وَقَوْلُهُ: ﴿أَصَلَاتُكَ﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَإِنْجَائِهِ الْمُصَدِّقَ بِهِ.
﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [هود: 110] يَقُولُ: وَإِنَّ الْمُكَذِّبِينَ بِهِ مِنْهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْ حَقِيقَتِهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُرِيبٍ، يَقُولُ: يُرِيبُهُمْ فَلَا يَدْرُونَ أَحَقٌّ هُوَ أَمْ بَاطِلٌ، وَلَكِنَّهُمْ فِيهِ مُمْتَرُونَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [هود: 111] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ: ﴿وَإِنَّ﴾ [البقرة: 23] مُشَدَّدَةً ﴿كُلًّا لَمَّا﴾ [هود: 111] مُشَدَّدَةً.
وَاخْتَلَفَتْ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ: مَعْنَاهُ إِذَا قُرِئَ
كَذَلِكَ وَإِنَّ كُلًّا لَمِمَّا لِيُوَفِّيهِمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ، وَلَكِنْ لَمَّا اجْتَمَعَتِ الْمِيمَاتُ حُذِفَتْ وَاحِدَةٌ فَبَقِيَتْ ثِنْتَانِ، فَأُدْغِمَتْ وَاحِدَةٌ فِي الْأُخْرَى، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الطويل] وَإِنِّيَ لَمَّا أُصْدِرُ الْأَمْرَ وَجْهَهُ ... إِذَا هُوَ أَعْيَا بِالنَّبِيلِ مَصَادِرُهُ ثُمَّ تُخَفَّفُ، كَمَا قَرَأَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ: «وَالْبَغْي يَّعِظُكُمْ» يُخَفِّفُ الْيَاءَ مَعَ الْيَاءِ، وَذُكِرَ أَنَّ الْكَسَائِيَّ أَنْشَدَهُ: [البحر الكامل]
وَأَشْمَتَّ الْعُدَاةَ بِنَا فَأَضْحَوْا ... لَدَيْ يَتَبَاشَرُونَ بِمَا لَقَيْنَا
وَقَالَ: يُرِيدُ: لَدَيَّ يَتَبَاشَرُونَ بِمَا لَقِيَنَا، فَحَذَفَ «يَاءً» لِحَرَكَتِهِنَّ وَاجْتِمَاعِهِّنَّ؛ قَالَ: وَمِثْلُهُ:
[البحر الرجز]
كَانَ مِنْ آخِرِهَا إِلْقَادِمِ مَخْرِمَ نَجْدٍ فَارِعِ الْمَخَارِمِ وَقَالَ: أَرَادَ إِلَى الْقَادِمِ، فَحَذَفَ الْلَّامَ عِنْدَ الْلَّامِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ: ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾ [هود: 111] شَدِيدًا وَحَقًّا لَيُوَفِّيهِمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ.
قَالَ: وَإِنَّمَا يُرَادُ إِذَا قُرِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾ [هود: 111] بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّنْوِينِ، وَلَكِنَّ قَارِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَذَفَ مِنْهُ التَّنْوِينَ، فَأَخْرَجَهُ عَلَى لَفْظِ «فَعَلَى» لَمَّا كَمَا فَعَلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ فَقَرَأَ «تَتْرَى» بَعْضُهُمْ بِالتَّنْوِينِ، كَمَا قَرَأَ مَنْ قَرَأَ: «لَمَّا» بِالتَّنْوِينِ، وَقَرَأَ آخَرُونَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، كَمَا قَرَأَ ﴿لَمَّا﴾ [البقرة: 41] بِغَيْرِ تَنْوِينٍ مَنْ قَرَأَهُ، وَقَالُوا: أَصْلُهُ مِنَ الْلَّمِّ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمَّا﴾ [الفجر: 19] يَعْنِي أَكْلًا شَدِيدًا.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ: وَإِنْ كَلَّا إِلَّا لَيُوَفِيَنَّهُمْ، كَمَا
يَقُولُ الْقَائِلُ: لَقَدْ قُمْتَ عَنَّا، وَبِاللَّهِ إِلَّا قُمْتَ عَنَّا.
وَوَجَدْتُ عَامَّةَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ يُنْكِرُونَ هَذَا الْقَوْلَ، وَيَأْبُونَ أَنْ يَكُونَ جَائِزًا تَوْجِيهُ «لَمَّا» إِلَى مَعْنَى «إِلَّا» فِي الْيَمِينِ خَاصَّةً؛ وَقَالُوا: لَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِمَعْنَى إِلَّا جَازَ أَنْ يُقَالَ: قَامَ الْقَوْمُ لَمَّا أَخَاكَ، بِمَعْنَى: إِلَّا أَخَاكَ، وَدُخُولُهَا فِي كُلِّ مَوْضِعٍ صُلُحَ دُخُولُ إِلَّا فِيهِ.
وَأَنَا أَرَى أَنَّ ذَلِكَ فَاسِدٌ مِنْ وَجْهٍ هُوَ أَبْيَنُ مِمَّا قَالَهُ الَّذِينَ حَكَيْنَا قَوْلَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ إِنَّ فِي فَسَادِهِ، وَهُوَ أَنَّ «إِنَّ» إِثْبَاتٌ لِلشَّيْءِ وَتَحْقِيقٌ لَهُ، «وَإِلَّا» أَيْضًا تَحْقِيقٌ أَيْضًا، وَإِنَّمَا تَدْخُلُ نَقْضًا لِجَحْدٍ قَدْ تَقَدَّمَهَا.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهَا فَوَاجِبٌ أَنْ تَكُونَ عِنْدَ مُتَأَوِّلِهَا التَّأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْهُ، أَنْ تَكُونَ بِمَعْنَى الْجَحْدِ عِنْدَهُ، حَتَّى تَكُونَ إِلَّا نَقْضًا لَهَا.
وَذَلِكَ إِنْ قَالَهُ قَائِلٌ، قَوْلٌ لَا يَخْفَى جَهْلُ قَائِلِهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُخَفِّفَ قَارِئٌ «إِنَّ» فَيَجْعَلَهَا بِمَعْنَى «إِنْ» الَّتِي تَكُونُ بِمَعْنَى الْجَحْدِ.
وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَسَدَتْ قِرَاءَتُهُ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ يَصِيرُ حِينَئِذٍ نَاصِبًا لِ «كُلٍّ» بِقَوْلِهِ: لِيُوَفِّيَنَّهُمْ، وَلَيْسَ فِي الْعَرَبِيَّةِ أَنْ يُنْصُبَ مَا بَعْدَ «إِلَّا» مِنَ الْفِعْلِ الِاسْمَ الَّذِي قَبْلَهَا، لَا تَقُولُ الْعَرَبُ: مَا زَيْدًا إِلَّا ضَرَبْتُ،
فَيَفْسَدُ ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ إِلَّا أَنْ يَرْفَعَ رَافِعَ الْكَلِّ، فَيُخَالِفُ بِقِرَاءَتِهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ قِرَاءَةَ الْقُرَّاءِ، وَخَطَّ مَصَاحِفِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ مِنَ الْعَيْبِ بِخُرُوجِهِ مِنْ مَعْرُوفِ كَلَامِ الْعَرَبِ.
وَقَدْ قَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: «وَإِنْ كُلًّا» بِتَخْفِيفِ «إِنْ» وَنَصْبِ «كُلًّا» ﴿لَمَّا﴾ [البقرة: 41] مُشَدَّدَةٌ.
وَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ قَارِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَرَادَ «إِنَّ» الثَّقِيلَةَ فَخَفَّفَهَا.
وَذَكَرَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ: كَأَنْ ثَدْيَيْهِ حُقَّانٍ، فَنُصِبَ بِ «كَأَنْ» ، وَالنُّونُ مُخَفَّفَةً مِنْ «كَأَنْ» ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الهزج]
وَوَجْهٌ مُشْرِقُ النَّحْرِ ... كَأَنْ ثَدْيَيْهِ حُقَّانِ
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمَدَنِيِّينَ بِتَخْفِيفِ «إِنَّ» وَنَصْبِ «كُلًّا» ، وَتَخْفِيفِ «لَمَّا» . وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَارِئُ ذَلِكَ كَذَلِكَ قَصَدَ الْمَعْنَى الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنْ قَارِئِ الْكُوفَةِ مِنْ تَخْفِيفِهِ نُونَ «إِنَّ» وَهُوَ يُرِيدُ تَشْدِيدَهَا، وَيُرِيدُ بِمَا الَّتِي فِي «لَمَّا» الَّتِي تَدْخُلُ فِي الْكَلَامِ صِلَةً، وَأَنْ يَكُونَ قَصَدَ إِلَى تَحْمِيلِ الْكَلَامِ مَعْنَى: وَإِنْ كُلًّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ؛
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ كَانَ فِي قِرَاءَتِهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ: وَإِنْ كُلًّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ أَيْ لَيُوَفِّيَنَّ كُلًّا، فَيَكُونُ نِيَّتُهُ فِي نَصْبِ «كُلٍّ» كَانَتْ بِقَوْلِهِ: «لَيُوَفِّيَنَّهُمْ» ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَرَادَ فَفِيهِ مِنَ الْقُبْحِ مَا ذَكَرْتُ مِنْ خِلَافِهِ كَلَامَ الْعَرَبِ، وَذَلِكَ أَنَّهَا لَا تَنْصِبُ بِفِعْلٍ بَعْدَ لَامِ الْيَمِينِ اسْمًا قَبْلَهَا.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ: «وَإِنَّ» مُشَدَّدَةٌ «كُلًّا لَمَا» مُخَفَّفَةٌ ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ [هود: 111] وَلِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ وَجْهَانِ مِنَ الْمَعْنَى: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَارِئُهَا أَرَادَ: وَإِنَّ كُلًّا لَمَنْ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ، فَيُوَجِّهُ «مَا» الَّتِي فِي «لَمَّا» إِلَى مَعْنَى «مَنْ» كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ لَهَا فِي غَيْرِ بَنِي آدَمَ، وَيَنْوِي بِالْلَّامِ الَّتِي فِي «لَمَّا» الْلَّامَ الَّتِي يُتَلَقَّى بِهَا «وَإِنَّ» جَوَابًا لَهَا، وَبِالْلَّامِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ [هود: 111] لَامَ الْيَمِينِ دَخَلَتْ فِيمَا بَيْنَ مَا وَصِلَتِهَا، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: 72] وَكَمَا يُقَالُ هَذَا مَا لِغَيْرِهِ أَفْضَلُ مِنْهُ.
وَالْوَجْهُ الْآخَرِ: أَنْ يَجْعَلَ «مَا» الَّتِي فِي «لَمَّا» بِمَعْنَى «مَا» الَّتِي تَدْخُلُ صِلَةً فِي الْكَلَامِ، وَاللَّامُ الَّتِي فِيهَا، الْلَّامُ الَّتِي يُجَابُ بِهَا، وَاللَّامُ الَّتِي فِي: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ [هود: 111] هِيَ أَيْضًا الْلَّامُ الَّتِي يُجَابُ بِهَا «إِنَّ» كُرِّرَتْ وَأُعِيدَتْ، إِذَا كَانَ ذَلِكَ مَوْضِعَهَا، وَكَانَتِ الْأُولَى مِمَّا تُدْخِلُهَا الْعَرَبُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا، ثُمَّ تُعِيدُهَا بَعْدُ فِي مَوْضِعِهَا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
فَلَوْ أَنَّ قَوْمِي لَمْ يَكُونُوا أَعِزَّةً ... لَبَعْدُ لَقَدْ لَاقَيْتُ لَا بُدَّ مَصْرَعَا
وَقَرَأَ ذَلِكَ الزُّهْرِيُّ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ: ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾ [هود: 111] بِتَشْدِيدِ إِنَّ وَلَمًّا بِتَنْوِينِهَا، بِمَعْنَى: شَدِيدًا وَحَقًّا وَجَمِيعًا.
وَأَصَحُّ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ مُخَرَّجًا عَلَى كَلَامِ الْعَرَبِ الْمُسْتَفِيضِ فِيهِمْ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: «وَإِنَّ» بِتَشْدِيدِ نُونِهَا، «كُلًّا لَمَّا» بِتَخْفِيفِ مَا ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ﴾ [هود: 111] بِمَعْنَى: وَإِنَّ كُلَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَصَصْنَا عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ قَصَصَهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، لَمَنْ لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ بِالصَّالِحِ مِنْهَا، بِالْجَزِيلِ مِنَ الثَّوَابِ، وَبِالطَّالِحِ مِنْهَا بِالشَّدِيدِ مِنَ الْعِقَابِ، فَتَكُونُ «مَا» بِمَعْنَى «مَنْ» وَاللَّامُ الَّتِي فِيهَا جَوَابًا لِأَنَّ، وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ [هود: 111] لَامُ قَسَمٍ
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [هود: 111] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ رَبَّكَ بِمَا يَعْمَلُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ مِنْ قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ، خَبِيرٌ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ عمَلِهِمْ بَلْ يَخْبُرُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيَعْلَمُهُ وَيُحِيطُ بِهِ حَتَّى يُجَازِيَهُمْ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ جَزَاءَهُمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: 112] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَاسْتَقِمْ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ عَلَى أَمْرِ رَبِّكَ وَالدِّينِ الَّذِي ابْتَعَثَكَ بِهِ وَالدُّعَاءِ إِلَيْهِ، كَمَا أَمَرَكَ رَبُّكَ.
﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ [هود: 112] يَقُولُ: وَمَنْ رَجَعَ مَعَكَ إِلَى
طَاعَةِ اللَّهِ، وَالْعَمَلِ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ مِنْ بَعْدِ كُفْرِهِ
﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾ [هود: 112] يَقُولُ: وَلَا تَعْدُوا أَمْرَهُ إِلَى مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ.
﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: 112] يَقُولُ: إِنَّ رَبَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ بِمَا تَعْمَلُونَ مِنَ الْأَعْمَالِ كُلِّهَا طَاعَتِهَا وَمَعْصِيَتِهَا بَصِيرٌ ذُوعِلْمٍ بِهَا، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ، وَهُوَ لِجَمِيعِهَا مُبْصِرٌ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ أَنْ يَطْلُعَ عَلَيْكُمْ رَبُّكُمْ وَأَنْتُمْ عَامِلُونَ بِخِلَافِ أَمْرِهِ، فَإِنَّهُ ذُو عِلْمٍ بِمَا تَعْمَلُونَ، وَهُوَ لَكُمْ بِالْمِرْصَادِ وَكَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَقُولُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: 112] مَا:
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ سُفْيَانَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: 112] قَالَ: اسْتَقِمْ عَلَى الْقُرْآنِ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾ [هود: 112] قَالَ: الطُّغْيَانُ: خِلَافُ اللَّهِ وَرُكُوبُ مَعْصِيَتِهِ ذَلِكَ الطُّغْيَانُ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: 113] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَا تَمِيلُوا أَيُّهَا النَّاسُ إِلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ، فَتَقْبَلُوا مِنْهُمْ وَتَرْضَوْا أَعْمَالَهُمْ، فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ بِفِعْلِكُمْ ذَلِكَ، وَمَا لَكُمْ مِنْ
دُونِ اللَّهِ مِنْ نَاصِرٍ يَنْصُرُكُمْ وَوَلِيٍّ يَلِيُكُمْ.
﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: 113] يَقُولُ: فَإِنَّكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ لَمْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ، بَلْ يُخَلِّيكُمْ مِنْ نُصْرَتِهِ وَيُسَلِّطُ عَلَيْكُمْ عَدُوَّكُمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثَنَا مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113] يَعْنِي: الرُّكُونُ إِلَى الشِّرْكِ "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، " ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: 113] يَقُولُ: لَا تَرْضَوْا أَعْمَالَهُمْ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: " ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: 113] يَقُولُ: لَا تَرْضَوْا أَعْمَالَهُمْ، يَقُولُ: الرُّكُونُ الرِّضَا "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: 113] قَالَ: لَا تَرْضَوْا أَعْمَالَهُمْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، " ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: 113] قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَا تَمِيلُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113] يَقُولُ: لَا تَلْحَقُوا بِالشِّرْكِ، وَهُوَ الَّذِي خَرَجْتُمْ مِنْهُ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113] قَالَ: الرُّكُونُ: الْإِدْهَانُ.
وَقَرَأَ: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: 9] قَالَ: تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ، وَلَا تُنْكِرْ عَلَيْهِمُ الَّذِي قَالُوا: وَقَدْ قَالُوا الْعَظِيمَ مِنْ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ وَكِتَابِهِ وَرُسُلِهِ.
قَالَ: وَإِنَّمَا هَذَا لِأَهْلِ الْكُفْرِ وَأَهْلِ الشِّرْكِ، وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ، أَمَا أَهْلُ الذُّنُوبِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِذُنُوبِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ، مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُصَالِحَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ، وَلَا يَرْكَنُ إِلَيْهِ فِيهَا "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: 114] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ يَا مُحَمَّدُ، يَعْنِي صَلِّ طَرَفَيِ النَّهَارِ، يَعْنِي الْغَدَاةَ وَالْعَشِيِّ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّتِي عَنِيَتْ
بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْ صَلَوَاتِ الْعَشِيِّ بَعْدَ
إِجْمَاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَى أَنَّ الَّتِي عَنِيَتْ مِنْ صَلَاةِ الْغَدِ: الْفَجْرَ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: عَنِيَتْ بِذَلِكَ صَلَاةَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، قَالُوا: وَهُمَا مِنْ صَلَاةِ الْعَشِيِّ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثَنَا وَكِيعٌ، وحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: 114] قَالَ: الْفَجْرَ، وَصَلَاتَيِ الْعَشِيِّ، يَعْنِي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: 114] قَالَ: صَلَاةُ الْفَجْرِ، وَصَلَاةُ الْعَشِيِّ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ أَفْلَحَ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ، يَقُولُ: " ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: 114] قَالَ: فَطَرَفَا النَّهَارِ: الْفَجْرِ وَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ "
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ: " ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: 114] قَالَ: الْفَجْرُ وَالظُّهْرُ وَالْعَصْرُ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِهَا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: 114] يَقُولُ: صَلَاةُ الْغَدَاةِ وَصَلَاةُ الْمَغْرِبِ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثَنَا يَحْيَى، عَنْ عَوْفٍ، عَنِ الْحَسَنِ، " ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: 114] قَالَ.
صَلَاةُ الْغَدَاةِ وَالْمَغْرِبِ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: 114] الصُّبْحَ، وَالْمَغْرِبَ " وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِهَا: صَلَاةَ الْعَصْرِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: 114] قَالَ: صَلَاةُ الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ "
قَالَ: ثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنْ أَفْلَحَ بْنِ سَعِيدٍ الْقُبَائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، " ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: 114] الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ "
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: ثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ﴾ [هود: 114] النَّهَارِ قَالَ: صَلَاةُ الصُّبْحِ وَصَلَاةُ الْعَصْرِ "
حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الصُّدَائِيُّ، قَالَ: ثَنَا أَبِي، قَالَ: ثَنَا مُبَارَكٌ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: " قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: 114] قَالَ: طَرَفَيِ النَّهَارِ: الْغَدَاةَ وَالْعَصْرَ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ " ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: 114] يَعْنِي صَلَاةَ الْعَصْرِ وَالصُّبْحِ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ: " ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: 114] الْغَدَاةَ وَالْعَصْرَ "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنْ أَفْلَحَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: " ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: 114] الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ "
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَامِرٍ، قَالَ: ثَنَا قُرَّةُ، عَنِ الْحَسَنِ: " ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: 114] قَالَ: الْغَدَاةَ وَالْعَصْرَ " وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ عَنَى بِطَرَفَي النَّهَارِ: الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ؛ وَبِقَوْلِهِ: ﴿زُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: 114] الْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ، وَالصُّبْحَ وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: هِيَ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ كَمَا ذَكَرْنَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ مِنْ ذَلِكَ صَلَاةُ الْفَجْرِ، وَهِيَ تُصَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ فَالْوَاجِبُ إِذْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ جَمِيعِهِمْ إِجْمَاعًا أَنْ تَكُونَ صَلَاةُ الطَّرَفِ الْآخَرِ الْمَغْرِبَ، لِأَنَّهَا تُصَلَّى بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِصَلَاةِ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِصَلَاةِ الطَّرَفِ الْآخَرِ بَعْدَ طُلُوعِهَا، وَذَلِكَ مَا لَا نَعْلَمُ قَائِلًا قَالَهُ إِلَّا مَنْ قَالَ: عَنَى بِذَلِكَ صَلَاةَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَذَلِكَ قَوْلٌ لَا
يُخِيلُ فَسَادُهُ، لِأَنَّهُمَا إِلَى أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا مِنْ صَلَاةِ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ أَقْرَبُ مِنْهُمَا إِلَى أَنْ يَكُونَا مِنْ صَلَاةِ طَرَفَيِ النَّهَارِ، وَذَلِكَ أَنَّ الظُّهْرَ لَا شَكَّ أَنَّهَا تُصَلَّى بَعْدَ مُضِيِّ نِصْفُ النَّهَارِ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْهُ، فَمُحَالُ أَنْ تَكُونَ مِنْ طَرَفِ النَّهَارِ الْأَوَّلِ، وَهِيَ فِي طَرْفِهِ الْآخَرِ.
فَإِذَا كَانَ لَا قَائِلَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: عَنَى بِصَلَاةِ طَرَفِ النَّهَارِ الْأَوَّلِ صَلَاةً بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ: عَنَى بِصَلَاةِ طَرَفِ النَّهَارِ الْآخِرِ صَلَاةً قَبْلَ غُرُوبِهَا.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ صَحَّ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ وَفَسَدَ مَا خَالَفَهُ