وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْقَرْيَةِ الَّتِي مَرَّ عَلَيْهَا الْقَائِلُ: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: 259] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ قَوْلُهُ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 260] قَالَ: «اضْمُمْهُنَّ إِلَيْكَ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 260] قَالَ: «اجْمَعْهُنَّ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ [البقرة: 260] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ [البقرة: 260] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي بِذَلِكَ عَلَى كُلِّ رُبْعٍ مِنْ أَرْبَاعِ الدُّنْيَا جُزْءًا مِنْهُنَّ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ [البقرة: 260] قَالَ: " اجْعَلْهُنَّ فِي أَرْبَاعِ الدُّنْيَا: رُبْعًا هَاهُنَا، وَرُبْعًا هَاهُنَا، وَرُبْعًا هَاهُنَا، وَرُبْعًا هَاهُنَا، ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ [البقرة: 260] قَالَ: «لَمَّا أَوْثَقَهُنَّ ذَبَحَهُنَّ، ثُمَّ جَعَلَ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: قَالَ: " أُمِرَ نَبِيُّ اللَّهِ أَنْ يَأْخُذَ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَيَذْبَحَهُنَّ، ثُمَّ يَخْلِطَ بَيْنَ لُحُومِهِنَّ وَرِيشِهِنَّ وَدِمَائِهِنَّ، ثُمَّ يُجَزِّئَهُنَّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَجْبُلٍ، فَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ شَكَلَ عَلَى أَجْنِحَتِهِنَّ، وَأَمْسَكَ بِرُءُوسِهِنَّ بِيَدِهِ، فَجَعَلَ الْعَظْمُ يَذْهَبُ إِلَى الْعَظْمِ، وَالرِّيشَةُ إِلَى الرِّيشَةِ، وَالْبَضْعَةُ إِلَى الْبَضْعَةَ، وَذَلِكَ بِعَيْنِ خَلِيلِ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ دَعَاهُنَّ فَأَتَيْنَهُ سَعْيًا عَلَى أَرْجُلِهِنَّ، وَيُلْقِي كُلُّ طَيْرٍ بِرَأْسِهِ، وَهَذَا مَثَلٌ آتَاهُ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ، يَقُولُ: كَمَا بَعَثَ هَذِهِ الْأَطْيَارَ مِنْ هَذِهِ الْأَجْبُلِ الْأَرْبَعَةِ، كَذَلِكَ يَبْعَثُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَرْبَاعِ الْأَرْضِ وَنَوَاحِيهَا "
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: " ذَبَحَهُنَّ، ثُمَّ قَطَّعَهُنَّ، ثُمَّ خَلَطَ بَيْنَ لُحُومِهِنَّ وَرِيشِهِنَّ، ثُمَّ قَسَمَهُنَّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَجْزَاءٍ، فَجَعَلَ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا، فَجَعَلَ الْعَظْمُ يَذْهَبُ إِلَى الْعَظْمِ، وَالرِّيشَةَ إِلَى الرِّيشَةِ، وَالْبَضْعَةُ إِلَى الْبَضْعَةِ، وَذَلِكَ بِعَيْنِ خَلِيلِ اللَّهِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ دَعَاهُنَّ فَأَتَيْنَهُ سَعْيًا، يَقُولُ: شَدًّا عَلَى أَرْجُلِهِنَّ.
وَهَذَا مَثَلٌ أُرَاهُ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ، يَقُولُ: كَمَا بَعَثْتُ
هَذِهِ الْأَطْيَارَ مِنْ هَذِهِ الْأَجْبُلِ الْأَرْبَعَةِ، كَذَلِكَ يَبْعَثُ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَرْبَاعِ الْأَرْضِ وَنَوَاحِيهَا "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ بَعْضِ، أَهْلِ الْعِلْمِ " أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ، يَذْكُرُونَ أَنَّهُ أَخَذَ الْأَطْيَارَ الْأَرْبَعَةَ، ثُمَّ قَطَّعَ كُلَّ طَيْرٍ بِأَرْبَعَةِ أَجْزَاءٍ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى أَرْبَعَةِ أَجْبَالٍ، فَجَعَلَ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ رُبْعًا مِنْ كُلِّ طَائِرٍ، فَكَانَ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ رُبْعٌ مِنَ الطَّاوُوسِ، وَرُبْعٌ مِنَ الدِّيكِ، وَرُبْعٌ مِنَ الْغُرَابِ وَرُبْعٌ مِنَ الْحَمَامِ، ثُمَّ دَعَاهُنَّ فَقَالَ: تَعَالَيْنَ بِإِذْنِ اللَّهِ كَمَا كُنْتُمْ، فَوَثَبَ كُلُّ رُبْعٍ مِنْهَا إِلَى صَاحِبِهِ حَتَّى اجْتَمَعْنَ، فَكَانَ كُلُّ طَائِرٍ كَمَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَقْطَعُهُ، ثُمَّ أَقْبَلْنَ إِلَيْهِ سَعْيًا، كَمَا قَالَ اللَّهُ، وَقِيلَ: يَا إِبْرَاهِيمُ، هَكَذَا يَجْمَعُ اللَّهُ الْعِبَادَ، وَيُحْيِي الْمَوْتَى لِلْبَعْثِ مِنْ مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَشَامِهَا وَيَمَنِهَا، فَأَرَاهُ اللَّهُ إِحْيَاءَ الْمَوْتَى بِقُدْرَتِهِ، حَتَّى عَرَفَ ذَلِكَ بِغَيْرِ مَا قَالَ نُمْرُوذُ مِنَ الْكَذِبِ وَالْبَاطِلِ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ [البقرة: 260] قَالَ: «فَأَخَذَ طَاوُوسًا، وَحَمَامَةً، وَغُرَابًا، وَدِيكًا» ، ثُمَّ قَالَ: " فَرِّقْهُنَّ، اجْعَلْ رَأْسَ كُلِّ وَاحِدٍ وَجُؤْشُوشَ الْآخَرِ وَجَنَاحَيِ الْآخَرِ وَرِجْلَيِ الْآخَرِ مَعَهُ فَقَطَّعَهُنَّ وَفَرَّقَهُنَ أَرْبَاعًا عَلَى الْجِبَالِ، ثُمَّ دَعَاهُنَّ فَجِئْنَهُ جَمِيعًا، فَقَالَ اللَّهُ: كَمَا نَادَيْتَهُنَّ فَجِئْنَكَ، فَكَمَا أُحْيَيْتُ هَؤُلَاءِ وَجَمَعْتُهُنَّ بَعْدَ هَذَا، فَكَذَلِكَ أَجْمَعُ هَؤُلَاءِ أَيْضًا؛ يَعْنِي الْمَوْتَى "
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنَ الْأَجْبَالِ الَّتِي كَانَتِ الْأَطْيَارُ وَالسِّبَاعُ الَّتِي كَانَتْ تَأْكُلُ مِنْ لَحْمِ الدَّابَّةِ الَّتِي رَآهَا إِبْرَاهِيمُ مَيْتَةً، فَسَأَلَ إِبْرَاهِيمُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ إِيَّاهَا أَنْ يُرِيَهَ كَيْفَ يُحْيِيهَا وَسَائِرَ الْأَمْوَاتِ غَيْرَهَا، وَقَالُوا: كَانَتْ سَبْعَةَ أَجْبَالٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: " لَمَّا قَالَ إِبْرَاهِيمُ مَا قَالَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ الدَّابَّةَ الَّتِي تَفَرَّقَتِ الطَّيْرُ وَالسِّبَاعُ عَنْهَا حِينَ دَنَا مِنْهَا، وَسَأَلَ رَبَّهُ مَا سَأَلَ، قَالَ: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة: 260] " قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: " فَذَبَحَهَا ثُمَّ اخْلِطْ بَيْنَ دَمَائِهِنَّ وَرِيشِهِنَّ وَلُحُومِهِنَّ، ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا حَيْثُ رَأَيْتَ الطَّيْرَ ذَهَبَتْ وَالسِّبَاعُ، قَالَ: فَجَعَلَهُنَّ سَبْعَةَ أَجْزَاءٍ، وَأَمْسَكَ رُءُوسَهُنَّ عِنْدَهُ، ثُمَّ دَعَاهُنَّ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَنَظَرَ إِلَى كُلِّ قَطْرَةٍ مِنْ دَمٍ تَطِيرُ إِلَى الْقَطْرَةِ الْأُخْرَى، وَكُلِّ رِيشَةٍ تَطِيرُ إِلَى الرِّيشَةِ الْأُخْرَى، وَكُلِّ بَضْعَةٍ وَكُلِّ عَظْمٍ يَطِيرُ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ مِنْ رُءُوسِ الْجِبَالِ، حَتَّى لَقِيَتْ كُلُّ جُثَّةٍ بَعْضُهَا بَعْضًا فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ أَقْبَلْنَ يَسْعَيْنَ حَتَّى وَصَلَتْ رَأْسَهَا "
حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: «فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ، ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى سَبْعَةِ أَجْبَالٍ، فَاجْعَلْ عَلَى كُلُّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا، ثُمَّ أَدَعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا، فَأَخَذَ إِبْرَاهِيمُ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ، فَقَطَّعَهُنَّ أَعْضَاءً، لَمْ يَجْعَلْ عُضْوًا مِنْ طَيْرٍ مَعَ صَاحِبِهِ، ثُمَّ جَعَلَ رَأْسَ هَذَا مَعَ رِجْلِ هَذَا، وَصَدْرَ هَذَا مَعَ جَنَاحِ هَذَا، وَقَسَّمَهُنَّ عَلَى سَبْعَةِ أَجْبَالٍ، ثُمَّ دَعَاهُنَّ فَطَارَ كُلُّ عُضْو إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ أَقْبَلْنَ إِلَيْهِ جَمِيعًا» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ أَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ [البقرة: 260] قَالَ: «ثُمَّ بَدِّدْهُنَّ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ يَأْتِينَكَ سَعْيًا، وَكَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: «ثُمَّ اجْعَلْهُنَّ أَجْزَاءً عَلَى كُلِّ جَبَلٍ، ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا، كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى؛ هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ [البقرة: 260] " ثُمَّ بَدِّدْهُنَّ أَجْزَاءً عَلَى كُلِّ جَبَلٍ ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ [البقرة: 260] : تَعَالَينَ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَكَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى؛ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثني إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا أَبُو زُهَيْرٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: «أَمَرَهُ أَنْ يُخَالِفَ بَيْنَ قَوَائِمِهِنَّ وَرُءُوسِهِنَّ وَأَجْنِحَتِهِنَّ، ثُمَّ يَجْعَلَ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا» حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: {ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ
جُزْءًا} [البقرة: 260] «فَخَالَفَ إِبْرَاهِيمُ بَيْنَ قَوَائِمِهِنَّ وَأَجْنِحَتِهِنَّ» وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِالْآيَةِ مَا قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ بَتَفْرِيقِ أَعْضَاءِ الْأَطْيَارِ الْأَرْبَعَةِ بَعْدَ تَقْطِيعِهِ إِيَّاهُنَّ عَلَى جَمِيعِ الْأَجْبَالِ الَّتِي كَانَ يَصِلُ إِبْرَاهِيمُ فِي وَقْتِ تَكْلِيفِ اللَّهِ إِيَّاهُ تَفْرِيقَ ذَلِكَ وَتَبْدِيدَهَا عَلَيْهَا أَجْزَاءً، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَالَ لَهُ: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ [البقرة: 260] وَالْكُلُّ حَرْفٌ يَدُلُّ عَلَى الْإِحَاطَةِ بِمَا أُضِيفَ إِلَيْهِ لَفْظُهُ وَاحِدٌ وَمَعْنَاهُ الْجَمْعُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَنْ يَجُوزَ أَنْ تَكُونَ الْجِبَالُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ بِتَفْرِيقِ أَجْزَاءِ الْأَطْيَارِ الْأَرْبَعَةِ عَلَيْهَا خَارِجَةً مِنْ أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ بَعْضًا أَوْ جَمِيعًا؛ فَإِنْ كَانَتْ بَعْضًا فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْبَعْضُ إِلَّا مَا كَانَ لِإِبْرَاهِيمَ السَّبِيلُ إِلَى تَفْرِيقِ أَعْضَاءِ الْأَطْيَارِ الْأَرْبَعَةِ عَلَيْهِ، أَوْ يَكُونَ جَمِيعًا، فَيَكُونَ أَيْضًا كَذَلِكَ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ أَمَرَهُ بِأَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ، وَذَلِكَ إِمَّا كُلُّ جَبَلٍ وَقَدْ عَرَفَهُنَّ إِبْرَاهِيمُ بِأَعْيَانِهِنَّ، وَإِمَّا مَا فِي الْأَرْضِ مِنَ الْجِبَالِ.
فَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَجْبُلٍ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: هُنَّ سَبْعَةٌ؛ فَلَا دَلَالَةَ عِنْدَنَا عَلَى صِحَّةِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَنَسْتَجِيزُ الْقَوْلَ بِهِ، وَإِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَجْعَلَ الْأَطْيَارَ الْأَرْبَعَةَ أَجْزَاءً مُتَفَرِّقَةً عَلَى كُلِّ جَبَلٍ لِيُرِيَ إِبْرَاهِيمَ قُدْرَتَهُ عَلَى جَمْعِ أَجْزَائِهِنَّ وَهُنَّ مُتَفَرِّقَاتٍ مُتَبَدِّدَاتٍ فِي أَمَاكِنَ مُخْتَلِفَةٍ شَتَّى، حَتَّى يُؤَلِّفَ بَعْضَهُنَّ إِلَى بَعْضٍ، فَيَعُدْنَ كَهَيْئَتِهِنَّ قَبْلَ تَقْطِيعِهِنَّ وَتَمْزِيقِهِنَّ وَقَبْلَ تَفْرِيقِ أَجْزَائِهِنَّ عَلَى الْجِبَالِ أَطْيَارًا أَحْيَاءً يَطِرْنَ، فَيَطْمَئِّنَ قَلْبُ إِبْرَاهِيمَ وَيَعْلَمَ
أَنَّ كَذَلِكَ يَجْمَعُ اللَّهُ أَوْصَالَ الْمَوْتَى لَبَعْثِ الْقِيَامَةِ، وَتَأْلِيفَهُ أَجْزَاءَهُمْ بَعْدَ الْبِلَى وَرَدَّ كُلِّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِمْ إِلَى مَوْضِعِهِ كَالَّذِي كَانَ قَبْلَ الرَّدِّ.
وَالْجُزْءُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ هُوَ الْبَعْضُ مِنْهُ كَانَ مُنْقَسِمًا جَمِيعُهُ عَلَيْهِ عَلَى صِحَّةٍ أَوْ غَيْرَ مُنْقَسِمٍ، فَهُوَ بِذَلِكَ مِنْ مَعْنَاهُ مُخَالِفٌ مَعْنَى السَّهْمِ؛ لِأَنَّ السَّهْمَ مِنَ الشَّيْءِ: هُوَ الْبَعْضُ الْمُنْقَسِمُ عَلَيْهِ جَمِيعُهُ عَلَى صِحَّةٍ، وَلِذَلِكَ كَثُرَ اسْتِعْمَالُ النَّاسِ فِي كَلَامِهِمْ عِنْدَ ذِكْرِهِمْ أَنْصِبَاءَهُمْ مِنَ الْمَوَارِيثِ السِّهَامَ دُونَ الْأَجْزَاءِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ [البقرة: 260] فَإِنَّ مَعْنَاهُ مَا ذَكَرْتُ آنِفًا عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ أَنَّهُ أُمِرَ أَنْ يَقُولَ لِأَجْزَاءِ الْأَطْيَارِ بَعْدَ تَفْرِيقِهِنَّ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ تَعَالَيْنَ بِإِذْنِ اللَّهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أُمِرَ إِبْرَاهِيمُ أَنْ يَدَعُوَهُنَّ وَهُنَّ مُمَزَّقَاتٌ أَجْزَاءً عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ أَمْوَاتًا، أَمْ بَعْدَ مَا أُحْيِينَ؟ فَإِنْ كَانَ أُمِرَ أَنْ يَدَعُوَهُنَّ وَهُنَّ مُمَزَّقَاتٌ لَا أَرْوَاحَ فِيهِنَّ، فَمَا وَجْهُ أَمْرِ مَنْ لَا حَيَاةَ فِيهِ بِالْإِقْبَالِ؟ وَإِنْ كَانَ أُمِرَ بِدُعَائِهِنَّ بَعْدَ مَا أُحْيِينَ، فَمَا كَانَتْ حَاجَةُ إِبْرَاهِيمَ إِلَى دُعَائِهِنَّ وَقَدْ أَبْصَرَهُنَّ يُنْشَرْنَ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ؟ قِيلَ: إِنَّ أَمْرَ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدُعَائِهِنَّ وَهُنَّ أَجْزَاءٌ مُتَفَرِّقَاتٌ إِنَّمَا هُوَ أَمْرُ تَكْوِينٍ، كَقَوْلِ اللَّهِ لِلَّذِينَ مَسَخَهُمْ قِرَدَةً بَعْدَ مَا كَانُوا إِنْسًا: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: 65] لَا أَمْرَ عِبَادَةٍ، فَيَكُونُ مُحَالًا إِلَّا بَعْدَ وُجُودِ الْمَأْمُورِ الْمُتَعَبِّدِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 260] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَاعْلَمْ يَا إِبْرَاهِيمُ أَنَّ الَّذِيَ أَحْيَا هَذِهِ الْأَطْيَارَ بَعْدَ تَمْزِيقِكَ إِيَّاهُنَّ، وَتَفْرِيقِكَ أَجْزَاءَهُنَّ عَلَى الْجِبَالِ، فَجَمَعَهُنَّ وَرَدَّ إِلَيْهِنَّ الرُّوحَ، حَتَّى
أَعَادَهُنَّ كَهَيْئَتِهِنَّ قَبْلَ تَفْرِيقِهِنَّ، ﴿عَزِيزٌ﴾ [البقرة: 209] فِي بَطْشِهِ إِذَا بَطَشَ بِمَنْ بَطَشَ مِنَ الْجَبَابِرَةِ وَالْمُتَكَبِّرَةِ الَّذِينَ خَالِفُوا أَمَرَهُ، وَعَصَوْا رُسُلَهُ، وعَبَدُوا غَيْرَهُ، وَفِي نِقْمَتِهِ حَتَّى يَنْتَقِمَ مِنْهُمْ، ﴿حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 209] فِي أَمْرِهِ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِسْحَاقَ: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ، عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 260] قَالَ: «عَزِيزٌ فِي بْطَشِهِ حَكِيمٌ فِي أَمْرِهِ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ [البقرة: 260] «فِي نِقْمَتِهِ» ﴿حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 260] «فِي أَمْرِهِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمُُ﴾ وَهَذِهِ الْآيَةُ مَرْدُودَةٌ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: 245] ، وَالْآيَاتُ الَّتِي بَعْدَهَا إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 261] مِنْ قَصَصِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرِهِمْ مَعَ طَالُوتَ وَجَالُوتَ، وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ نَبَإِ الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ، وَأَمْرِ الَّذِي مَرَّ عَلَى الْقَرْيَةِ الْخَاوِيَةِ عَلَى عُرُوشِهَا، وَقِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَمَسْأَلَتِهِ رَبَّهُ مَا سَأَلَ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ، اعْتِرَاضٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِمَا اعْتَرَضَ بِهِ مِنْ قَصَصِهِمْ بَيْنَ ذَلِكَ احْتِجَاجًا مِنْهُ بِبَعْضِهِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَانُوا يُكَذِّبُونَ بِالْبَعْثِ وَقِيَامِ السَّاعَةِ، وَحَضًّا مِنْهُ بِبَعْضِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ الَّذِي أَمَرَهُمْ بِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 244] يُعَرِّفُهُمْ فِيهِ أَنَّهُ نَاصِرُهُمْ وَإِنْ قَلَّ عَدَدُهُمْ وَكَثُرَ عَدَدُ عَدُوِّهِمْ، وَيَعِدُهُمُ
النُّصْرَةَ عَلَيْهِمْ، وَيُعَلِّمُهُمْ سُنَّتَهُ فِيمَنْ كَانَ عَلَى مِنْهَاجِهِمْ مِنَ ابْتِغَاءِ رِضْوَانِ اللَّهِ أَنَّهُ مُؤَيِّدُهُمْ، وَفِيمَنْ كَانَ عَلَى سَبِيلِ أَعْدَائِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ بِأَنَّهُ خَاذِلُهُمْ وَمُفَرِّقُ جَمَعِهِمْ وَمُوهِنُ كَيْدِهِمْ، وَقْطَعًا مِنْهُ بِبَعْضِ عُذْرِ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِمَا أَطْلَعَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ مِنْ خَفِيِّ أُمُورِهِمْ، وَمَكْتُومِ أَسْرَارِ أَوَائِلِهِمْ وَأَسْلَافِهِمِ الَّتِي لَمْ يَعْلَمْهَا سِوَاهُمْ، لِيَعْلَمُوا أَنَّ مَا آتَاهُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ بِتَخَرُّصٍ وَلَا اخْتِلَاقٍ، وَإِعْذَارًا مِنْهُ بِهِ إِلَى أَهْلِ النِّفَاقِ مِنْهُمْ، لِيَحْذَرُوا بِشَكِّهِمْ فِي أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِنْ بَأْسِهِ وَسَطْوَتِهِ مِثْلُ الَّذِي أَحَلَّهُمَا بِأَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ كَانُوا فِي الْقَرْيَةِ الَّتِي أَهْلَكَهَا، فَتَرَكَهَا خَاوِيَةً عَلَى عُرُوشِهَا، ثُمَّ عَادَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِلَى الْخَبَرِ عَنِ الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا، وَمَا عِنْدَهُ لَهُ مِنَ الثَّوَابِ عَلَى قَرْضِهِ، فَقَالَ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 261] يَعْنِي بِذَلِكَ مَثَلَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي جِهَادِ أَعْدَاءِ اللَّهِ بِأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: 261] مِنْ حَبَّاتِ الْحِنْطَةِ أَوِ الشَّعِيرِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ الَّتِي تُسَنْبِلُ سُنْبُلَةً بَذَرَهَا زَارِعٌ، «فَأَنْبَتَتْ» ، يَعْنِي فَأَخْرَجَتْ ﴿سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ ، يَقُولُ: فَكَذَلِكَ الْمُنْفِقُ مَالَهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لَهُ أَجْرُهُ سَبْعُمِائَةِ ضِعْفٍ عَلَى الْوَاحِدِ مِنْ نَفَقَتِهِ
كَمَا: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ «فَهَذَا لِمَنْ أَنْفَقَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَهُ أَجْرُهُ سَبْعُمِائَةٍ»
حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعَفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ قَالَ: «هَذَا الَّذِي يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَيَخْرُجُ»
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ ، الْآيَةَ، «فَكَانَ مَنْ بَايَعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَرَابَطَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَلْقَ وَجْهًا إِلَّا بِإِذْنِهِ، كَانَتِ الْحَسَنَةُ لَهُ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَمَنْ بَايَعَ عَلَى الْإِسْلَامِ كَانَتِ الْحَسَنَةُ لَهُ عَشْرَ أَمْثَالِهَا» فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَهَلْ رَأَيْتَ سُنْبُلَةً فِيهَا مِائَةُ حَبَّةٍ أَوْ بَلَغَتْكَ فَضُرِبَ بِهَا الْمَثَلُ الْمُنْفِقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَالَهُ؟ قِيلَ: إِنْ يَكُنْ ذَلِكَ مَوْجُودًا فَهُوَ ذَاكَ، وَإِلَّا فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: كَمَثَلِ سُنْبُلَةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ، إِنْ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِيهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: فِي كُلِّ سُنْبُلَةَ مِائَةُ حَبَّ؛ يَعْنِي أَنَّهَا إِذَا هِيَ بُذِرَتْ أَنْبَتَتْ مِائَةَ حَبَّةٍ، فَيَكُونُ مَا حَدَثَ عَنِ الْبَذْرِ الَّذِي كَانَ مِنْهَا مِنَ الْمِائَةِ الْحَبَّةِ مُضَافًا
إِلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَنْهَا، وَقَدْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا أَبُو زُهَيْرٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَوْلُهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ قَالَ: «كُلُّ سُنْبُلَةٍ أَنْبَتَتْ مِائَةَ حَبَّةٍ، فَهَذَا لِمَنْ أَنْفَقَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ، ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 261]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 261] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 261] ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَجْرَ حَسَنَاتِهِ بَعْدَ الَّذِي أَعْطَى الْمُنْفِقَ فِي سَبِيلِهِ مِنَ التَّضْعِيفِ الْوَاحِدَةَ سَبْعَمِائَةٍ.
فَأَمَّا الْمُنْفِقُ فِي غَيْرِ سَبِيلِهِ، فَلَا نَفَقَةَ
مَا وَعْدَهُ مِنْ تَضْعِيفِ السَّبْعِمِائَةِ بِالْوَاحِدَةِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا أَبُو زُهَيْرٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: «هَذَا يُضَاعَفُ لِمَنْ أَنْفَقَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَعْنِي السَّبْعَمِائَةِ» ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 261] «يَعْنِي لِغَيْرِ الْمُنْفِقِ فِي سَبِيلِهِ»
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ مِنَ الْمُنْفِقِينَ فِي سَبِيلِهِ عَلَى السَّبْعِمِائَةِ إِلَى أَلْفَيْ أَلْفِ ضِعْفٍ، وَهَذَا قَوْلٌ ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وَجْهٍ لَمْ أَجِدْ إِسْنَادَهُ فَتَرَكْتُ ذِكْرَهُ.
وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 261] وَاللَّهُ يُضَاعِفُ عَلَى السَّبْعِمِائَةِ إِلَى مَا يَشَاءُ مِنَ التَّضْعِيفِ لِمَنْ يَشَاءُ مِنَ الْمُنْفِقِينَ فِي سَبِيلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُ الثَّوَابِ وَالتَّضْعِيفِ لِغَيْرِ الْمُنْفِقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَجُوزُ لَنَا تَوْجِيهُ مَا وَعَدَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ التَّضْعِيفِ إِلَى أَنَّهُ عِدَةٌ مِنْهُ عَلَى الْعَمَلِ عَلَى غَيْرِ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 247] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَاللَّهُ وَاسِعٌ أَنْ يَزِيدَ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ الْمُنْفِقِينَ فِي سَبِيلِهِ عَلَى أَضْعَافِ السَّبْعِمِائَةِ الَّتِي وَعْدَهُ أَنْ يَزِيدَهُ، عَلِيمٌ مَنْ يَسْتَحِقُّ مِنْهُمُ الزِّيَادَةَ
كَمَا: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 261] قَالَ: «وَاسِعٌ أَنْ يَزِيدَ مِنْ سَعَتِهِ، عَلِيمٌ عَالِمٌ بِمَنْ يَزِيدُهُ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَاللَّهُ وَاسِعٌ لِتِلْكَ الْأَضْعَافِ، عَلِيمٌ بِمَا يُنْفِقُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 262] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: الْمُعْطِي مَالَهُ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَعُونَةً لَهُمْ عَلَى جِهَادِ أَعْدَاءِ اللَّهِ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ:
الَّذِينَ يُعِينُونَ الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ وَفِي حُمُولَاتِهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُؤَنِهِمْ، ثُمَّ لَمْ يُتْبِعْ نَفَقَتَهُ الَّتِي أَنْفَقَهَا عَلَيْهِمْ مَنًّا عَلَيْهِمْ بِإِنْفَاقِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَلَا أَذًى لَهُمْ؛ فَامْتِنَانُهُ بِهِ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يُظْهِرَ لَهُمْ أَنَّهُ قَدِ اصْطَنَعَ إِلَيْهِمْ بِفِعْلِهِ، وَعَطَائِهِ الَّذِي أَعْطَاهُمُوهُ، تَقْوِيَةً لَهُمْ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِمْ مَعْرُوفًا، وَيُبْدِي ذَلِكَ إِمَّا بِلِسَانٍ أَوْ فِعْلٍ.
وَأَمَّا الْأَذَى فَهُوَ شِكَايَتُهُ إِيَّاهُمْ بِسَبَبِ مَا أَعْطَاهُمْ وَقَوَّاهُمْ مِنَ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنَّهُمْ لَمْ يَقُومُوا بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ فِي الْجِهَادِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ الَّذِي يُؤْذِي بِهِ مَنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ.
وَإِنَّمَا شَرَطَ ذَلِكَ فِي الْمُنْفِقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَوْجَبَ الْأَجْرَ لِمَنْ كَانَ غَيْرَ مَانٍّ وَلَا مُؤْذٍ مَنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لِأَنَّ النَّفَقَةَ الَّتِي هِيَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِمَّا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ، وَطُلِبَ بِهِ مَا عِنْدَهُ، فَإِذَا كَانَ مَعْنَى النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هُوَ مَا وَصَفْنَا، فَلَا وَجْهَ لِمَنِّ الْمُنْفِقِ عَلَى مَنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُ قِبَلَهُ وَلَا صَنِيعَهَ يَسْتَحِقُّ بِهَا عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يُكَافِئَهُ عَلَيْهَا الْمَنَّ وَالْأَذَى، إِذْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ احْتِسَابًا وَابْتِغَاءَ ثَوَابِ اللَّهِ وَطَلَبَ مَرْضَاتِهِ وَعَلَى اللَّهِ مَثُوبَتُهُ دُونَ مَنْ أَنْفَقَ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
وَبِنَحْوِ الْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 262] «عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ أُنَاسًا يَمُنُّونَ بِعَطِيَّتِهِمْ، فَكَرِهَ ذَلِكَ وَقَدَّمَ فِيهِ فَقَالَ» : ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيُّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 263]