وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: 19] فَإِنَّهُ يَعْنِي: أَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ حَذَرِ الْمَوْتِ فِرَارًا مِنْهُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
كَمَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي
أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: " ﴿حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: 243] فِرَارًا مِنْ عَدُوِّهِمْ، حَتَّى ذَاقُوا الْمَوْتَ الَّذِي فَرُّوا مِنْهُ، فَأَمَرَهُمْ فَرَجَعُوا، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 246] " وَإِنَّمَا حَثَّ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عِبَادَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى الْمُوَاظَبَةِ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالصَّبْرِ عَلَى قِتَالِ أَعْدَاءِ دِينِهِ، وَشَجَّعَهُمْ بِإِعْلَامِهِ إِيَّاهُمْ وَتَذْكِيرِهِ لَهُمْ أَنَّ الْإِمَاتَةَ وَالْإِحْيَاءَ بِيَدَيْهِ وَإِلَيْهِ دُونَ خَلْقِهِ، وَأَنَّ الْفِرَارَ مِنَ الْقِتَالِ وَالْهَرَبَ مِنَ الْجِهَادِ وَلِقَاءِ الْأَعْدَاءِ إِلَى التَّحَصُّنِ فِي الْحُصُونِ وَالِاخْتِبَاءِ فِي الْمَنَازِلِ وَالدُّورِ غَيْرُ مُنْجٍ أَحَدًا مِنْ قَضَائِهِ إِذَا حَلَّ بِسَاحَتِهِ، وَلَا دَافِعَ عَنْهُ أَسْبَابَ مَنِيَّتِهِ إِذَا نَزَلَ بِعُقُوبَتِهِ، كَمَا لَمْ يَنْفَعُ الْهَارِبِينَ مِنَ الطَّاعُونِ الَّذِينَ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ صِفَتَهُمْ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: 243] فِرَارُهُمْ مِنْ أَوْطَانِهِمْ، وَانْتِقَالُهُمْ مِنْ مَنَازِلِهِمْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَمَّلُوا بِالْمَصِيرِ إِلَيْهِ السَّلَامَةَ، وَبِالْمَوْئِلِ النَّجَاةَ مِنَ الْمَنِيَّةِ، حَتَّى أَتَاهُمْ أَمْرُ اللَّهِ، فَتَرَكَهُمْ جَمِيعًا خُمُودًا صَرْعَى وَفِي الْأَرْضِ هَلْكَى، وَنَجَا مِمَّا حَلَّ بِهِمُ الَّذِينَ بَاشَرُوا كَرِبَ الْوَبَاءِ، وَخَالَطُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَظِيمَ الْبَلَاءِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 243] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ وَمَنٍّ عَلَى خَلْقِهِ بِتَبْصِيرِهِ إِيَّاهُمْ سَبِيلَ الْهُدَى وَتَحْذِيرِهِ لَهُمْ طُرُقَ الرَّدَى، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ نِعَمِهِ الَّتِي يُنْعِمُهَا عَلَيْهِمْ فِي
دُنْيَاهُمْ وَدِينِهِمْ، وَأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ.
كَمَا أَحْيَا الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ بَعْدَ إِمَاتَتِهِ إِيَّاهُمْ وَجَعْلِهِمْ لِخَلْقِهِ مَثَلًا وَعِظَةً يُعَظُونَ بِهِمْ عِبْرَةً يَعْتَبِرُونَ بِهِمْ.
وَلْيَعْلَمُوا أَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا بِيَدِهِ، فَيَسْتَسْلِمُونَ لِقَضَائِهِ، وَيَصْرِفُونَ الرَّغْبَةَ كُلَّهَا، وَالرَّهْبَةَ إِلَيْهِ.
ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّ أَكْثَرَ مَنْ يُنْعِمُ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ بِنِعَمِهِ الْجَلِيلَةِ وَيَمُنُّ عَلَيْهِ بِمِنَنِهِ الْجَسِيمَةِ، يَكْفُرُ بِهِ، وَيَصْرِفُ الرَّغْبَةَ وَالرَّهْبَةَ إِلَى غَيْرِهِ، وَيَتَّخِذُ إِلَهًا مِنْ دُونِهِ، كُفْرَانًا مِنْهُ لِنِعَمِهِ الَّتِي تُوجِبُ أَصْغَرُهَا عَلَيْهِ مِنَ الشُّكْرِ مَا يَفْدَحُهُ وَمَنِ الْحَمْدِ مَا يُثْقِلُهُ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 243] يَقُولُ: لَا يَشْكُرُونَ نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُهَا عَلَيْهِمْ وَفَضْلِي الَّذِي تَفَضَّلْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ، بِعِبَادَتِهِمْ غَيْرِي، وَصَرْفِهِمْ رَغْبَتَهُمْ وَرَهْبَتَهُمْ إِلَى مَنْ دُونِي، مِمَّنْ لَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا، وَلَا يَمْلِكُ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 244] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: ﴿وَقَاتِلُوا﴾ [البقرة: 190] أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 154] يَعْنِي فِي دِينِهِ الَّذِي هَدَاكُمْ لَهُ، لَا فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ أَعْدَاءَ دِينِكُمْ، الصَّادِينَ عَنْ سَبِيلِ رَبِّكُمْ، وَلَا تَجْبُنُوا عَنْ لِقَائِهِمْ، وَلَا تَقْعُدُوا عَنْ
حَرْبِهِمْ، فَإِنَّ بِيَدِي حَيَاتَكُمْ وَمَوْتَكُمْ، وَلَا يَمْنَعَنَّ أَحَدُكُمْ مِنْ لِقَائِهِمْ وَقِتَالِهِمْ حَذَرَ الْمَوْتِ، وَخَوْفَ الْمَنِيَّةِ عَلَى نَفْسِهِ
بِقِتَالِهِمْ، فَيَدَعُوهُ ذَلِكَ إِلَى التَّعْرِيدِ عَنْهُمْ، وَالْفِرَارِ مِنْهُمْ، فَتَذِلُّوا، وَيَأْتِيكُمُ الْمَوْتُ الَّذِي خِفْتُمُوهُ فِي مَأْمَنِكُمُ الَّذِي وَأَلْتُمْ إِلَيْهِ، كَمَا أَتَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ فِرَارًا مِنَ الْمَوْتِ، الَّذِينَ قَصَصْتُ عَلَيْكُمْ قِصَّتَهُمْ، فَلَمْ يُنْجِهِمْ فِرَارُهُمْ مِنْهُ مِنْ نُزُولِهِ بِهِمْ حِينَ جَاءَهُمْ أَمْرِي وَحَلَّ بِهِمْ قَضَائِي، وَلَا ضَرَّ الْمُتَخَلِّفِينَ وَرَاءَهُمْ مَا كَانُوا لَمْ يَحْذَرُوهُ إِذْ دَافَعْتُ عَنْهُمْ مَنَايَاهُمْ، وَصَرَفْتُهَا عَنْ حُوبَائِهِمْ، فَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ أَمَرْتُكُمْ بِقِتَالِهِ مِنْ أَعْدَائِي وَأَعْدَاءِ دِينِي، فَإِنَّ مَنْ حَيِيَ مِنْكُمْ فَأَنَا أُحْيِيهِ، وَمَنْ قُتِلَ مِنْكُمْ فَبِقَضَائِي كَانَ قَتْلُهُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَهُمْ: وَاعْلَمُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنَّ رَبَّكُمْ سُمَيْعٌ لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ مِنْ مُنَافِقِيكُمْ لِمَنْ قُتِلَ مِنْكُمْ فِي سَبِيلِي: لَوْ أَطَاعُونَا فَجَلَسُوا فِي مَنَازِلِهِمْ مَا قُتِلُوا، عَلِيمٌ بِمَا تُخْفِيهِ صُدُورُهُمْ مِنَ النِّفَاقِ وَالْكُفْرِ وَقِلَّةِ الشُّكْرِ لِنِعْمَتِي عَلَيْهِمْ وَآلَائِي لَدَيْهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِمْ وَأُمُورِ عِبَادِي.
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ: فَاشْكُرُونِي أَنْتُمْ بِطَاعَتِي فِيمَا أَمَرْتُكُمْ مِنْ جِهَادِ عَدُوِّكُمْ فِي سَبِيلِي، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِي وَنَهْيِي، إِذْ كَفَرَ هَؤُلَاءِ نِعَمِي، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سُمَيْعٌ لِقَوْلِهِمْ وَعَلِيمٌ بِهِمْ وَبِغَيْرِهِمْ وَبِمَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ وَالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ مُحِيطٌ بِذَلِكَ كُلِّهِ، حَتَّى أُجَازِيَ كُلًّا بِعَمَلِهِ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرًا وَإِنْ شَرًّا فَشَرًّا.
وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 190] أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ بِالْقِتَالِ بَعْدَ مَا أَحْيَاهُمْ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: {وَقَاتِلُوا فِي
سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 190] لَا يَخْلُو إِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا تَأَوَّلُوهُ مِنْ أَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ [البقرة: 243] وَذَلِكَ مِنَ الْمِحَالِ أَنْ يُمِيتَهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ وَهُمْ مَوْتَى بِالْقِتَالِ فِي سَبِيلِهِ.
أَوْ يَكُونُ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: 243] وَذَلِكَ أَيْضًا مِمَّا لَا مَعْنَى لَهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 190] أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ بِالْقِتَالِ، وَقَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: 243] خَبَرٌ عَنْ فِعْلٍ قَدْ مَضَى.
وَغَيْرُ فَصِيحٍ الْعَطْفُ بِخَبَرٍ مُسْتَقْبِلٍ عَلَى خَبَرٍ مَاضٍ لَوْ كَانَا جَمِيعًا خَبَرَيْنِ لِاخْتِلَافِ مَعْنَيَيْهِمَا، فَكَيْفَ عَطَفَ الْأَمْرَ عَلَى خَبَرٍ مَاضٍ؟ أَوْ يَكُونُ مَعْنَاهُ: ثُمَّ أَحْيَاهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ: قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أَسْقَطَ الْقَوْلَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ بِمَعْنَى: يَقُولُونَ: رَبَّنَا أَبْصَرَنَا وَسَمِعْنَا وَذَلِكَ أَيْضًا إِنَّمَا يَجُوزُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَدُلُّ ظَاهِرُ الْكَلَامِ عَلَى حَاجَتِهِ إِلَيْهِ وَيَفْهَمُ السَّامِعُ أَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ الْكَلَامُ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ، فَأَمَّا فِي الْأَمَاكِنِ الَّتِي لَا دَلَالَةَ عَلَى حَاجَةِ الْكَلَامِ إِلَيْهِ، فَلَا وَجْهَ لِدَعْوَى مُدَّعٍ أَنَّهُ مُرَادٌ فِيهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهُ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: 245] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: مَنْ هَذَا الَّذِي يُنْفِقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيُعِينُ مُضْعَفًا، أَوْ يُقَوِّي ذَا فَاقَةٍ أَرَادَ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَيُعْطِي مِنْهُمْ مُقْتِرًا.
وَذَلِكَ هُوَ
الْقَرْضُ الْحَسَنُ الَّذِي يَقْرِضُ الْعَبْدُ رَبَّهُ.
وَإِنَّمَا سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَرْضًا؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْقَرْضِ: إِعْطَاءُ الرَّجُلِ غَيْرَهُ مَالَهُ مُمَلِّكًا لَهُ لِيَقْضِيَهُ مِثْلَهُ إِذَا اقْتَضَاهُ.
فَلَمَّا كَانَ إِعْطَاءُ مَنْ أَعْطَى أَهْلَ الْحَاجَةِ، وَالْفَاقَةِ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّمَا يُعْطِيهِمْ مَا يُعْطِيهِمْ مِنْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَا وَعَدَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ جَزِيلِ الثَّوَابِ عِنْدَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، سَمَّاهُ قَرْضًا، إِذْ كَانَ مَعْنَى الْقَرْضِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مَا وَصَفْنَا.
وَإِنَّمَا جَعَلَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ حَسَنًا؛ لِأَنَّ الْمُعْطِي يُعْطِي ذَلِكَ عَنْ نَدْبِ اللَّهِ إِيَّاهُ، وَحَثِّهِ لَهُ عَلَيْهِ احْتِسَابًا مِنْهُ، فَهُوَ لِلَّهِ طَاعَةٌ وَلِلشَّيَاطِينِ مَعْصِيَةٌ.
وَلَيْسَ ذَلِكَ لِحَاجَةٍ بِاللَّهِ إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ كَقَوْلِ الْعَرَبِ: «عِنْدِي لَكَ قَرْضُ صِدْقٍ وَقَرْضُ سُوءٍ» : لِلْأَمْرِ يَأْتِي فِيهِ لِلرَّجُلِ مَسَرَّتُهُ أَوْ مَسَاءَتُهُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر البسيط]
كُلُّ امْرِئٍ سَوْفَ يُجْزَى قَرْضَهُ ... حَسَنًا أَوْ سَيِّئًا وَمَدِينًا بِالَّذِي دَانَا
فَقَرْضُ الْمَرْءِ: مَا سَلَفَ مِنْ صَالِحِ عَمَلِهِ أَوْ سَيِّئِهِ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ نَظِيرُةُ الْآيَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ، وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ كَانَ ابْنُ زَيْدٍ يَقُولُ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: 245] قَالَ: هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: 245] قَالَ: بِالْوَاحِدِ سَبْعمِائَةِ ضِعْفٌ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: " ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: 245] جَاءَ أَبُو الدَّحْدَاحِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَلَا أَرَى رَبَّنَا يَسْتَقْرِضُنَا مِمَّا أَعْطَانَا لِأَنْفُسِنَا؟ وَإِنْ لِي أَرْضِينَ إِحْدَاهُمَا بِالْعَالِيَةِ، وَالْأُخْرَى بِالسَّافِلَةِ، وَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُ خَيْرَهُمَا صَدَقَةً قَالَ: فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «كَمْ مِنْ عِذْقٍ مُذَلَّلٍ لِأَبِي الدَّحْدَاحِ فِي الْجَنَّةِ»
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " أَنَّ رَجُلًا، عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سَمِعَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، قَالَ: أَنَا أُقْرِضُ اللَّهَ فَعَمَدَ إِلَى خَيْرِ حَائِطٍ لَهُ، فَتَصَدَّقَ بِهِ.
قَالَ: وَقَالَ قَتَادَةُ: يَسْتَقْرِضُكُمْ رَبُّكُمْ كَمَا تَسْمَعُونَ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ، وَيَسْتَقْرِضُ عِبَادَهُ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْأَنْمَاطِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: " لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهُ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: 245] قَالَ أَبُو الدَّحْدَاحِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَ إِنَّ اللَّهَ يُرِيدُ مِنَّا الْقَرْضَ؟ قَالَ: «نَعَمْ يَا أَبَا الدَّحْدَاحِ» . قَالَ: يَدُكَ قَبْلُ فَنَاوَلَهُ يَدَهُ.
قَالَ: فَإِنِّي قَدْ أَقْرَضْتُ رَبِّي حَائِطِي حَائِطًا فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ.
ثُمَّ جَاءَ يَمْشِي حَتَّى أَتَى الْحَائِطَ وَأُمُّ الدَّحْدَاحِ فِيهِ فِي عِيَالِهَا، فَنَادَاهَا: يَا أُمَّ الدَّحْدَاحِ قَالَتْ: لَبَّيْكَ قَالَ: اخْرُجِي قَدْ أَقْرَضْتُ رَبِّي حَائِطًا فِيهِ سِتُّمِائَةِ نَخْلَةٍ "
أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: 245] فَإِنَّهُ عِدَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُقْرِضُهُ وَمُنْفِقٌ مَالَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ أَضْعَافِ الْجَزَاءِ لَهُ عَلَى قَرْضِهِ وَنَفَقَتِهِ مَا لَا حَدَّ لَهُ وَلَا نِهَايةَ
كَمَا: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: 245] قَالَ: هَذَا التَّضْعِيفُ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا هُوَ "
وَقَدْ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ صَاحِبٍ، لَهُ يَذْكُرُ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ أَعْطَاكُمُ الدُّنْيَا قَرْضًا وَسَأَلَكُمُوهَا قَرْضًا، فَإِنْ أَعْطَيْتُمُوهَا طَيِّبَةً بِهَا أَنْفُسُكُمْ ضَاعَفَ لَكُمْ مَا بَيْنَ الْحَسَنَةِ إِلَى الْعَشْرِ إِلَى السَّبْعِمِائَةِ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ أَخَذَهَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ كَارِهُونَ فَصَبَرْتُمْ وَأَحْسَنْتُمْ كَانَتْ لَكُمُ الصَّلَاةُ وَالرَّحْمَةُ وَأَوْجَبَ لَكُمُ الْهُدَى» وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: (فَيُضَاعِفُهُ) بِالْأَلِفِ وَرَفْعِهِ، بِمَعْنَى: الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفُهُ لَهُ، نَسَقَ «يُضَاعِفُ» عَلَى قَوْلِهِ «يُقْرِضُ» .
وَقَرَأَهُ آخَرُونَ بِذَلِكَ الْمَعْنَى (فَيُضَعِّفُهُ) غَيْرَ أَنَّهُمْ قَرَءُوا بِتَشْدِيدِ الْعَيْنِ وَإِسْقَاطِ الْأَلِفِ.
وَقَرَأَهُ آخَرُونَ ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة: 245] بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ فِي يُضَاعِفُ وَنَصْبِهِ بِمَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ.
فَكَأَنَّهُمْ تَأَوَّلُوا الْكَلَامَ: مَنِ الْمُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ؟ فَجَعَلُوا قَوْلَهُ: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ [البقرة: 245] جَوَابًا لِلْاسْتِفْهَامِ، وَجَعَلُوا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: 245] اسْمًا؛ لِأَنَّ الَّذِي وَصَلْتَهُ بِمَنْزِلَةِ عَمْرٍو، وَزَيْدٍ فَكَأَنَّهُمْ وَجَّهُوا تَأْوِيلَ الْكَلَامِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ: مَنْ أَخُوكَ فَنُكْرِمَهُ؟ لِأَنَّ الْأَفْصَحَ فِي جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ بِالْفَاءِ، إِذَا لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ مَا يُعْطَفُ بِهِ عَلَيْهِ مِنْ فِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ، نَصْبُهُ.
وَأَوْلَى هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: ﴿فَيُضَاعِفُهُ لَهُ﴾ [البقرة: 245] بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ، وَرَفْعِ يُضَاعِفُ؛ لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهُ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفُهُ﴾ [البقرة: 245] مَعْنَى الْجَزَاءِ، وَالْجَزَاءُ إِذَا دَخَلَ فِي جَوَابِهِ الْفَاءُ لَمْ يَكُنْ جَوَابُهُ بِالْفَاءِ لَا رَفْعًا؛ فَلِذَلِكَ كَانَ الرَّفْعُ فِي «يُضَاعِفُهُ» أَوْلَى بِالصَّوَابِ عِنْدَنَا مِنَ النَّصْبِ.
وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْأَلِفَ فِي «يُضَاعِفُ» مِنْ حِذْفِهَا وَتَشْدِيدِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَفْصَحُ اللُّغَتَيْنِ وَأَكْثَرُهُمَا عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَرَبِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: 245] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: أَنَّهُ الَّذِي بِيَدِهِ قَبْضُ أَرْزَاقِ الْعِبَادِ وَبَسْطِهَا دُونَ غَيْرِهِ مِمَّنِ
ادَّعَى أَهْلُ الشِّرْكِ بِهِ أَنَّهُمْ آلِهَةٌ وَاتَّخَذُوهُ رَبًّا دُونَهُ يَعْبُدُونَهُ.
وَذَلِكَ نَظِيرُ الْخَبَرِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الَّذِي: حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: ثنا حَجَّاجٌ، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقَاشِيُّ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، وَأَبُو رَبِيعَةَ، قَالَا: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، وَحُمَيْدٍ، وَقَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: " غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ: فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَلَا السِّعْرُ، فَأَسْعِرْ لَنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ الْبَاسِطُ الْقَابِضُ الرَّزَّاقُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ لَيْسَ أَحَدٌ يَطْلُبُنِي بِمَظْلَمَةٍ فِي نَفْسٍ وَمَالٍ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَعْنِي بِذَلِكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَّ الْغَلَاءَ، وَالرُّخْصُ، وَالسَّعَةُ، وَالضِّيقُ بِيَدِ اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ.
فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: 245] يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿يَقْبِضُ﴾ [البقرة: 245] يَقْتُرُ بِقَبْضِهِ الرِّزْقَ عَمَّنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ، وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: 245] يُوَسِّعُ بِبَسْطَةِ الرِّزْقِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ.
وَإِنَّمَا أَرَادَ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقِيلِهِ ذَلِكَ حَثَّ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ قَدْ بَسَطَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَضْلِهِ، فَوَسَّعَ عَلَيْهِمْ مِنْ رِزْقِهِ عَلَى تَقْوِيَةِ ذَوِي الْإِقْتَارِ مِنْهُمْ بِمَالِهِ، وَمَعُونَتِهِ بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ، وَحُمُولَتِهِ عَلَى النُّهُوضِ لِقِتَالِ عَدُوِّهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فِي سَبِيلِهِ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَنْ يُقَدِّمُ لِنَفْسِهِ ذُخْرًا عِنْدِي بِإِعْطَائِهِ ضُعَفَاءَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَهْلَ الْحَاجَةِ مِنْهُمْ مَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الْقِتَالِ فِي سَبِيلِي، فَأُضَاعِفُ لَهُ مِنْ ثَوَابِي أَضْعَافًا كَثِيرَةً مِمَّا أَعْطَاهُ وَقَّوَاهُ بِهِ،
فَإِنِّي أَنَا الْمُوَسِّعُ الَّذِي قَبَضْتُ الرِّزْقَ عَمَّنْ نَدَبْتُكَ إِلَى مَعُونَتِهِ وَإِعْطَائِهِ، لِأَبْتَلِيَهُ بِالصَّبِرِ عَلَى مَا ابْتَلَيْتُهُ بِهِ، وَالَّذِي بَسَطْتُ عَلَيْكَ لِأَمْتَحِنَكَ بِعَمَلِكَ فِيمَا بَسَطْتُ عَلَيْكَ، فَأَنْظُرَ كَيْفَ طَاعَتُكَ إِيَّايَ فِيهِ، فَأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا عَلَى قَدْرِ طَاعَتِكُمَا لِي فِيمَا ابْتَلَيْتُكُمَا فِيهِ، وَامْتَحَنْتُكُمَا بِهِ مِنْ غِنًى وَفَاقَةٍ، وَسَعَةٍ وَضِيقٍ، عِنْدَ رُجُوعِكُمَا إِلَيَّ فِي آخِرَتِكُمَا وَمَصِيرِكُمَا إِلَيَّ فِي مَعَادِكُمَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ مَنْ بَلَغَنَا قَوْلُهُ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهُ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: 245] الْآيَةَ.
قَالَ: عَلِمَ أَنَّ فِيمَنْ يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِهِ مَنْ لَا يَجِدُ قُوَّةً، وَفِيمَنْ لَا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِهِ مَنْ يَجِدُ غِنًى، فَنَدَبَ هَؤُلَاءِ، فَقَالَ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: 245] قَالَ: يَبْسُطُ عَلَيْكَ وَأَنْتَ ثَقِيلٌ عَنِ الْخُرُوجِ لَا تُرِيدُهُ، وَقَبَضَ عَنْ هَذَا وَهُوَ يَطِيبُ نَفْسًا بِالْخُرُوجِ وَيَخِفُّ لَهُ، فَقَوِّهِ مِمَّا فِي يَدِكَ يَكُنْ لَكَ فِي ذَلِكَ حَظٌّ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: 245] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَإِلَى اللَّهِ مَعَادُكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَنْ تُضَيِّعُوا فَرَائِضَهُ وَتَتَعَدُّوا حُدُودَهُ، وَأَنْ يَعْمَلَ مَنْ بُسِطَ عَلَيْهِ مِنْكُمْ مِنْ رِزْقِهِ بِغَيْرِ مَا أَذِنَ لَهُ بِالْعَمَلِ فِيهِ رَبُّهُ، وَأَنْ يَحْمِلَ الْمُقْتِرُ مِنْكُمْ.
فَقَبَضَ عَنْ رِزْقِهِ
إِقْتَارَهُ عَلَى
مَعْصِيَتِهِ، وَالتَّقَدُّمُ عَلَى مَا نَهَاهُ فَيَسْتَوْجِبُ بِذَلِكَ مِنْهُ بِمَصِيرِهِ إِلَى خَالِقِهِ مَا لَا قِبَلَ لَهُ بِهِ مِنْ أَلِيمِ عِقَابِهِ.
وَكَانَ قَتَادَةُ يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ: ﴿وَإِلَيْهِ تَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: 245] وَإِلَى التُّرَابِ تُرْجَعُونَ
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: 245] مِنَ التُّرَابِ خَلَقَهُمْ، وَإِلَى التُّرَابِ يَعُودُونَ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 246] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ [البقرة: 243] أَلَمْ تَرَ يَا مُحَمَّدُ بِقَلْبِكَ، فَتَعْلَمَ بِخَبَرِي إِيَّاكَ يَا مُحَمَّدُ ﴿إِلَى الْمَلَإِ﴾ [البقرة: 246] يَعْنِي إِلَى وُجُوهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَشْرَافِهِمْ وَرُؤَسَائِهِمْ مِنْ بَعْدِ مُوسَى.
يَقُولُ: مِنْ بَعْدِ مَا قُبِضَ مُوسَى فَمَاتَ، إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ: ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
فَذَكَرَ لِي أَنَّ النَّبِيَّ الَّذِي قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ شَمْوِيلُ بْن بَالِي بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ يَرُحَامَ بْنِ أليهو بْنِ تهو بْنِ صُوفِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ مَاحِثَ بْنِ عموصا بْنِ عزريَا بْنِ صَفِيَّةَ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي يَاسِقِ بْنِ قَارُونَ بْنِ يَصْهُرِ بْنِ قَاهِثِ بْنِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ
حَدَّثَنَا بِذَلِكَ ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ
وَحَدَّثَنِي أَيْضًا الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ مَعْقِلٍ، أَنَّهُ، سَمِعَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ، يَقُولُ: «هُوَ شمويل» وَلَمْ يَنْسُبْهُ كَمَا نَسَبَهُ إِسْحَاقُ
وَقَالَ السُّدِّيُّ: " بَلِ اسْمُهُ شمعون، وَقَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ شَمْعَونَ لِأَنَّ أُمَّهُ دَعَتِ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَهَا غُلَامًا، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهَا دُعَاءَهَا فَرَزَقَهَا، فَوَلَدَتْ غُلَامًا فَسَمِّتْهُ شَمْعَونَ؛ تَقُولُ: اللَّهُ تَعَالَى سَمِعَ دُعَائِيَ "
حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، " فَكَأَنَّ شَمْعَونَ فَعْلُونَ عِنْدَ السُّدِّيِّ، مِنْ قَوْلِهَا: سَمِعَ اللَّهَ دُعَاءَهَا "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: " ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمْ﴾ [البقرة: 246] قَالَ: شمعون " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الَّذِي سَأَلَهُ قَوْمُهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَبْعَثَ لَهُمْ مَلِكًا يُقَاتِلُونَ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوشَعَ بْنَ نُونِ بْنِ إِفْرَاثِيمَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ
حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهِمْ﴾ [البقرة: 247] قَالَ: كَانَ نَبِيِّهُمُ الَّذِي بَعْدَ مُوسَى يُوشَعَ بْنَ نُونٍ.
قَالَ: وَهُوَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا "
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 246] فَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ سَأَلَ الْمَلَأُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ نَبِيَّهُمْ ذَلِكَ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ سَبَبُ مَسْأَلَتِهِمْ إِيَّاهُ
مَا: حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: " خَلَفَ بَعْدَ مُوسَى فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، يُقِيمُ فِيهِمُ التَّوْرَاةَ وَأَمْرَ اللَّهِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ.
ثُمَّ خَلَفَ فِيهِمْ كَالِبُ بْنُ يُوقَنَّا يُقِيمُ فِيهِمُ التَّوْرَاةَ وَأَمْرَ اللَّهِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
ثُمَّ خَلَفَ فِيهِمْ حِزْقِيلُ بْنُ بُوزِيٍّ وَهُوَ ابْنُ الْعَجُوزِ.
ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ حِزْقِيلَ، وَعَظُمَتْ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ الْأَحْدَاثُ، وَنَسَوْا مَا كَانَ مِنْ عَهْدِ اللَّهِ إِلَيْهِمْ، حَتَّى نَصَبُوا الْأَوْثَانَ وَعَبَدُوهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ.
فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ إِلْيَاسَ بْنَ يَس بْنِ فِنْحَاصِ بْنِ الْعَيْزَارِ بْنِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ نَبِيًّا.
وَإِنَّمَا كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ مُوسَى يَبْعَثُونَ إِلَيْهِمْ بِتَجْدِيدِ مَا نَسُوا مِنَ التَّوْرَاةِ.
وَكَانَ إِلْيَاسُ مَعَ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ
أَخَابُ، وَكَانَ يَسْمَعُ مِنْهُ وَيُصَدِّقُهُ، فَكَانَ إِلْيَاسُ يُقِيمُ لَهُ أَمْرَهُ.
وَكَانَ سَائِرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدِ اتَّخَذُوا صَنَمًا يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَجَعَلَ إِلْيَاسُ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَجَعَلُوا لَا يَسْمَعُونَ مِنْهُ شَيْئًا، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ الْمَلِكِ، وَالْمُلُوكُ مُتَفَرِّقَةٌ بِالشَّامِ، كُلُّ مَلِكٍ لَهُ نَاحِيَةٌ مِنْهَا يَأْكُلُهَا.
فَقَالَ ذَلِكَ الْمَلِكُ الَّذِي كَانَ إِلْيَاسُ مَعَهُ يُقَوِّمُ لَهُ أَمْرَهُ وَيَرَاهُ عَلَى هُدًى مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِهِ يَوْمًا: يَا إِلْيَاسُ وَاللَّهِ مَا أَرَى مَا تَدْعُو إِلَيْهِ النَّاسَ إِلَّا بَاطِلًا وَاللَّهِ مَا أَرَى فُلَانًا وَفُلَانًا يُعَدِّدُ مُلُوكًا مِنْ مُلُوكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ عَبَدُوا الْأَوْثَانَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِلَّا عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، يَأْكُلُونَ، وَيَشْرَبُونَ، وَيَتَنَعَّمُونَ، مَالِكِينَ مَا يَنْقُصُ مِنْ دُنْيَاهُمْ، وَمَا نَرَى لَنَا عَلَيْهِمْ مِنْ فَضْلٍ وَيَزْعُمُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ إِلْيَاسَ اسْتَرْجَعَ، وَقَامَ شَعْرُ رَأْسِهِ وَجِلْدِهِ ثُمَّ رَفَضَهُ وَخَرَجَ عَنْهُ.
فَفَعَلَ ذَلِكَ الْمَلِكُ فِعْلَ أَصْحَابِهِ، عَبَدَ الْأَوْثَانَ، وَصَنَعَ مَا يَصْنَعُونَ.
ثُمَّ خَلَفَ مِنْ بَعْدِهِ فِيهِمُ الْيَسَعُ، فَكَانَ فِيهِمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ.
وَخَلَفَتْ فِيهِمُ الْخُلُوفُ، وَعَظُمَتْ فِيهِمُ الْخَطَايَا، وَعِنْدَهُمُ التَّابُوتُ يِتَوَارَثُونَهُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، فِيهِ السَّكِينَةُ، وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى، وَآلُ هَارُونَ، وَكَانُوا لَا يِلْقَاهُمْ عَدُوٌّ فَيُقَدِّمُونَ التَّابُوتَ وَيَزْحَفُونَ بِهِ مَعَهُمْ، إِلَّا هَزَمَ اللَّهُ ذَلِكَ الْعَدُوَّ.
ثُمَّ خَلَفَ فِيهِمْ مَلِكٌ يُقَالُ لَهُ إِيلَاءُ، وَكَانَ اللَّهُ قَدْ بَارَكَ لَهُمْ فِي جَبَلِهِمْ مِنْ إِيلِيَا لَا يَدْخُلُهُ عَلَيْهِمْ عَدُوٌّ وَلَا يَحْتَاجُونَ مَعَهُ إِلَى غَيْرِهِ.
وَكَانَ أَحَدُهُمْ فِيمَا يَذْكُرُونَ يَجْمَعُ التُّرَابَ عَلَى الصَّخْرَةَ، ثُمَّ يَنْبِذُ فِيهِ الْحَبَّ، فَيُخْرِجُ اللَّهُ لَهُ مَا يَأْكُلُ سَنَتَهُ هُوَ وَعِيَالُهُ، وَيَكُونُ لِأَحَدِهِمُ الزَّيْتُونَةُ فَيَعْتَصِرُ مِنْهَا مَا يَأْكُلُ هُوَ وَعِيَالُهُ سَنَتَهِ.
فَلَمَّا عَظُمَتُ
أَحْدَاثُهُمْ وَتَرَكُوا عَهْدَ اللَّهِ إِلَيْهِ، نَزَلَ بِهِمْ عَدُوٌّ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِ، وَأَخْرَجُوا مَعَهُمُ التَّابُوتَ كَمَا كَانُوا يُخْرِجُونَهُ، ثُمَّ زَحَفُوا بِهِ، فَقُوتِلُوا حَتَّى اسْتُلِبَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ.
فَأَتَى مَلِكُهُمْ إِيلَاءُ، فَأَخْبَرَ أَنَّ التَّابُوتَ قَدْ أَخِذَ وَاسْتُلِبَ، فَمَالَتْ عُنُقُهُ، فَمَاتَ كَمَدًا عَلَيْهِ.
فَمَرَجَ أَمْرُهُمْ عَلَيْهِمْ، وَوَطِئَهُمْ عَدُوُّهُمْ، حَتَّى أُصِيبَ مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، وَفِيهِمْ نَبِيُّ لَهُمْ قَدْ كَانَ اللَّهُ بَعَثَهُ إِلَيْهِمْ فَكَانُوا لَا يَقْبَلُونَ مِنْهُ شَيْئًا يُقَالُ لَهُ شمويل، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 246] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة: 246] يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 246] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 248] " قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِمْ فِيمَا حَدَّثَنِي بِهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ بِهِمُ الْبَلَاءُ، وَوُطِئَتْ بِلَادُهُمْ، كَلَّمُوا نَبِيَّهُمْ شمويل بْنَ بَالِي، فَقَالُوا: ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَإِنَّمَا كَانَ قِوَامُ بَنِي إِسْرَائِيلَ الِاجْتِمَاعَ عَلَى الْمُلُوكِ، وَطَاعَةِ الْمُلُوكِ أَنْبِيَاءَهُمْ، وَكَانَ الْمَلِكُ هُوَ يَسِيرُ بِالْجُمُوعِ وَالنَّبِيُّ يُقَوِّمُ لَهُ أَمْرَهُ، وَيَأْتِيهِ بِالْخَبَرِ مِنْ رَبِّهِ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ صَلُحَ أَمْرُهُمْ، فَإِذَا عَتَتْ مُلُوكُهُمْ وَتَرَكُوا أَمْرَ أَنْبِيَائِهِمْ فَسَدَ أَمْرُهُمْ.
فَكَانَتِ الْمُلُوكُ إِذَا تَابَعَتْهَا الْجَمَاعَةُ عَلَى الضَّلَالَةِ تَرَكُوا أَمْرَ الرُّسُلِ، فَفَرِيقًا يُكَذِّبُونَ فَلَا يَقْبَلُونَ مِنْهُ شَيْئًا، وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ.
فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ الْبَلَاءُ بِهِمْ حَتَّى قَالُوا لَهُ: ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّهُ لَيْسَ عِنْدَكُمْ وَفَاءٌ وَلَا صِدْقٌ وَلَا رَغْبَةٌ فِي الْجِهَادِ.
فَقَالُوا: إِنَّمَا كُنَّا نَهَابُ الْجِهَادَ وَنَزْهَدُ فِيهِ إِنَّا كُنَّا مَمْنُوعِينَ فِي بِلَادِنَا لَا يَطَؤُهَا أَحَدٌ فَلَا يَظْهَرُ عَلَيْنَا فِيهَا عَدُوٌّ، فَأَمَّا إِذْ بَلَغَ
ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْجِهَادِ، فَنُطِيعُ رَبَّنَا فِي جِهَادِ عَدُوِّنَا وَنَمْنَعُ أَبْنَاءَهَا، وَنِسَاءَنَا، وَذَرَارِيَّنَا "