وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿طَيِّبًا﴾ [البقرة: 168] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَلَالًا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54] الْآيَةُ , وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ قَالُوا: زَعَمَ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ أُوتِيَ مَا أُوتِيَ فِي تَوَاضُعٍ
وَلَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ , لَيْسَ هَمُّهُ إِلَّا النِّكَاحَ , فَأَيُّ مَلِكٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟ فَقَالَ اللَّهُ: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54] "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54] يَعْنِي مُحَمَّدًا أَنْ يَنْكِحَ مَا شَاءَ مِنَ النِّسَاءِ "
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ , قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ , يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54] وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا: مَا شَأْنُ مُحَمَّدٍ أُعْطِيَ النُّبُوَّةَ كَمَا يَزْعُمُ وَهُوَ جَائِعٌ عَارٍ , وَلَيْسَ لَهُ هَمٌّ إِلَّا نِكَاحَ النِّسَاءِ؟ فَحَسَدُوهُ عَلَى تَزْوِيجِ الْأَزْوَاجِ , وَأَحَلَّ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ أَنْ يَنْكِحَ مِنْهُنَّ مَا شَاءَ أَنْ يَنْكِحَ " وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ قَتَادَةَ وَابْنِ جُرَيْجٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ أَنَّ مَعْنَى الْفَضْلِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ النُّبُوَّةُ الَّتِي فَضَّلَ اللَّهُ بِهَا مُحَمَّدًا , وَشَرَّفَ بِهَا الْعَرَبَ إِذْ آتَاهَا رَجُلًا مِنْهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ , لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ دَلَالَةَ ظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا تَقْرِيظٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ , عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ , وَلَيْسَ النِّكَاحُ وَتَزْوِيجُ النِّسَاءِ , وَإِنْ كَانَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الَّذِي أَتَاهُ عِبَادَهُ
بِتَقْرِيظٍ لَهُمْ وَمَدْحٍ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 54] يَعْنِي: بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: أَمْ يَحْسُدُ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ , النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ , مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْهُمْ , فَكَيْفَ لَا يَحْسُدُونَ آلَ إِبْرَاهِيمَ , فَقَدْ
آتَيْنَاهُمْ بِالْكِتَابِ؟ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النساء: 54] فَقَدْ أَعْطَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ , يَعْنِي: أَهْلَهُ وَأَتْبَاعَهُ عَلَى دِينِهِ ﴿الْكِتَابَ﴾ [البقرة: 2] يَعْنِي: " كِتَابَ اللَّهِ الَّذِي أَوْحَاهُ إِلَيْهِمْ , وَذَلِكَ كَصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَالزَّبُورِ , وَسَائِرِ مَا آتَاهُمْ مِنَ الْكُتُبِ.
وَأَمَّا الْحِكْمَةُ , فَمَا أَوْحَى إِلَيْهِمْ مِمَّا لَمْ يَكُنْ كِتَابًا مَقْرُوءًا.
﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 54] وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمُلْكِ الْعَظِيمِ الَّذِي عَنَاهُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ النُّبُوَّةُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , عَنْ عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: 54] قَالَ: "
يَهُودُ ﴿عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54] فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَلَيْسُوا مِنْهُمْ وَالْحِكْمَةَ ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 54] قَالَ: «النُّبُوَّةُ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: ﴿مُلْكًا﴾ [البقرة: 246] : النُّبُوَّةُ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ تَحْلِيلُ النِّسَاءِ؛ قَالُوا: وَإِنَّمَا عَنَى اللَّهُ بِذَلِكَ: أَمْ يَحْسُدُونَ مُحَمَّدًا عَلَى مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ مِنَ النِّسَاءِ , فَقَدْ أَحَلَّ اللَّهُ مِثْلَ الَّذِي أَحَلَّهُ لَهُ مِنْهُنَّ لِدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ , فَكَيْفَ لَمْ يَحْسُدُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَحَسَدُوا مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؟
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النساء: 54] سُلَيْمَانَ وَدَاوُدَ ﴿الْحِكْمَةَ﴾ [النساء: 54] يَعْنِي: " النُّبُوَّةَ.
﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 54] فِي النِّسَاءِ , فَمَا بَالُهُ حَلَّ لِأُولَئِكَ وَهُمْ أَنْبِيَاءُ أَنْ يَنْكِحَ دَاوُدُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ امْرَأَةً , وَيَنْكِحَ سُلَيْمَانُ مِائَةً , وَلَا يَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ أَنْ يَنْكِحَ كَمَا نَكَحُوا وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 54] الَّذِي آتَى سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ "
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 54] يَعْنِي: «مُلْكَ سُلَيْمَانَ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانُوا أُيِّدُوا بِالْمَلَائِكَةِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ الْغِفَارِيُّ , قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ , قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 54] قَالَ: «أُيِّدُوا بِالْمَلَائِكَةِ وَالْجُنُودِ» وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ الْآيِ , وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 54] الْقَوْلُ الَّذِي
رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: يَعْنِي: مُلْكَ سُلَيْمَانَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ , دُونَ الَّذِي قَالَ: إِنَّهُ مُلْكُ النُّبُوَّةِ , وَدُونَ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ تَحْلِيلُ النِّسَاءِ وَالْمُلْكِ عَلَيْهِنَّ.
لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ الَّذِي خُوطِبَ بِهِ الْعَرَبُ غَيْرُ جَائِزٍ تَوْجِيهُهُ إِلَّا إِلَى الْمَعْرُوفِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِمْ مِنْ مَعَانِيهِ , إِلَّا أَنْ تَأْتِيَ دَلَالَةٌ أَوْ تَقُومَ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ بِخِلَافِ ذَلِكَ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 55] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَمِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلِ الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: 47] , ﴿مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ [النساء: 55] يَقُولُ: "
مَنْ صَدَّقَ بِمَا أَنْزَلْنَا عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ [النساء: 55] وَمِنْهُمْ مَنْ أَعْرَضَ عَنِ التَّصْدِيقِ بِهِ، كَمَا:
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , عَنْ عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ [النساء: 55] قَالَ: " بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ مِنْ يَهُودَ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ [النساء: 55] "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , مِثْلَهُ
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ صَدُّوا عَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا حَوَالَيْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا رُفِعَ عَنْهُمْ وَعِيدُ اللَّهِ الَّذِي تَوَعَّدَهُمْ بِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: 47] : فِي الدُّنْيَا , وَأُخِّرَتْ عُقُوبَتُهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ , لِإِيمَانِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ.
وَإِنَّ الْوَعِيدَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ بِتَعْجِيلِ الْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا إِنَّمَا كَانَ عَلَى مَقَامِ جَمِيعِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ بِمَا أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا آمَنَ بَعْضُهُمْ خَرَجُوا مِنَ الْوَعِيدِ الَّذِي تَوَعَّدَهُ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا , وَأُخِّرَتْ عُقُوبَةُ الْمُقِيمِينَ عَلَى التَّكْذِيبِ إِلَى الْآخِرَةِ , فَقَالَ لَهُمْ: كَفَاكُمْ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا.
وَيَعْنِي قَوْلُهُ: ﴿وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 55] وَحَسْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُكَذِّبُونَ بِمَا أَنْزَلْتُ عَلَى مُحَمَّدٍ نَبِيِّي وَرَسُولِي بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا , يَعْنِي: بِنَارِ جَهَنَّمَ تُسَعَّرُ عَلَيْكُمْ: أَيْ تُوقَدُ عَلَيْكُمْ.
وَقِيلَ: ﴿سَعِيرًا﴾ [النساء: 10] أَصْلُهُ مَسْعُورًا , مِنْ سُعِّرَتْ تُسَعَّرُ فَهِيَ مَسْعُورَةٌ , كَمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ﴾ [التكوير: 12] وَلَكِنَّهَا صُرِفَتْ إِلَى فَعِيلٍ , كَمَا قِيلَ: كَفٌّ خَضِيبٌ وَلِحْيَةٌ دَهِينٌ , بِمَعْنَى مَخْضُوبَةٌ وَمَدْهُونَةٌ , وَالسَّعِيرُ: الْوَقُودُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 56]
هَذَا وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلَّذِينَ أَقَامُوا عَلَى تَكْذِيبِهِمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ سَائِرِ الْكُفَّارِ بِرَسُولِهِ.
يَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ: إِنَّ الَّذِينَ جَحَدُوا مَا أَنْزَلْتُ عَلَى رَسُولِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ آيَاتِي , يَعْنِي مِنْ آيَاتِ تَنْزِيلِهِ وَوَحْيِ كِتَابِهِ , وَهِيَ دَلَالَاتُهُ وَحُجَجُهُ عَلَى صِدْقِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمْ يُصَدِّقُوا بِهِ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ سَائِرِ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا﴾ [النساء: 56] يَقُولُ: " سَوْفَ نُنْضِجُهُمْ فِي نَارٍ يُصْلَوْنَ فِيهَا: أَيْ يُشْوَوْنَ فِيهَا ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ [النساء: 56] يَقُولُ: كُلَّمَا انْشَوَتْ بِهَا جُلُودُهُمْ فَاحْتَرَقَتْ ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: 56] يَعْنِي: غَيْرَ الْجُلُودِ الَّتِي قَدْ نَضِجَتْ فَانْشَوَتْ.
كَمَا:
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا جَرِيرٌ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ ثُوَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: 56] قَالَ: «إِذَا احْتَرَقَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا بِيضًا أَمْثَالَ الْقَرَاطِيسِ»
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: 56] يَقُولُ: «كُلَّمَا احْتَرَقِتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ الرَّبِيعِ , فِي قَوْلِهِ: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ [النساء: 56] قَالَ: «سَمِعْنَا أَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ أَنَّ جِلْدَ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا , وَسِنُّهُ سَبْعُونَ ذِرَاعًا , وَبَطْنُهُ لَوْ وُضِعَ فِيهِ جَبَلٌ لَوَسِعَهُ , فَإِذَا أَكَلَتِ النَّارُ جُلُودَهُمْ بُدِّلُوا جُلُودًا غَيْرَهَا»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ , قَالَ: بَلَغَنِي عَنِ الْحَسَنِ: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: 56] قَالَ: «نُنْضِجُهُمْ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَرَّةِ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثنا أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ , عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ , عَنِ الْحَسَنِ قَوْلُهُ: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: 56] قَالَ: «تُنْضِجُ النَّارُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ أَلْفَ جِلْدٍ , وَغِلَظُ جِلْدِ الْكَافِرِ أَرْبَعُونَ ذِرَاعًا , وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَيِّ ذِرَاعٍ» فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ , فَقَالَ: وَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: 56] وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُبَدَّلُوا جُلُودًا غَيْرَ جُلُودِهِمُ الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا , فَيُعَذَّبُوا فِيهَا؟ فَإِنْ جَازَ ذَلِكَ عِنْدَكَ , فَأَجِزْ أَنْ يُبَدَّلُوا أَجْسَامًا وَأَرْوَاحًا غَيْرَ أَجْسَامِهِمْ وَأَرْوَاحِهِمُ الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا فَتُعَذَّبَ.
وَإِنْ أَجَزْتَ ذَلِكَ لَزِمَكَ أَنْ يَكُونَ الْمُعَذَّبُونَ فِي الْآخِرَةِ بِالنَّارِ غَيْرَ الَّذِينَ أَوْعَدَهُمُ اللَّهُ الْعِقَابَ عَلَى كُفْرِهِمْ بِهِ وَمَعْصِيَتِهِمْ إِيَّاهُ , وَأَنْ يَكُونَ الْكُفَّارُ قَدِ ارْتَفَعَ عَنْهُمُ الْعَذَابُ.
قِيلَ: إِنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْعَذَابُ إِنَّمَا يَصِلُ إِلَى الْأَنْسَانِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ , وَإِنَّمَا يُحْرَقُ الْجِلْدُ لِيَصِلَ إِلَى الْإِنْسَانِ أَلَمُ الْعَذَابِ , وَأَمَّا الْجِلْدُ وَاللَّحْمُ فَلَا يَأْلَمَانِ.
قَالُوا: فَسَوَاءٌ أُعِيدَ عَلَى الْكَافِرِ جِلْدُهُ الَّذِي كَانَ لَهُ فِي الدُّنْيَا , أَوْ جِلْدُ غَيْرِهِ , إِذْ كَانَتِ الْجُلُودُ غَيْرَ آلِمَةٍ وَلَا مُعَذَّبَةٍ , وَإِنَّمَا الْأَلِمَةُ الْمُعَذَّبَةُ النَّفْسُ الَّتِي تُحِسُّ الْآلَمَ , وَيَصِلُ إِلَيْهَا الْوَجَعُ.
قَالُوا: وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَغَيْرُ مُسْتَحِيلٍ أَنْ يَخْلُقَ لِكُلٍّ كَافِرٍ فِي النَّارِ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ وَسَاعَةٍ مِنَ الْجُلُودِ مَا لَا يُحْصَى عَدَدُهُ , وَيُحْرِقَ ذَلِكَ عَلَيْهِ , لِيَصِلَ إِلَى نَفْسِهِ أَلَمُ الْعَذَابِ , إِذْ كَانَتِ الْجُلُودُ لَا تَأْلَمُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْجُلُودُ تَأْلَمُ , وَاللَّحْمُ وَسَائِرُ أَجْزَاءِ جِسْمِ بَنِي آدَمَ , وَإِذَا أُحْرِقَ جِلْدُهُ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ أَجْزَاءِ جَسَدِهِ , وَصَلَ أَلَمُ ذَلِكَ إِلَى جَمِيعِهِ.
قَالُوا: وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: 56] بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَ مُحْتَرِقَةٍ , وَذَلِكَ أَنَّهَا تُعَادُ جَدِيدَةً , وَالْأُولَى كَانَتْ قَدِ احْتَرَقِتْ فَأُعِيدَتْ غَيْرَ مُحْتَرِقَةٍ , فَلِذَلِكَ قِيلَ غَيْرُهَا , لِأَنَّهَا غَيْرُ الْجُلُودِ الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا الَّتِي عَصَوُا اللَّهَ وَهِيَ لَهُمْ.
قَالُوا: وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ الْعَرَبِ لِلصَّائِغِ إِذَا اسْتَصَاغَتْهُ خَاتَمًا مِنْ خَاتَمٍ مَصُوغٍ , بِتَحْوِيلِهِ عَنْ صِيَاغَتِهِ الَّتِي هُوَ بِهَا إِلَى صِيَاغَةٍ أُخْرَى: صِغْ لِي مِنْ هَذَا الْخَاتَمِ خَاتَمًا غَيْرَهُ.
فيَكْسِرُهُ وَيَصُوغُ لَهُ مِنْهُ خَاتَمًا غَيْرَهُ وَالْخَاتَمُ الْمَصُوغُ بِالصِّيَاغَةِ الثَّانِيَةِ هُوَ الْأَوَّلُ , وَلَكِنَّهُ لَمَّا أُعِيدَ بَعْدَ كَسْرِهِ خَاتَمًا قِيلَ هُوَ غَيْرُهُ.
قَالُوا: فَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: 56] لَمَّا احْتَرَقِتِ الْجُلُودُ ثُمَّ أُعِيدَتْ جَدِيدَةً بَعْدَ الِاحْتِرَاقِ , قِيلَ هِيَ غَيْرُهَا عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ [النساء: 56] سَرَابِيلُهُمْ , بَدَّلْنَاهُمْ سَرَابِيلَ مِنْ قَطِرَانِ غَيْرَهَا.
فجُعِلَتِ السَّرَابِيلُ الْقَطِرَانُ لَهُمْ جُلُودًا , كَمَا يُقَالَ لِلشَّيْءِ الْخَاصِّ بِالْإِنْسَانِ: هُوَ جَلْدَةُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَوَجْهِهِ لِخُصُوصِهِ بِهِ.
قَالُوا: فَكَذَلِكَ سَرَابِيلُ الْقَطِرَانِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: 50] لَمَّا صَارَتْ لَهُمْ لِبَاسًا لَا تُفَارِقُ أَجْسَامَهُمْ جُعِلَتْ لَهُمْ جُلُودًا , فَقِيلَ: كُلَّمَا اشْتَعَلَ الْقَطِرَانُ فِي أَجْسَامِهِمْ وَاحْتَرَقَ بُدِّلُوا سَرَابِيلَ مِنْ قَطْرَانٍ آخَرَ.
قَالُوا: وَأَمَّا جُلُودُ أَهْلِ الْكُفْرِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَإِنَّهَا لَا تُحْرَقُ , لِأَنَّ فِي احْتِرَاقِهَا إِلَى حَالِ إِعَادَتِهَا فَنَاءَهَا , وَفِي فَنَائِهَا رَاحَتُهَا.
قَالُوا: وَقَدْ أَخْبَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْهَا أَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا.
قَالُوا: وَجُلُودُ الْكُفَّارِ أَحَدُ أَجْزَاءِ أَجْسَامِهِمْ , وَلَوْ جَازَ أَنْ يَحْتَرِقَ مِنْهَا شَيْءٌ فَيَفْنَى ثُمَّ يُعَادُ بَعْدَ الْفِنَاءِ فِي النَّارِ ,
جَازَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ أَجْزَائِهَا , وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ جَائِزًا عَلَيْهِمُ الْفِنَاءُ ثُمَّ الْإِعَادَةُ وَالْمَوْتُ ثُمَّ الْإِحْيَاءُ , وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ.
قَالُوا: وَفِي خَبَرِهِ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ أَنَّهُ لَا يَمُوتُ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ أَجْسَامِهِمْ , وَالْجُلُودُ أَحَدُ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ.
وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: 56] فَإِنَّهُ يَقُولُ: فَعَلْنَا ذَلِكَ بِهِمْ لِيَجِدُوا أَلَمَ الْعَذَابِ وَكَرْبِهِ وَشِدَّتِهِ بِمَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا يُكَذِّبُونَ آيَاتِ اللَّهِ وَيَجْحَدُونَهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 56] يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ عَزِيزًا فِي انْتِقَامِهِ مِمَّنِ انْتَقَمَ مِنْهُ مِنْ خَلْقِهِ , لَا يَقْدِرُ عَلَى الامْتِنَاعِ مِنْهُ أَحَدٌ أَرَادَهُ بِضُرٍّ , وَلَا الِانْتِصَارِ مِنْهُ أَحَدٌ أَحَلَّ بِهِ عُقُوبَةً , حَكِيمًا فِي تَدْبِيرِهِ وَقَضَائِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: 57] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: 82] وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
, وَصَدَّقُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلِ وَسَائِرِ الْأُمَمِ غَيْرِهِمْ ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: 25] يَقُولُ: " وَأَدَّوْا مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ فَرَائِضِهِ , وَاجْتَنَبُوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ مَعَاصِيهِ , وَذَلِكَ هُوَ الصَّالِحُ مِنْ أَعْمَالِهِمْ ﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [النساء: 57] يَقُولُ: سَوْفَ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَنَّاتٍ، يَعْنِي: بَسَاتِينَ {تَجْرِي
مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [البقرة: 25] يَقُولُ: " تَجْرِي مِنْ تَحْتِ تِلْكَ الْجَنَّاتِ الْأَنْهَارُ.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: 57] يَقُولُ: " بَاقِينَ فِيهَا أَبَدًا بِغَيْرِ نِهَايَةٍ وَلَا انْقِطَاعٍ , دَائِمٌ ذَلِكَ لَهُمْ فِيهَا أَبَدًا.
﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ﴾ [النساء: 57] يَقُولُ: لَهُمْ فِي تِلْكَ الْجَنَّاتِ الَّتِي وَصَفَ صِفَتَهَا ﴿أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: 25] يَعْنِي: بَرِيئَاتٌ مِنَ الْأَدْنَاسِ وَالرِّيَبِ الْحَيْضِ وَالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالْحَبَلِ وَالْبُصَاقِ , وَسَائِرِ مَا يَكُونُ فِي نِسَاءِ أَهْلِ الدُّنْيَا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْآثَارِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ , وَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: 57] فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا كَنِينًا , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: 30] وَكَمَا:
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ , وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَا جَمِيعًا: ثنا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الضَّحَّاكِ , يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا , شَجَرَةُ الْخُلْدِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: 58] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَةِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهَا: وُلَاةُ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ , قَالَ: ثنا أَبُو أُسَامَةَ , عَنْ أَبِي مَكِينٍ , عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ , قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] فِي وُلَاةِ الْأَمْرِ "
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ , قَالَ: ثنا لَيْثٌ , عَنْ شَهْرٍ , قَالَ: نَزَلَتْ فِي الْأَمَرَاءِ خَاصَّةً ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58] "
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ , قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ , عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ , قَالَ: قَالَ عَلِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «كَلِمَاتٌ أَصَابَ فِيهِنَّ حَقٌّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ , وَأَنْ يُؤَدِّيَ الْأَمَانَةَ , وَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَحَقٌّ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَسْمَعُوا وَأَنْ يُطِيعُوا وَأَنْ يُجِيبُوا إِذَا دُعُوا» حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: ثنا جَابِرُ بْنُ نُوحٍ قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ , عَنْ عَلِيٍّ بِنَحْوِهِ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيُّ , قَالَ: ثنا مُوسَى بْنُ عُمَيْرٍ , عَنْ مَكْحُولٍ , فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59] قَالَ: " هُمْ أَهْلُ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ؛ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ زَيْدٍ , قَالَ: قَالَ أَبِي: هُمُ الْوُلَاةُ , أَمَرَهُمْ أَنْ يُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا " وَقَالَ آخَرُونَ: أُمِرَ السُّلْطَانُ بِذَلِكَ أَنْ يُعْطُوا النَّاسَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] قَالَ: " يَعْنِي: السُّلْطَانُ يُعْطُونَ النَّاسَ " وَقَالَ آخَرُونَ: الَّذِي خُوطِبَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَفَاتِيحِ الْكَعْبَةِ أُمِرَ بِرَدِّهَا عَلَى عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] قَالَ: " نَزَلَتْ فِي
عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , قَبَضَ مِنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَفَاتِيحَ الْكَعْبَةِ , وَدَخَلَ بِهَا الْبَيْتَ يَوْمَ الْفَتْحِ , فَخَرَجَ وَهُوَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ , فَدَعَا عُثْمَانَ فَدَفَعَ إِلَيْهِ الْمِفْتَاحَ.
قَالَ: وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ: فِدَاؤُهُ أَبِي وَأُمِّي , مَا سَمِعْتُهُ يَتْلُوهَا قَبْلَ ذَلِكَ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثنا الزَّنْجِيُّ بْنُ خَالِدٍ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , قَالَ: " دَفَعَهُ إِلَيْهِ وَقَالَ: أَعِينُوهُ " وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ: هُوَ خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ إِلَى وُلَاةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ بِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ إِلَى مَنْ وُلُّوا فِي فَيْئِهِمْ وَحُقُوقِهِمْ , وَمَا ائْتُمِنُوا عَلَيْهِ مِنْ أُمُورِهِمْ بِالْعَدْلِ بَيْنَهُمْ فِي الْقَضِيَّةِ.
وَالْقَسْمِ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ , يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا وَعَظَ بِهِ الرَّعِيَّةَ فِي: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59] فَأَمَرَهُمْ بِطَاعَتِهِمْ , وَأَوْصَى الرَّاعِي بِالرَّعِيَّةِ , وَأَوْصَى الرَّعِيَّةَ بِالطَّاعَةِ.
كَمَا:
حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59] قَالَ: " قَالَ أَبِي: هُمُ السَّلَاطِينُ.
وَقَرَأَ ابْنُ زَيْدٍ: {تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ