنَّهُمْ وَضَعُوهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ مَوْضِعَ مَضَرَّةٍ عَلَيْهَا وَمَنْقَصَةٍ لَهَا
كَمَا حُدِّثْنَا عَنِ الْمِنْجَابِ، قَالَ: ثنا بِشْرٌ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: 57] قَالَ: يَضُرُّونَ " وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ أَصْلَ الظُّلْمِ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَكَذَلِكَ رَبُّنَا جَلَّ ذِكْرُهُ لَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ عَاصٍ، وَلَا يَتَحَيَّفُ خَزَائِنَهُ ظُلْمُ ظَالِمٍ، وَلَا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مُطِيعٍ، وَلَا يَزِيدُ فِي مُلْكِهِ عَدْلُ عَادِلٍ؛ بَلْ نَفْسَهُ يَظْلِمُ الظَّالِمُ، وَحَظَّهَا يَبْخَسُ الْعَاصِي، وَإِيَّاهَا يَنْفَعُ الْمُطِيعُ، وَحَظَّهَا يُصِيبُ الْعَادِلُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 58] وَالْقَرْيَةُ الَّتِي أَمَرَهُمُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يَدْخُلُوهَا، فَيَأْكُلُوا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شَاءُوا فِيمَا ذُكِرَ لَنَا: بَيْتُ الْمَقْدِسِ
ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [البقرة: 58] قَالَ: بَيْتُ الْمَقْدِسِ "
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [البقرة: 58] أَمَّا الْقَرْيَةُ فَقَرْيَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ "
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: " ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [البقرة: 58] يَعْنِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: سَأَلْتُهُ، يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ، عَنْ قَوْلِهِ: " ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [البقرة: 58] قَالَ: هِيَ أَرِيحَا، وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ [البقرة: 58] يَعْنِي بِذَلِكَ: فَكُلُوا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ حَيْثُ شِئْتُمْ عَيْشًا هَنِيًّا وَاسِعًا بِغَيْرِ حِسَابٍ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الرَّغَدِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا، وَذَكَرْنَا أَقْوَالَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: 58] أَمَّا الْبَابُ الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوهُ، فَإِنَّهُ قِيلَ: هُوَ بَابُ الْحِطَّةِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَاهِلِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي
نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [النساء: 154] قَالَ: بَابُ الْحِطَّةِ مِنْ بَابِ إِيلِيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: 58] أَمَّا الْبَابُ فَبَابٌ مِنْ أَبْوَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " قَوْلُهُ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: 58] أَنَّهُ أَحَدِ أَبْوَابِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَهُوَ يُدْعَى بَابَ حِطَّةٍ " وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿سُجَّدًا﴾ [البقرة: 58] فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَتَأَوَّلُهُ بِمَعْنَى الرُّكَّعِ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [النساء: 154] قَالَ: رُكَّعًا مِنْ بَابٍ صَغِيرٍ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ النَّخَعِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [النساء: 154] قَالَ: أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا رُكَّعًا " وَأَصْلُ السُّجُودِ: الِانْحِنَاءُ لِمَنْ سَجَدَ لَهُ مُعَظِّمًا بِذَلِكَ فَكُلُّ مُنْحَنٍ لِشَيْءٍ تَعْظِيمًا لَهُ فَهُوَ سَاجِدٌ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
بِجَمْعٍ تَضِلُّ الْبُلْقُ فِي حَجَرَاتِهِ ... تَرَى الْأَكَمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوَافِرِ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: سُجَّدًا: خَاشِعَةً خَاضِعَةً.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ:
يُرَاوِحُ مِنْ صَلَوَاتِ الْمَلِي ... كِ طَوْرًا سُجُودًا وَطَوْرًا جُؤَارَا
فَذَلِكَ تَأْوِيلُ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿سُجَّدًا﴾ [البقرة: 58] رُكَّعًا، لِأَنَّ الرَّاكِعَ مُنْحَنٍ، وَإِنْ كَانَ السَّاجِدُ أَشَدَّ انْحِنَاءً مِنْهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: 58] وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿حِطَّةٌ﴾ [البقرة: 58] فِعْلَةٌ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: حَطَّ اللَّهُ عَنْكَ خَطَايَاكَ فَهُوَ
يَحُطُّهَا حِطَّةٌ، بِمَنْزِلَةِ الرِّدَّةِ وَالْحِدَّةِ وَالْمِدَّةِ مِنْ رَدَدْتُ وَحَدَدْتُ وَمَدَدْتُ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْهُمْ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ أنا مَعْمَرٌ: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: 58] قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: «أَيِ احْطُطْ عَنَّا خَطَايَانَا»
حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: 58] يَحُطُّ اللَّهُ بِهَا عَنْكُمْ ذَنْبَكُمْ وَخَطَايَاكُمْ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: 58] قَالَ: يَحُطُّ عَنْكُمْ خَطَايَاكُمْ "
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿حِطَّةٌ﴾ [البقرة: 58] مَغْفِرَةٌ "
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلُهُ: " ﴿حِطَّةٌ﴾ [البقرة: 58] قَالَ: يَحُطُّ عَنْكُمْ خَطَايَاكُمْ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ لِي عَطَاءٌ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: 58] قَالَ: سَمِعْنَا أَنَّهُ يَحُطُّ عَنْهُمْ خَطَايَاهُمْ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
كَأَنَّهُمْ وَجَّهُوا تَأْوِيلَهُ: قُولُوا الَّذِي يَحُطُّ عَنْكُمْ خَطَايَاكُمْ، وَهُوَ قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، وَسَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الْمِصْرِيُّ، قَالَا: أَخْبَرَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، ثنا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ: " ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: 58] قَالَ: قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ " وَقَالَ آخَرُونَ بِمِثْلِ مَعْنَى قَوْلِ عِكْرِمَةَ، إِلَّا أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْقَوْلَ الَّذِي أُمِرُوا بِقِيلِهِ الِاسْتِغْفَارَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ النَّخَعِيُّ، ثنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَعْمَشِ،
عَنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: 58] قَالَ: أُمِرُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا " وَقَالَ آخَرُونَ نَظِيرَ قَوْلِ عِكْرِمَةَ، إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا الْقَوْلَ الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوهُ هُوَ أَنْ يَقُولُوا هَذَا الْأَمْرُ حَقٌّ كَمَا قِيلَ لَكُمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ، قَالَ: ثنا بِشْرٌ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: 58] قَالَ: قُولُوا هَذَا الْأَمْرُ حَقٌّ كَمَا قِيلَ لَكُمْ " وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ رُفِعَتِ الْحِطَّةُ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: رُفِعَتِ الْحِطَّةُ بِمَعْنَى قُولُوا لِيَكُنْ مِنْكُمْ حِطَّةٌ لِذُنُوبِنَا، كَمَا تَقُولُ لِلرَّجُلِ سَمْعُكَ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: هِيَ كَلِمَةٌ أَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَقُولُوهَا مَرْفُوعَةً، وَفَرَضَ عَلَيْهِمْ قِيلَهَا كَذَلِكَ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ: رُفِعَتِ الْحِطَّةُ بِضَمِيرِ هَذِهِ، كَأَنَّهُ قَالَ: وَقُولُوا هَذِهِ حِطَّةٌ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: هِيَ مَرْفُوعَةٌ بِضَمِيرٍ مَعْنَاهُ الْخَبَرُ، كَأَنَّهُ قَالَ: قُولُوا مَا هُوَ
حِطَّةٌ، فَتَكُونُ حِطَّةٌ حِينَئِذٍ خَبَرًا لِـ: مَا.
وَالَّذِي هُوَ أَقْرَبُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ إِلَى الصَّوَابِ وَأَشْبَهُ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ، أَنْ يَكُونَ رَفَعَ حِطَّةً بِنِيَّةِ خَبَرٍ مَحْذُوفٍ قَدْ دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ التِّلَاوَةِ، وَهُوَ دُخُولُنَا الْبَابَ سُجَّدًا حِطَّةً، فَكَفَى مِنْ تَكْرِيرِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ مِنَ التَّنْزِيلِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: 58] كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: 164] يَعْنِي مَوْعِظَتُنَا إِيَّاهُمْ مَعْذِرَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ.
فَكَذَلِكَ عِنْدِي تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: 58] يَعْنِي بِذَلِكَ: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [البقرة: 58] ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا﴾ [البقرة: 58] دُخُولُنَا ذَلِكَ سُجَّدًا ﴿حِطَّةٌ﴾ [البقرة: 58] لِذُنُوبِنَا، وَهَذَا الْقَوْلُ عَلَى نَحْوِ تَأْوِيلِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَابْنِ زَيْدٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ آنِفًا.
وَأَمَّا عَلَى تَأْوِيلِ قَوْلِ عِكْرِمَةَ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ بِالنَّصْبِ فِي حِطَّةٌ، لِأَنَّ الْقَوْمَ إِنْ كَانُوا أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَوْ أَنْ يَقُولُوا: نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، فَقَدْ قِيلَ لَهُمْ: قُولُوا هَذَا الْقَوْلَ، فَقُولُوا وَاقِعٌ حِينَئِذٍ عَلَى الْحِطَّةِ، لِأَنَّ الْحِطَّةَ عَلَى قَوْلِ عِكْرِمَةَ هِيَ قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَإِذْ كَانَتْ هِيَ قَوْلَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَالْقَوْلُ عَلَيْهَا وَاقِعٌ، كَمَا لَوْ أَمَرَ رَجُلٌ رَجُلًا بِقَوْلِ الْخَيْرِ، فَقَالَ لَهُ: قُلْ خَيْرًا، نَصْبًا، وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا أَنْ يَقُولَ لَهُ قُلْ خَيْرٌ إِلَّا عَلَى اسْتِكْرَاهٍ شَدِيدُ.
وَفِي إِجْمَاعِ الْقُرَّاءِ عَلَى رَفْعِ الْحِطَّةِ بَيَانٌ وَاضِحٌ عَلَى خِلَافِ الَّذِي قَالَهُ عِكْرِمَةُ مِنَ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: 58] وَكَذَلِكَ الْوَاجِبُ عَلَى التَّأْوِيلِ الَّذِي رُوِّينَاهُ عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: 58] أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ فِي حِطَّةٌ نَصْبًا، لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ إِذَا وَضَعُوا الْمَصَادِرَ مَوَاضِعَ الْأَفْعَالِ وَحَذَفُوا الْأَفْعَالَ أَنْ يَنْصُبُوا الْمَصَادِرَ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
أَبِيدُوا بِأَيْدِي عُصْبَةٍ وَسُيُوفُهُمْ ... عَلَى أُمَّهَاتِ الْهَامِ ضَرْبًا شَآمِيَا
وَكَقَوْلِ الْقَائِلِ لِلرَّجُلِ: سَمْعًا وَطَاعَةً، بِمَعْنَى: أَسْمَعُ سَمْعًا وَأَطِيعُ طَاعَةً، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ [يوسف: 23] بِمَعْنَى.
نَعُوذُ بِاللَّهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [البقرة: 58] يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [البقرة: 58] نَتَغَمَّدُ لَكُمْ بِالرَّحْمَةِ خَطَايَاكُمْ وَنَسْتُرُهَا عَلَيْكُمْ، فَلَا نَفْضَحْكُمْ بِالْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا.
وَأَصْلُ الْغَفْرِ: التَّغْطِيَةُ وَالسَّتْرُ، فَكُلُّ سَاتِرٍ شَيْئًا فَهُوَ غَافِرُهُ وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْبَيْضَةِ مِنَ الْحَدِيدِ الَّتِي تُتَّخَذُ جُنَّةً لِلرَّأْسِ مِغْفَرٌ، لِأَنَّهَا تُغَطِّي
الرَّأْسَ وَتُجِنُّهُ، وَمِثْلُهُ غَمْدُ
السَّيْفِ، وَهُوَ مَا يَغْمِدُهُ فَيُوارِيهِ؛ وَلِذَلِكَ قِيلَ لِزِئْبَرِ الثَّوْبِ عُفْرَةٌ، لِتَغْطِيَتِهِ الثَّوْبَ، وَحَوْلِهِ بَيْنَ النَّاظِرِ وَالنَّظَرِ إِلَيْهَا.
وَمِنْهُ قَوْلُ أَوْسِ بْنِ حَجَرٍ:
فَلَا أَعْتِبُ ابْنَ الْعَمِّ إِنْ كَانَ جَاهِلًا ... وَأَغْفِرُ عَنْهُ الْجَهْلَ إِنْ كَانَ أَجْهَلَا
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: وَأَغْفِرُ عَنْهُ الْجَهْلَ: أَسْتُرُ عَلَيْهِ جَهْلَهُ بِحِلْمِي عَنْهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة: 58] وَالْخَطَايَا جَمْعُ خَطِيَّةٍ بِغَيْرِ هَمْزٍ كَمَا الْمَطَايَا جَمْعُ مَطِيَّةٍ، وَالْحَشَايَا جَمْعُ حَشِيَّةٍ.
وَإِنَّمَا تَرَكَ جَمْعَ الْخَطَايَا بِالْهَمْزِ، لِأَنَّ تَرْكَ الْهَمْزِ فِي خَطِيئَةٍ أَكْثَرُ مِنَ الْهَمْزِ، فَجُمِعَ عَلَى خَطَايَا، عَلَى أَنَّ وَاحِدَتَهَا غَيْرُ مَهْمُوزَةٍ.
وَلَوْ كَانَتِ الْخَطَايَا مَجْمُوعَةً عَلَى خَطِيئَةٍ
بِالْهَمْزِ لَقِيلَ خَطَائِي عَلَى مِثْلِ قَبِيلَةٍ وَقَبَائِلَ، وَصَحِيفَةٍ وَصَحَائِفَ.
وَقَدْ تُجْمَعُ خَطِيئَةٌ بِالتَّاءِ فَيُهْمَزُ فَيُقَالُ خَطِيئَاتٍ،
وَالْخَطِيئَةُ فَعِيلَةٌ مِنْ خَطِئَ الرَّجُلُ يَخْطَأُ خِطْأً، وَذَلِكَ إِذَا عَدَلَ عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: وَإِنَّ مُهَاجِرَيْنِ تَكَنَّفَاهُ ... لَعَمْرُ اللَّهِ قَدْ خَطِئَا وَخَابَا يَعْنِي أَضَلَّا الْحَقَّ وَأَثِمَا