تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 19-29

وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [النبأ: 18] يَقُولُ: فَيَجِيئُونَ زُمَرًا زُمَرًا، وَجَمَاعَةً جَمَاعَةً وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْتَأْوِيلِ

صفحات 19-29
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿أَفْوَاجًا﴾ [النبأ: 18] قَالَ: زُمَرًا زُمَرًا وَإِنَّمَا قِيلَ: ﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [النبأ: 18] لِأَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهَا رَسُولًا تَأْتِي مَعَ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْهَا، كَمَا قَالَ: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: 71]

وَقَوْلُهُ: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ: 19] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَشُقِقَتِ السَّمَاءُ فَصُدِعَتْ، فَكَانَتْ طُرُقًا، وَكَانَتْ مِنْ قَبْلُ شِدَادًا لَا فُطُورَ فِيهَا وَلَا صُدُوعَ.
وَقِيلَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ قِطَعًا كَقِطَعِ الْخَشَبِ الْمُشَقَّقَةِ لِأَبْوَابِ الدُّورِ وَالْمَسَاكِنِ قَالُوا: وَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ

قِطَعًا

كَالْأَبْوَابِ، فَلَمَّا أُسْقِطَتِ الْكَافُ صَارَتِ الْأَبْوَابُ الْخَبَرَ، كَمَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ أَسَدًا، يَعْنِي: كَالْأَسَدِ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا﴾ [النبأ: 20] يَقُولُ: وَنُسِفَتِ الْجِبَالُ فَاجْتُثَّتْ مِنْ أُصُولِهَا، فَصُيِّرَتْ هَبَاءً مُنْبِثًّا، لِعَيْنِ النَّاظِرِ، كَالسَّرَابِ الَّذِي يَظُنُّ مَنْ يَرَاهُ مِنْ بُعْدٍ مَاءً، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ هَبَاءٌ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا لِلطَّاغِينَ مَآبًا لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: 22] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ ذَاتَ رَصْدٍ لِأَهْلِهَا، الَّذِينَ كَانُوا يَكْذِبُونَ فِي الدُّنْيَا بِهَا، وَبِالْمَعَادِ إِلَى اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ، وَلِغَيْرِهِمْ

مِنَ الْمُصَدِّقِينَ بِهَا.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ ذَاتَ ارْتِقَابٍ، تَرْقُبُ مَنْ يَجْتَازُهَا وَتَرْصُدُهُمْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْتَأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: ثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، قَالَ: كَانَ الْحَسَنُ إِذَا تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ [النبأ: 21] قَالَ: أَلَا إِنَّ عَلَى الْبَابِ الرَّصَدَ، فَمَنْ جَاءَ بِجَوَازٍ جَازَ، وَمَنْ لَمْ يَجِئْ بِجَوَازٍ احْتُبِسَ

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ [النبأ: 21] قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ حَتَّى يَجْتَازُ النَّارَ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ [النبأ: 21] يُعْلِمُنَا أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إِلَى الْجَنَّةِ حَتَّى يَقْطَعَ النَّارَ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ [النبأ: 21] قَالَ: عَلَيْهَا ثَلَاثُ قَنَاطِرَ

وَقَوْلُهُ: ﴿لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾ [النبأ: 22] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ جَهَنَّمَ لِلَّذِينَ طَغَوْا فِي الدُّنْيَا، فَتَجَاوَزُوا حُدُودَ اللَّهِ، اسْتِكْبَارًا عَلَى رَبِّهِمْ، كَانَتْ مَنْزِلًا مَرْجِعًا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ، وَمَصِيرًا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ يِسْكُنُونَهُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْتَأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿لِلطَّاغِينَ مَآبًا﴾ [النبأ: 22] أَيْ مَنْزِلًا وَمَأْوَى

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، ﴿مَآبًا﴾ [النبأ: 22] يَقُولُ: مَرْجِعًا وَمَنْزِلًا

وَقَوْلُهُ: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: 23] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الطَّاغِينَ فِي الدُّنْيَا لَابِثُونَ فِي جَهَنَّمَ، فَمَاكِثُونَ فِيهَا أَحْقَابًا وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿لَابِثِينَ﴾ [النبأ: 23] فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: ﴿لَابِثِينَ﴾ [النبأ: 23] بِالْأَلْفِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: (لَبِثِينَ)

بِغَيْرِ الْأَلْفِ؛ وَأَفْصَحُ الْقِرَاءَتَيْنِ وَأَصَحُّهُمَا مَخْرَجًا فِي الْعَرَبِيَّةِ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِالْأَلْفِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ لَا تَكَادُ تُوقِعَ الصِّفَةَ إِذَا جَاءَتْ عَلَى فَعِيلٍ، فَتُعْمِلُهَا فِي شَيْءٍ، وَتَنْصِبُهُ بِهَا، لَا يَكَادُونَ أَنْ يَقُولُوا: هَذَا رَجُلٌ بَخِلٌ بِمَالِهِ، وَلَا عَسِرٌ عَلَيْنَا، وَلَا هُوَ خَصِمٌ لَنَا، لِأَنَّ فَعِلَ لَا يَأْتِي صِفَةً إِلَّا مَدْحًا أَوْ ذَمًّا، فَلَا يَعْمَلُ الْمَدْحُ وَالذَّمُّ فِي غَيْرِهِ، وَإِذْ أَرَادُوا إِعْمَالَ ذَلِكَ فِي الِاسْمِ أَوْ غَيْرِهِ جَعَلُوهُ فَاعِلًا، فَقَالُوا: هُوَ بَاخِلٌ بِمَالِهِ، وَهُوَ طَامِعٌ فِيمَا عِنْدَنَا، فَلِذَلِكَ قُلْتُ: إِنَّ ﴿لَابِثِينَ﴾ [النبأ: 23] أَصَحُّ مَخْرَجًا فِي الْعَرَبِيَّةِ وَأَفْصَحُ، وَلَمْ أُحِلَّ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ: (لَبِثِينَ) وَإِنْ كَانَ غَيْرُهَا أَفْصَحَ، لِأَنَّ الْعَرَبَ رُبَّمَا أَعْمَلَتِ الْمَدْحَ فِي الْأَسْمَاءِ، وَقَدْ يُنْشَدُ بَيْتُ لَبِيدٍ: [البحر الكامل] أَوْ مِسْحَلٌ عَمِلٌ عَضَادَةَ سَمْحَجٍ ... بِسَرَاتِهَا نَدَبٌ لَهُ وَكُلُومُ فَأَعْمَلَ عَمِلٌ فِي عَضَادَةَ، وَلَوْ كَانَتْ عَامِلًا كَانَتْ أَفْصَحَ،

وَيُنْشَدُ أَيْضًا: [البحر الطويل] وَبِالْفَأْسِ ضَرَّابٌ رُءُوسَ الْكَرَانِفِ وَمِنْهُ قَوْلُ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ: [البحر الطويل] أَكَرَّ وَأَحْمَى لِلْحَقِيقَةِ مِنْهُمُ ... وَأَضْرَبَ مِنَّا بِالسُّيُوفِ الْقَوَانِسَا وَأَمَّا الْأَحْقَابُ فَجَمْعُ حُقْبٍ، وَالْحُقْبُ: جَمْعُ حِقْبَةٍ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الطويل] عِشْنَا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً ... مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ نَتَصَدَّعَا فَهَذِهِ جَمْعُهَا حِقَبٌ، وَمِنَ الْأَحْقَابِ الَّتِي جَمْعُهَا حُقُبٌ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: 60] فَهَذَا وَاحِدُ الْأَحْقَابِ وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْتَأْوِيلِ فِي مَبْلَغِ مُدَّةِ الْحُقُبِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مُدَّةُ ثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى الْقَزَّازُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ بْنُ سُوَيْدٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ كَعْبٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: 23] قَالَ:

بَلَغَنِي أَنَّ الْحُقُبَ ثَلَاثُمِائَةِ سَنَةٍ، كُلُّ سَنَةٍ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ يَوْمًا، كُلُّ يَوْمٍ أَلْفُ سَنَةٍ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مُدَّةُ الْحُقْبِ الْوَاحِدُ: ثَمَانُونَ سَنَةً

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: ثني عَمَّارٌ الدُّهْنِيُّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِهِلَالٍ الْهَجَرِيِّ: مَا تَجِدُونَ الْحُقْبَ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ؟ قَالَ: نَجِدُهُ ثَمَانِينَ سَنَةً كُلُّ سَنَةٍ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، كُلُّ شَهْرٍ ثَلَاثُونَ يَوْمًا، كُلُّ يَوْمٍ أَلْفُ سَنَةٍ

حَدَّثَنَا تَمِيمُ بْنُ الْمُنْتَصِرِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ قَالَ: الْحُقْبُ: ثَمَانُونَ سَنَةً وَالسَّنَةُ: سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةِ يَوْمٍ، وَالْيَوْمُ: أَلْفُ سَنَةٍ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: الْحُقْبُ: ثَمَانُونَ سَنَةً

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا جَابِرُ بْنُ نُوحٍ، قَالَ: ثنا الْأَعْمَشُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: 23] قَالَ: الْحُقْبُ: ثَمَانُونَ سَنَةً، السَّنَةُ: ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ يَوْمًا، الْيَوْمُ: سَنَةٌ أَوْ أَلْفُ سَنَةٍ، الطَّبَرِيُّ يَشُكُّ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ اللَّهُ: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: 23] وَهُوَ مَا لَا انْقِطَاعَ لَهُ، كُلَّمَا مَضَى حُقْبٌ جَاءَ حُقْبٌ بَعْدَهُ وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْحُقْبَ ثَمَانُونَ سَنَةً

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَحْقَابًا﴾ [النبأ: 23] قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ الْحُقْبَ ثَمَانُونَ سَنَةً مِنْ سِنِيِّ الْآخِرَةِ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: 23] لَا يَعْلَمُ عِدَّةَ هَذِهِ الْأَحْقَابِ إِلَّا اللَّهُ، وَلَكِنَّ الْحُقْبَ الْوَاحِدَ: ثَمَانُونَ سَنَةً، وَالسَّنَةُ: ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ يَوْمًا، كُلُّ يَوْمٍ مِنْ ذَلِكَ أَلْفُ سَنَةٍ وَقَالَ آخَرُونَ: الْحُقْبُ الْوَاحِدُ: سَبْعُونَ أَلْفَ سَنَةٍ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي ابْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ، قَالَ: ثني عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ زُهَيْرٍ، عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ، يُسْأَلُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: 23] قَالَ: أَمَّا الْأَحْقَابُ فَلَيْسَ لَهَا عِدَّةٌ إِلَّا الْخُلُودُ فِي النَّارِ؛ وَلَكِنْ ذَكَرُوا أَنَّ الْحُقْبَ الْوَاحِدَ سَبْعُونَ أَلْفَ سَنَةٍ، كُلُّ يَوْمٍ مِنْ تِلْكَ الْأَيَّامِ السَّبْعِينَ أَلْفًا، كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْآمُلِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: 23] قَالَ: أَمَّا الْأَحْقَابُ، فَلَا يَدْرِي أَحَدٌ مَا هِيَ، وَأَمَّا الْحُقْبُ الْوَاحِدُ: فَسَبْعُونَ أَلْفَ سَنَةٍ، كُلُّ يَوْمٍ كَأَلْفِ سَنَةٍ وَرُوِيَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، أَنَّهَا فِي أَهْلِ الْقِبْلَةِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ جَشِيبٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: 23] وَقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: 107] إِنَّهُمَا فِي أَهْلِ التَّوْحِيدِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا أَنْتَ قَائِلٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ؟ قِيلَ: الَّذِي قَالَهُ قَتَادَةُ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ فِي ذَلِكَ أَصَحُّ فَإِنْ قَالَ: فَمَا لِلْكُفَّارِ عِنْدَ اللَّهِ عَذَابٌ إِلَّا أَحْقَابًا؛ قِيلَ: إِنَّ الرَّبِيعَ وَقَتَادَةَ قَدْ قَالَا: إِنَّ هَذِهِ الْأَحْقَابَ لَا انْقِضَاءَ لَهَا وَلَا انْقِطَاعَ.
وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: 23] ، فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْعَذَابِ، هُوَ أَنَّهُمْ: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: 25] فَإِذَا انْقَضَتْ تِلْكَ الْأَحْقَابُ، صَارَ لَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ أَنْوَاعٌ غَيْرُ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي كِتَابِهِ: {وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ هَذَا

فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} [ص: 55] وَهَذَا الْقَوْلُ عِنْدِي أَشْبَهُ بِمَعْنَى الْآيَةِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ فِي ذَلِكَ

مَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا مُعَاذٍ الْخُرَاسَانِيَّ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: 23] فَأَخْبَرَنَا عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، قَالَ: مَنْسُوخَةٌ، نَسَخَتْهَا: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: 30] وَلَا مَعْنَى لِهَذَا الْقَوْلِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: 23] خَبَرٌ، وَالْأَخْبَارُ لَا يَكُونُ فِيهَا نَسْخٌ، وَإِنَّمَا النَّسْخُ يَكُونُ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ

وَقَوْلُهُ: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا﴾ [النبأ: 24] يَقُولُ: لَا يَطْعَمُونَ فِيهَا بَرْدًا يُبَرِّدُ حَرَّ السَّعِيرِ عَنْهُمْ، إِلَّا الْغَسَاقَ، وَلَا شَرَابًا يَرْوِيهِمْ مِنْ شِدَّةِ الْعَطَشِ الَّذِي بِهِمْ، إِلَّا الْحَمِيمَ.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ أَنَّ الْبَرْدَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ النَّوْمُ، وَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: لَا يَذُوقُونَ فِيهَا

نَوْمًا وَلَا شَرَابًا، وَاسْتَشْهَدَ لِقِيلِهِ ذَلِكَ بِقَوْلِ الْكِنْدِيِّ: [البحر الكامل] بَرَدَتْ مَرَاشِفُهَا عَلَيَّ فَصَدَّنِي ... عَنْهَا وَعَنْ قُبُلَاتِهَا الْبَرْدُ يَعْنِي بِالْبَرْدِ: النُّعَاسَ وَالنَّوْمُ إِنْ كَانَ يُبْرِدُ غَلِيلَ الْعَطَشِ، فَقِيلَ لَهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْبَرْدِ، فَلَيْسَ هُوَ بِاسْمِهِ الْمَعْرُوفِ، وَتَأْوِيلُ كِتَابِ اللَّهِ عَلَى الْأَغْلَبِ مِنْ مَعْرُوفِ كَلَامِ الْعَرَبِ، دُونَ غَيْرِهِ

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْتَأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: 25] فَاسْتَثْنَى مِنَ الشَّرَابِ الْحَمِيمَ، وَمِنَ الْبَرْدِ: الْغَسَّاقَ

وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: 25] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا إِلَّا حَمِيمًا قَدْ أُغْلِيَ حَتَّى انْتَهَى حَرُّهُ، فَهُوَ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ، وَلَا بَرْدَ إِلَّا غَسَّاقًا وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْتَأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْغَسَّاقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَا سَالَ مِنْ صَدِيدِ أَهْلِ جَهَنَّمَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: 25] قَالَ: هُوَ الَّذِي يَسِيلُ مِنْ جُلُودِهِمْ

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: ثنا أَبُو عَمْرٍو، قَالَ: زَعَمَ عِكْرِمَةُ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ فِي، قَوْلِهِ: ﴿وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: 25] قَالَ: مَا يَخْرُجُ مِنْ أَبْصَارِهِمْ مِنَ الْقَيْحِ وَالدَّمِ

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، وَابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، وَأَبِي رَزِينٍ: ﴿إِلَّا حَمِيمًا﴾ [النبأ: 25] وَغَسَّاقًا قَالَا: غُسَالَةُ أَهْلِ النَّارِ؛ لَفْظُ ابْنِ بَشَّارٍ؛ وَأَمَّا ابْنُ الْمُثَنَّى فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: مَا يَسِيلُ مِنْ صَدِيدِهِمْ وَحَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ مَرَّةً أُخْرَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ كَمَا قَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ ﴿وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: 25] قَالَ: مَا يَسِيلُ مِنْ صَدِيدِهِمْ حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ وَأَبِي رَزِينٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿غَسَّاقًا﴾ [النبأ: 25] كُنَّا نُحَدِّثُ أَنَّ الْغَسَّاقَ: مَا يَسِيلُ مِنْ بَيْنِ جِلْدِهِ وَلَحْمِهِ

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ مَا يَسِيلُ مِنْ دُمُوعِهِمْ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، ﴿وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: 25] قَالَ: مَا يَسِيلُ مِنْ صَدِيدِهِمْ مِنَ الْبَرْدِ، قَالَ سُفْيَانُ وَقَالَ غَيْرُهُ: الدُّمُوعُ

جارٍ التحميل