وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْقَرْيَةِ الَّتِي مَرَّ عَلَيْهَا الْقَائِلُ: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: 259] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
مَا: حُدِّثْتُ بِهِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَامٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ أَبِي الْجَرَّاحِ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ: ثني هَانِئٌ مَوْلَى عُثْمَانَ، قَالَ: كُنْتُ الرَّسُولَ بَيْنَ عُثْمَانَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، فَقَالَ زَيْدٌ: سَلْهُ عَنْ قَوْلِهِ: لَمْ يَتَسَنْ، أَوْ
لَمْ يَتَسَنَّهْ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ: «اجْعَلُوا فِيهَا هَاءً»
حُدِّثْتُ عَنِ الْقَاسِمِ، وَحَدَّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارُ، عَنِ الْقَاسِمِ، وَحَدَّثنا أَحْمَدُ، وَالْعَطَّارُ، جَمِيعًا، عَنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: ثنا ابْنُ مَهْدِيٍّ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، قَالَ: ثني أَبُو وَائِلٍ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، عَنْ هَانِئٍ الْبَرْبَرِيِّ، قَالَ: " كُنْتُ عِنْدَ عُثْمَانَ وَهُمْ يَعْرِضُونَ الْمَصَاحِفَ، فَأَرْسَلَنِي بِكَتِفِ شَاةٍ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِيهَا: لَمْ يَتَسَنْ وَفَأَمْهِلِ الْكَافِرِينَ , وَلَا تَبْدِيلَ لِلْخَلْقِ، قَالَ: فَدَعَا بِالدَّوَاةِ، فَمَحَا إِحْدَى اللَّامَيْنِ وَكَتَبَ: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: 30] وَمَحَا فَأَمْهِلْ وَكَتَبَ: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ﴾ [الطارق: 17] وَكَتَبَ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: 259] أَلْحَقَ فِيهَا الْهَاءَ «وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ» يَتَسَنَّى «أَوْ» يَتَسَنَّنُ " لَمَا أَلْحَقَ فِيهِ أُبَيُّ هَاءً لَا مَوْضِعَ لَهَا فِيهِ، وَلَا أَمَرَ عُثْمَانُ بِإِلْحَاقِهَا فِيهَا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي ذَلِكَ نَحْوُ الَّذِي رُوِيَ فِيهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: 259] فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِيهِ مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَمَّنْ لَا يُتَّهَمُ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: 259] «لَمْ يَتَغَيَّرْ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: 259] «لَمْ يَتَغَيَّرْ» حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: 259] يَقُولُ: " فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ مِنَ التِّينِ وَالْعِنَبِ، وَشَرَابِكَ مِنَ الْعَصِيرِ لَمْ يَتَسَنَّهْ، يَقُولُ: لَمْ يَتَغَيَّرْ فَيَحْمَضُ التِّينُ وَالْعِنَبُ، وَلَمْ يَخْتَمِرِ الْعَصِيرُ هُمَا حُلْوَانِ كَمَا هُمَا وَذَلِكَ أَنَّهُ مَرَّ جَائِيًا مِنَ الشَّامِ عَلَى حِمَارٍ لَهُ مَعَهُ عَصِيرٌ وَعِنَبٌ وَتِينٌ، فَأَمَاتَهُ اللَّهُ، وَأَمَاتَ حِمَارَهُ، وَمَرَّ عَلَيْهِمَا مِائَةُ سَنَةٍ "
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: 259] يَقُولُ: «لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَقَدْ أَتَى عَلَيْهِ مِائَةُ عَامٍ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا أَبُو زُهَيْرٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، بِنَحْوِهِ
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: 259] «لَمْ يَتَغَيَّرْ»
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنِ النَّضْرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: 259] «لَمْ يَتَغَيَّرْ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: 259] «لَمْ يَتَغَيَّرْ فِي مِائَةِ سَنَةٍ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، قَالَ: " يَزْعُمُونَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّ إِرْمَيَا كَانَ بِإِيلِيَّا حِينَ خَرَّبَهَا بُخْتَنَصَّرُ، فَخَرَجَ مِنْهَا إِلَى مِصْرَ فَكَانَ بِهَا، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنِ اخْرُجْ مِنْهَا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَأَتَاهَا فَإِذَا هِيَ خَرِبَةٌ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ ، فَإِذَا
حِمَارُهُ حَيُّ قَائِمٌ عَلَى رِبَاطِهِ، وَإِذَا طَعَامُهُ سَلُّ عِنَبٍ وَسَلُّ تِينٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ حَالِهِ " قَالَ يُونُسُ: قَالَ لَنَا سَلْمٌ الْخَوَّاصُ: كَانَ طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ سَلَّ عِنَبٍ وَسَلَّ تِينٍ وَزِقَّ عَصِيرٍ وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: لَمْ يُنْتِنْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: 259] «لَمْ يُنْتِنْ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ: قَوْلُهُ: ﴿إِلَى طَعَامِكَ﴾ [البقرة: 259] قَالَ: «سَلُّ تِينٍ» ، ﴿وَشَرَابِكَ﴾ [البقرة: 259] «دَنُّ خَمْرٍ» ، ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: 259] يَقُولُ: «لَمْ يُنْتِنْ»
وَأَحْسَبُ أَنَّ مُجَاهِدًا وَالرَّبِيعَ وَمَنْ قَالَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِمَا رَأَوْا أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: 259] مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿مِنْ حَمَإِ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: 26] بِمَعْنَى الْمُتَغَيِّرِ الرِّيحِ بِالنَّتْنِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: تَسَنَّنَ، وَقَدْ بَيَّنْتُ الدَّلَالَةَ فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَذَلِكَ.
فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّهُ مِنَ الْآسِنِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَسِنَ هَذَا الْمَاءُ يَأْسَنُ أَسَنًا، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: 15] فَإِنَّهُ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ الْكَلَامُ: فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَأَسَّنْ، وَلَمْ يَكُنْ يَتَسَنَّهْ، فَإِنَّهُ مِنْهُ، غَيْرَ أَنَّهُ تَرَكَ هَمْزَهُ، قِيلَ: فَإِنَّهُ وَإِنْ تَرَكَ هَمْزَهُ فَغَيْرُ جَائِزٍ تَشْدِيدُ نُونِهِ؛ لِأَنَّ النُّونَ غَيْرُ مُشَدَّدَةٍ، وَهِيَ فِي يَتَسَنَّهْ مُشَدَّدَةٌ، وَلَوْ نُطِقَ مِنْ يَتَأَسَّنُ بِتَرْكِ الْهَمْزَةِ لَقِيلَ يَتَسَنْ بِتَخْفِيفِ نُونِهِ بِغَيْرِ هَاءٍ تَلْحَقُ فِيهِ، فَفِي ذَلِكَ بَيَانٌ وَاضِحٌ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْأَسَنِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ [البقرة: 259] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ [البقرة: 259] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَانْظُرْ إِلَى إِحْيَائِي حِمَارَكَ، وَإِلَى عِظَامِهِ كَيْفَ أُنْشِزُهَا ثُمَّ أَكْسُوهَا لَحْمًا ثُمَّ اخْتَلَفَ مُتَأَوِّلُو ذَلِكَ فِي هَذَا التَّأْوِيلِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ ذَلِكَ
لَهُ
بَعْدَ أَنْ أَحْيَاهُ خَلْقًا سَوِيًّا، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُحْيِيَ حِمَارَهُ؛ تَعْرِيفًا مِنْهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَهُ كَيْفِيَّةَ إِحْيَائِهِ الْقَرْيَةَ الَّتِي رَآهَا خَاوِيَةً عَلَى عُرُوشِهَا، فَقَالَ: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: 259] مُسْتَنْكِرًا إِحْيَاءَ اللَّهِ إِيَّاهَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَمَّنْ لَا يُتَّهَمُ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: «بَعَثَهُ اللَّهُ فَقَالَ» : ﴿كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [البقرة: 259] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [البقرة: 259] قَالَ: «فَنَظَرَ إِلَى حِمَارِهِ يَتَّصِلُ بَعْضٌ إِلَى بَعْضٍ، وَقَدْ كَانَ مَاتَ مَعَهُ بِالْعُرُوقِ وَالْعَصَبِ، ثُمَّ كَسَا ذَلِكَ مِنْهُ اللَّحْمَ حَتَّى اسْتَوَى ثُمَّ جَرَى فِيهِ الرُّوحُ، فَقَامَ يَنْهَقُ، وَنَظَرَ إِلَى عَصِيرِهِ وَتِينِهِ، فَإِذَا هُوَ عَلَى هَيْئَتِهِ حِينَ وَضَعَهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ، فَلَمَّا عَايَنَ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ مَا عَايَنَ» ، قَالَ: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 259]
حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَحْيَا عُزَيْرًا، فَقَالَ: كَمْ لَبِثْتَ؟ قَالَ: لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ، قَالَ: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ، فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ، وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ قَدْ هَلَكَ وَبَلِيَتْ عِظَامُهُ، وَانْظُرْ إِلَى عِظَامِهِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا، فَبَعَثَ اللَّهُ رِيحًا، فَجَاءَتْ بِعِظَامِ الْحِمَارِ مِنْ كُلِّ سَهْلٍ وَجَبَلٍ ذَهَبَتْ بِهِ الطَّيْرُ وَالسِّبَاعُ، فَاجْتَمَعَتْ، فَرُكِّبَ بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ وَهُوَ يَنْظُرُ، فَصَارَ حِمَارًا مِنْ
عِظَامٍ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ وَلَا دَمٌ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ كَسَا الْعِظَامَ لَحْمًا وَدَمًا، فَقَامَ حِمَارًا مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ وَلَيْسَ فِيهِ رَوْحٌ، ثُمَّ أَقْبَلَ مَلَكٌ يَمْشِي حَتَّى أَخَذَ بِمُنْخَرِ الْحِمَارِ، فَنَفَخَ فِيهِ فَنَهَقَ الْحِمَارُ، فَقَالَ: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " فَتَأْوِيِلُ الْكَلَامِ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ: وَانْظُرْ إِلَى إِحْيَائِنَا حِمَارَكَ، وَإِلَى عِظَامِهِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا، وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ، فَيَكُونُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ [البقرة: 259] مَتْرُوكٌ مِنَ الْكَلَامِ، اسْتَغْنَى بِدَلَالَةٍ ظَاهِرَةٍ عَلَيْهِ مِنْ ذِكْرِهِ، وَتَكُونُ الْأَلْفُ وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾ [البقرة: 259] بَدَلًا مِنَ الْهَاءِ الْمُرَادَةِ فِي الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ: وَانْظُرْ إِلَى عِظَامِهِ: يَعْنِي إِلَى عِظَامِ الْحِمَارِ.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بَلْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ ذَلِكَ لَهُ بَعْدَ أَنْ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ فِي عَيْنِهِ، قَالُوا: وَهِيَ أَوَّلُ عُضْو مِنْ أَعْضَائِهِ نَفَخَ اللَّهُ فِيهِ الرُّوحَ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ سِوَّاهُ خَلْقًا سَوِيًّا، وَقَبْلَ أَنْ يَحْيَىَ حِمَارَهُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «كَانَ هَذَا رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ نَفَخَ الرُّوحَ فِي عَيْنَيْهِ، فَنَظَرَ إِلَى خَلْقِهِ كُلِّهِ حِينَ يُحْيِيهِ اللَّهُ، وَإِلَى حِمَارِهِ حِينَ يُحْيِيهِ اللَّهُ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: " بَدَأَ بِعَيْنَيْهِ فَنَفَخَ فِيهِمَا الرُّوحَ، ثُمَّ بِعِظَامِهِ فَأَنْشَزَهَا، ثُمَّ وَصَّلَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ كَسَاهَا الْعَصْبَ، ثُمَّ الْعُرُوقَ، ثُمَّ اللَّحْمَ.
ثُمَّ نَظَرَ إِلَى حِمَارِهِ، فَإِذَا حِمَارُهُ قَدْ بَلِيَ وَابْيَضَّتْ عِظَامُهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي رَبَطَهُ فِيهِ، فَنُودِيَ: يَا عِظَامُ اجْتَمِعِي، فَإِنَّ اللَّهَ مَنْزِلٌ عَلَيْكِ رُوحًا، فَسَعَى كُلُّ عَظْمٍ إِلَى صَاحِبِهِ، فَوَصَّلَ الْعِظَامَ، ثُمَّ الْعَصْبَ، ثُمَّ الْعُرُوقَ، ثُمَّ اللَّحْمَ، ثُمَّ الْجِلْدَ، ثُمَّ الشَّعْرَ، وَكَانَ حِمَارُهُ جَذَعًا، فَأَحْيَاهُ اللَّهُ كَبِيرًا قَدْ تَشَنَّنَ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا الْجِلْدُ مِنْ طُولِ الزَّمَنِ، وَكَانَ طَعَامُهُ سَلَّ عِنَبٍ وَشَرَابُهُ دَنَّ خَمْرٍ " قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: " نَفَخَ الرُّوحَ فِي عَيْنَيْهِ، ثُمَّ نَظَرَ بِهِمَا إِلَى خَلْقِهِ كُلِّهِ حِينَ نَشَرَهُ اللَّهُ، وَإِلَى حِمَارِهِ حِينَ يُحْيِيهِ اللَّهُ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ جَعَلَ اللَّهُ الرُّوحَ فِي رَأْسِهِ وَبَصَرِهِ وَجَسَدُهُ مَيِّتًا، فَرَأَى حِمَارَهُ قَائِمًا كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ رَبَطَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ حَلَّ الْبُقْعَةَ، ثُمَّ قَالَ اللَّهُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى عِظَامِ نَفْسِكَ كَيْفَ نُنْشِزُهَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ، قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، قَالَ: ثني عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ، يَقُولُ: «رَدَّ اللَّهُ رَوْحَ الْحَيَاةِ فِي عَيْنِ إِرْمِيَا وَآخِرُ جَسَدِهِ مَيِّتٌ، فَنَظَرَ إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ لَمْ يَتَسَنَّهْ، وَنَظَرَ إِلَى حِمَارِهِ وَاقِفًا كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ رَبَطَهُ، لَمْ يَطْعَمْ وَلَمْ يَشْرَبْ، وَنَظَرَ إِلَى الرُّمَّةِ فِي عُنُقِ الْحِمَارِ لَمْ تَتَغَيَّرْ جَدِيدَةً»
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ " فَنَظَرَ إِلَى حِمَارِهِ قَائِمًا قَدْ مَكَثَ مِائَةَ عَامٍ، وَإِلَى طَعَامِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ قَدْ أَتَى عَلَيْهِ مِائَةُ عَامٍ، ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [البقرة: 259] فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ أَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ رَأْسَهُ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى سَائِرِ خَلْقِهِ يُخْلَقُ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا أَبُو زُهَيْرٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ «فَنَظَرَ إِلَى حِمَارِهِ قَائِمًا، وَإِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ، فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ خُلِقَ مِنْهُ رَأْسَهُ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى كُلِّ شَيْءٍ مِنْهُ يُوصَلُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ» ، ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ، قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 259]
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: "
ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُ رَأْسُهُ، ثُمَّ رُكِّبَتْ فِيهِ عَيْنَاهُ، ثُمَّ قِيلَ لَهُ: انْظُرْ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ، فَجَعَلَتْ عِظَامُهُ تَوَاصَلُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، وَبِعَيْنِ نَبِيِّ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ ذَلِكَ "، فَقَالَ: «أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»
حَدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ [البقرة: 259] «وَكَانَ حِمَارُهُ عِنْدَهُ كَمَا هُوَ» ، ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ [البقرة: 259] قَالَ الرَّبِيعُ: " ذُكِرَ لَنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَوَّلُ مَا خَلَقَ مِنْهُ عَيْنَاهُ، ثُمَّ قِيلَ: انْظُرْ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى الْعِظَامِ يَتَوَاصَلُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَذَلِكَ بِعَيْنَيْهِ، فَقِيلَ: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ زَيْدٍ، قَالَ قَوْلِهِ: ﴿فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ [البقرة: 259] «وَاقِفًا عَلَيْكَ مُنْذُ مِائَةِ سَنَةٍ» ، ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾ [البقرة: 259] يَقُولُ: " وَانْظُرْ إِلَى عِظَامِكَ كَيْفَ نُحْيِيهَا حِينَ سَأَلْتَنَا كَيْفَ نُحْيِي هَذِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا؟ قَالَ: فَجَعَلَ اللَّهُ الرُّوحَ فِي بَصَرِهِ وَفِي لِسَانِهِ، ثُمَّ قَالَ: ادْعُ الْآنَ بِلِسَانِكَ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ الرُّوحَ، وَانْظُرْ بِبَصَرِكَ، قَالَ: فَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْجُمْجُمَةِ، قَالَ: فَنَادَى: لِيَلْحَقْ كُلُّ عَظْمٍ بِأَلِيفِهِ، قَالَ: فَجَاءَ كُلُّ عَظْمٍ إِلَى صَاحِبِهِ، حَتَّى اتَّصَلَتْ وَهُوَ يَرَاهَا، حَتَّى إِنَّ
الْكِسْرَةَ مِنَ الْعَظْمِ لَتَأْتِي إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي انْكَسَرَتْ مِنْهُ، فَتُلْصَقُ بِهِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى جُمْجُمَتِهِ، وَهُوَ يَرَى ذَلِكَ، فَلَمَّا اتَّصَلَتْ شَدَّهَا بِالْعَصَبِ وَالْعُرُوقِ، وَأَجْرَى عَلَيْهَا اللَّحْمَ وَالْجِلْدَ، ثُمَّ نَفَخَ فِيهَا الرُّوحَ، ثُمَّ قَالَ: ﴿انْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ [البقرة: 259] ذَلِكَ ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 259] قَالَ: «ثُمَّ أُمِرَ فَنَادَى تِلْكَ الْعِظَامَ الَّتِي» قَالَ: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: 259] «كَمَا نَادَى عِظَامَ نَفْسِهِ، ثُمَّ أَحْيَاهَا اللَّهُ كَمَا أَحْيَاهُ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، قَالَ: " يَزْعُمُونَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّ اللَّهَ أَمَاتَ إِرْمِيَا مِائَةَ عَامٍ، ثُمَّ بَعَثَهُ، فَإِذَا حِمَارُهُ حَيُّ قَائِمٌ عَلَى رِبَاطِهِ، قَالَ: وَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ وَجَعَلَ الرُّوحَ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ بِثَلَاثِينَ سَنَةً، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَكَيْفَ عُمِّرَ وَمَا حَوْلَهُ، قَالَ: فَيَقُولُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ: إِنَّهُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ [البقرة: 259] الْآيَةَ " وَمَعْنَى الْآيَةِ عَلَى تَأْوِيلِ هَؤُلَاءِ: وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ، وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسٍ، وَانْظُرْ إِلَى عِظَامِكَ كَيْفَ نُنْشِزُهَا بَعْدَ بِلَاهًا، ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا، فَنُحْيِيهَا بِحَيَاتِكَ، فَتَعْلَمُ كَيْفَ يُحْيِي اللَّهُ الْقُرَى وَأَهْلَهَا بَعْدَ مَمَاتِهَا.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ بَعَثَ قَائِلَ ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: 259] مِنْ مَمَاتِهِ، ثُمَّ أَرَاهَ نَظِيرَ مَا اسْتَنْكَرَ مِنْ إِحْيَاءِ اللَّهِ الْقَرْيَةَ الَّتِي مَرَّ بِهَا بَعْدَ مَمَاتِهَا عِيَانًا مِنْ نَفْسِهِ وَطَعَامِهِ وَحِمَارِهِ، فَحَمَلَ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَا أَرَاهُ مِنْ إِحْيَائِهِ نَفْسَهُ وَحِمَارَهُ مَثَلًا لِمَا اسْتَنْكَرَ مِنْ إِحْيَائِهِ أَهْلَ الْقَرْيَةِ الَّتِي مَرَّ بِهَا خَاوِيَةً عَلَى عُرُوشِهَا، وَجَعَلَ مَا أَرَاهُ مِنَ الْعَبْرَةِ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ عِبْرَةً لَهُ وَحُجَّةً عَلَيْهِ فِي كَيْفِيَّةِ إِحْيَائِهِ مَنَازِلَ الْقَرْيَةِ وَجِنَانَهَا، وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾ [البقرة: 259] إِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ الَّتِي تَرَاهَا بِبَصَرِكَ كَيْفَ نُنْشِزُهَا، ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا، وَقَدْ كَانَ حِمَارُهُ أَدْرَكَهُ مِنَ الْبِلَى فِي قَوْلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ جَمِيعًا نَظِيرُ الَّذِي لَحِقَ عِظَامَ مَنْ خُوطِبَ بِهَذَا الْخَطَّابِ، فَلَمْ يُمْكِنْ صَرْفُ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾ [البقرة: 259] إِلَى أَنَّهُ أَمْرٌ لَهُ بِالنَّظَرِ إِلَى عِظَامِ الْحِمَارِ دُونَ عِظَامِ الْمَأْمُورِ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا، وَلَا إِلَى أَنَّهُ أَمْرٌ لَهُ بِالنَّطَرِ إِلَى عِظَامِ نَفْسِهِ دُونَ عِظَامِ الْحِمَارِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ الْبِلَى قَدْ لَحِقَ عِظَامَهُ وَعِظَامَ حِمَارِهِ، كَانَ الْأُولَى بِالتَّأْوِيلِ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالنَّظَرِ إِلَى كُلِّ مَا أَدْرَكَهُ طَرْفُهُ مِمَّا قَدْ كَانَ الْبِلَى لَحِقَهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ جَعَلَ جَمِيعَ ذَلِكَ عَلَيْهِ حُجَّةً وَلَهُ عِبْرَةً وَعِظَةً
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 259] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 259] أَمَتْنَاكَ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثْنَاكَ، وَإِنَّمَا أُدْخِلَتِ الْوَاوُ مَعَ اللَّامِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 259]
وَهُوَ بِمَعْنَى «كَيْ» ؛ لِأَنَّ فِي دُخُولِهَا فِي كَيْ وَأَخَوَاتِهَا دَلَالَةً عَلَى أَنَّهَا شَرْطٌ لِفِعْلٍ بَعْدَهَا، بِمَعْنى: وَلِنَجْعَلَكَ كَذَا وَكَذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ قَبْلَ اللَّامِ أَعْنِي لَامَ «كَيْ» وَاوٌ كَانَتِ اللَّامُ شَرْطًا لِلْفِعْلِ الَّذِي قَبْلَهَا، وَكَانَ يَكُونُ مَعْنَاهُ: وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ، لِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ، وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً﴾ [البقرة: 259] وَلِنَجْعَلَكَ حُجَّةً عَلَى مَنْ جَهِلَ قُدْرَتِي، وَشَكَّ فِي عَظَمَتِي، وَأَنَا الْقَادِرُ عَلَى فِعْلِ مَا أَشَاءُ مِنْ إِمَاتَةٍ وَإِحْيَاءٍ، وَإِفْنَاءٍ، وَإِنْشَاءٍ، وَإِنْعَامٍ، وَإِذْلَالٍ، وَإِقْتَارٍ، وَإِغْنَاءٍ، بِيَدِي ذَلِكَ كُلُّهُ، لَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ دُونِي، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرِي وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ يَقُولُ: كَانَ آيَةً لِلنَّاسِ بِأَنَّهُ جَاءَ بَعْدَ مِائَةِ عَامٍ إِلَى وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ شَابًّا وَهُمْ شُيُوخٌ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ، يَقُولُ: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 259] قَالَ: «جَاءَ شَابًّا وَوَلَدُهُ شُيُوخٌ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَ وَقَدْ هَلَكَ مَنْ يَعْرِفُهُ، فَكَانَ آيَةً لِمَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ مِنْ قَوْمِهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ، ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، فَوَجَدَ دَارَهُ قَدْ بِيعَتْ وَبُنِيَتْ، وَهَلَكَ مَنْ كَانَ يَعْرِفُهُ، فَقَالَ: اخْرُجُوا مِنْ دَارِي، قَالُوا: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا عُزَيْرٌ، قَالُوا: أَلَيْسَ قَدْ هَلَكَ عُزَيْرٌ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: فَإِنَّ عُزَيْرًا أَنَا هُوَ، كَانَ مِنْ حَالِي وَكَانَ، فَلَمَّا عَرَفُوا ذَلِكَ، خَرَجُوا لَهُ مِنَ الدَّارِ وَدَفَعُوهَا إِلَيْهِ " وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مِنَ الْقَوْلِ، أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي وَصَفَ صِفَتَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ حُجَّةً لِلنَّاسِ، فَكَانَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَى مَنْ عَرَفَهُ مِنْ وَلَدِهِ وَقَوْمِهِ مِمَّنْ عَلِمَ مَوْتَهُ، وَإِحْيَاءَ اللَّهِ إِيَّاهُ بَعْدَ مَمَاتِهِ، وَعَلَى مَنْ بُعِثَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ [البقرة: 259] قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْلُ عَلَى أَنَّ الْعِظَامَ الَّتِي أُمِرَ بِالنَّظَرِ إِلَيْهَا هِيَ عِظَامُ نَفْسِهِ وَحِمَارِهِ، وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ وَمَا يَعْنِي كُلُّ قَائِلٍ بِمَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ [البقرة: 259] فَإِنَّ
الْقُرَّاءَ اخْتَلَفَتْ فِي قِرَاءَتِهِ، فَقَرَأَ بَعْضُهُمْ: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ [البقرة: 259] بِضَمِّ
النُّونِ وَبِالزَّايِ، وَذَلِكَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ قِرَاءَةِ الْكُوفِيِّينَ، بِمَعْنَى: وَانْظُرْ كَيْفَ نُرَكِّبُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَنَنْقُلُ ذَلِكَ إِلَى مَوَاضِعَ مِنَ الْجِسْمِ، وَأَصْلُ النَّشْزِ الِارْتِفَاعُ، وَمِنْهُ قِيلَ: قَدْ نَشَزَ الْغُلَامُ إِذَا ارْتَفَعَ طُولُهُ وَشَبَّ، وَمِنْهُ نُشُوزُ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا، وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ مِنَ الْأَرْضِ: نَشَزٌ وَنَشْزٌ وَنَشَازٌ، فَإِذَا أَرَدْتَ أَنَّكَ رَفَعْتَهُ، قُلْتَ: أَنْشَزْتُهُ إِنْشَازًا، وَنَشَزَ هُوَ: إِذَا ارْتَفَعَ فَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ [البقرة: 259] فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِالزَّايِ: كَيْفَ نَرْفَعُهَا مِنْ أَمَاكِنِهَا مِنَ الْأَرْضِ فَنَرُدُّهَا إِلَى أَمَاكِنِهَا مِنَ الْجِسْمِ وَمِمَّنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ هَذَا التَّأْوِيلَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ [البقرة: 259] «كَيْفَ نُخْرِجُهَا» ؟