ذِكْرُ الْأَخْبَارِ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِالَّذِي كَانَ مِنْ فِعْلِ الْقَاتِلِ مِنَ ابْنَيْ آدَمَ بِأَخِيهِ الْمَقْتُولِ بَعْدَ قَتْلِهِ إِيَّاهُ:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَرِقَّاءُ عَلَيْهِمْ رُحَمَاءُ بِهِمْ , مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: ذَلَّ فُلَانٌ لِفُلَانٍ: إِذَا خَضَعَ لَهُ وَاسْتَكَانَ.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ أَشِدَّاءُ عَلَيْهِمْ غُلَظَاءُ بِهِمْ , مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ:
قَدْ عَزَّنِي فُلَانٌ: إِذَا أَظْهَرَ الْعِزَّةَ مِنْ نَفْسِهِ لَهُ , وَأَبْدَى لَهُ الْجَفْوَةَ وَالْغِلْظَةَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا سَيْفُ بْنُ عُمَرَ , عَنْ أَبِي رَوْقٍ , عَنْ أَبِي أَيُّوبَ , عَنْ عَلِيٍّ , فِي قَوْلِهِ: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 54] أَهْلُ رِقَّةٍ عَلَى أَهْلِ دِينِهِمْ ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 54] أَهْلُ غِلْظَةً عَلَى مِنْ خَالَفَهُمْ فِي دِينِهِمْ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 54] يَعْنِي بِالذِّلَّةِ: الرَّحْمَةَ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 54] قَالَ: " رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 54] قَالَ: « أَشِدَّاءُ عَلَيْهِمْ»
حَدَّثَنَا الْحَرْثُ بْنُ مُحَمَّدٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ , قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ: سَمِعْتُ الْأَعْمَشَ , يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 54] ضُعَفَاءُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِهِمْ إِنِ ارْتَدَّ مِنْهُمْ مُرْتَدٌّ بَدَلًا مِنْهُمْ , يُجَاهِدُونَ فِي
قِتَالِ أَعْدَاءِ اللَّهِ , عَلَى النَّحْوِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِقِتَالِهِمْ وَالْوَجْهِ الَّذِي أَذِنَ لَهُمْ بِهِ , وَيُجَاهِدُونَ عَدُوَّهُمْ , فَذَلِكَ مُجَاهَدَتُهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ يَقُولُ: " وَلَا يَخَافُونَ فِي ذَاتِ اللَّهِ أَحَدًا , وَلَا يَصُدُّهُمْ عَنِ الْعَمَلِ بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ قِتَالِ عَدُوِّهِمْ لَوْمَةَ لَائِمٍ لَهُمْ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَعْنِي: هَذَا النَّعْتَ الَّذِي نَعَتَهُمْ بِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ مِنْ أَنَّهُمْ أَذِلَّةٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ , أَعِزَّةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ , يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ , وَلَا يَخَافُونَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ , فَضْلُ اللَّهِ الَّذِي تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ , وَاللَّهُ يُؤْتِي فَضْلَهُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ , مِنَّةً عَلَيْهِ وَتَطَوُّلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ يَقُولُ: " وَاللَّهُ جَوَادٌ بِفَضْلِهِ عَلَى مَنْ جَادَ بِهِ عَلَيْهِ , لَا يَخَافُ نَفَادَ خَزَائِنِهِ فَيَكُفَّ مِنْ عَطَائِهِ عَلِيمٌ بِمَوْضِعِ جُودِهِ وَعَطَائِهِ , فَلَا يَبْذُلُهُ إِلَّا لِمَنِ
اسْتَحَقَّهُ وَلَا يَبْذُلُ لِمَنِ اسْتَحَقَّهُ إِلَّا عَلَى قَدْرِ الْمَصْلَحَةِ لِعِلْمِهِ بِمَوْضِعِ صَلَاحِهِ لَهُ مِنْ مَوْضِعِ ضَرِّهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا لَيْسَ لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ نَاصِرٌ إِلَّا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنُونَ , الَّذِينَ صِفَتُهُمْ مَا ذَكَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ.
فَأَمَّا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أَنْ تَبَرَّءُوا مِنْ وَلَايَتِهِمْ وَنَهَاكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ , فَلَيْسُوا لَكُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَا نُصَرَاءَ , بَلْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ , وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا.
وَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فِي تَبَرُّئِهِ مِنْ وَلَايَةِ يَهُودِ بَنِي قَيْنُقَاعٍ وَحِلْفِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ , قَالَ: ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ , قَالَ: ثنا ابْنُ إِسْحَاقَ , قَالَ: ثني وَالِدِي إِسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ , عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ , قَالَ: لَمَّا حَارَبَتْ بَنُو قَيْنُقَاعٍ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مَشَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَ أَحَدَ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ , فَخَلَعَهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ , وَتَبْرَأَ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ مِنْ حِلْفِهِمْ , وَقَالَ: أَتَوَلَّى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ , وَأَبْرَأُ مِنْ حِلْفِ الْكُفَّارِ وَوَلَايَتِهِمْ.
فَفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: 55] لِقَوْلِ عُبَادَةَ: أَتَوَلَّى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا , وَتَبَرُّئِهِ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعٍ وَوَلَايَتِهِمْ.
الَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: 56] " حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي , عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ , قَالَ: جَاءَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: 55] يَعْنِي: «أَنَّهُ مَنْ أَسْلَمَ تَوَلَّى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: 55] فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنِيِّ بِهِ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهِ جَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ , قَالَ: ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ بِمَنْ , يَتَوَلَاهُمْ , فَقَالَ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: 55] هَؤُلَاءِ جَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ , وَلَكِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ مَرَّ بِهِ سَائِلٌ وَهُوَ رَاكِعٌ فِي الْمَسْجِدِ , فَأَعْطَاهُ خَاتَمَهُ "
حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ , قَالَ ثَنَا عَبْدَةَ: عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ , عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ , قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: 55] قُلْنَا: مَنِ الَّذِينَ آمَنُوا؟ قَالَ: الَّذِينَ آمَنُوا.
قلْنَا: بَلَغَنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ , قَالَ: عَلِيٌّ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا الْمُحَارِبِيُّ , عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ , قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ , عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة: 55] وَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ هَنَّادٍ عَنْ عَبْدَةَ "
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْرَائِيلَ الرَّمْلِيُّ , قَالَ: ثنا أَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ , قَالَ: ثنا عُتْبَةُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ , فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: 55] قَالَ: «عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ»
حَدَّثَنِي الْحَارِثُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ , قَالَ: ثنا غَالِبُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ , قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا , يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة: 55] الْآيَةُ , قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ , تَصَدَّقَ وَهُوَ رَاكِعٌ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: 56] وَهَذَا إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عِبَادَهُ جَمِيعًا , الَّذِينَ تَبَرَّءُوا مِنَ الْيَهُودِ وَحِلْفِهِمْ رِضًا بِوَلَايَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ , وَالَّذِينَ تَمَسَّكُوا بِحِلْفِهِمْ , وَخَافُوا دَوَائِرَ السُّوءِ تَدُورُ عَلَيْهِمْ , فَسَارَعُوا إِلَى مُوَالَاتِهِمْ , بِأَنَّ مَنْ وَثِقَ بِاللَّهِ وَتَوَلَّى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ , لَهُمُ الْغَلَبَةُ وَالدَّوَائِرُ وَالدَّوْلَةُ عَلَى مَنْ عَادَاهُمْ وَحَادَّهُمْ , لِأَنَّهُمْ حِزْبُ اللَّهِ , وَحِزْبُ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ دُونَ حِزْبِ الشَّيْطَانِ.
كَمَا:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ , قَالَ: أَخْبَرَهُمْ يَعْنِي الرَّبَّ , تَعَالَى ذِكْرُهُ مَنِ الْغَالِبُ , فَقَالَ: لَا تَخَافُوا الدَّوْلَةَ وَلَا الدَّائِرَةَ , فَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: 56] وَالْحِزْبُ: هُمُ الْأَنْصَارُ " وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ﴾ [المائدة: 56] فَإِنَّ أَنْصَارَ اللَّهِ , وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ:
[البحر الرجز]
وَكَيْفَ أَضْوَى وَبِلَالٌ حِزْبِي
يَعْنِي بِقَوْلِهِ أَضْوَى: أُسْتَضْعَفُ وَأُضَامُ , مِنَ الشَّيْءِ الضَّاوِي.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: وَبِلَالٌ حِزْبِي , يَعْنِي نَاصِرِي
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 57] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 104] أَيْ " صَدَّقُوا
اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴿لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 57] يَعْنِي الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ , وَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِمُ الْكُتُبُ مِنْ قَبْلِ بَعْثِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ قَبْلِ نُزُولِ كِتَابِنَا أَوْلِيَاءَ.
يَقُولُ: لَا تَتَّخِذُوهُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْصَارًا وَإِخْوَانًا وَحُلَفَاءَ , فَإِنَّهُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَإِنْ أَظْهَرُوا لَكُمْ مَوَدَّةً وَصَدَاقَةً.
وَكَانَ اتِّخَاذُ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُمُ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا الدِّينَ عَلَى مَا وَصَفَهُمْ بِهِ رَبُّنَا تَعَالَى ذِكْرُهُ , أَنَّ أَحَدَهُمْ كَانَ يُظْهِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ الْإِيمَانَ وَهُوَ عَلَى كُفْرِهِ مُقِيمٌ , ثُمَّ يُرَاجِعُ الْكُفْرَ بَعْدَ يَسِيرٍ مِنَ الْمُدَّةِ بِإِظْهَارِ ذَلِكَ بِلِسَانِهِ قَوْلًا بَعْدَ أَنْ كَانَ يُبْدِي بِلِسَانِهِ الْإِيمَانَ قَوْلًا وَهُوَ لِلْكُفْرِ مُسْتَبْطِنٌ , تَلَعُّبًا بِالدِّينِ وَاسْتِهْزَاءً بِهِ , كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ فِعْلِ بَعْضِهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ جَاءَ الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ , وَأَبُو كُرَيْبٍ , قَالَا: ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ , قَالَ: ثني ابْنُ إِسْحَاقَ , قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ , قَالَ: ثني سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةُ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: كَانَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ وَسُوَيْدُ بْنُ
الْحَارِثِ قَدْ أَظْهَرَا الْإِسْلَامَ , ثُمَّ نَافَقَا , وَكَانَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُوَادُّونَهُمَا , فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: 57] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: 61] " فَقَدْ أَبَانَ هَذَا الْخَبَرُ عَنْ صِحَّةِ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ اتِّخَاذَ مَنِ اتَّخَذَ دِينَ اللَّهِ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ , إِنَّمَا كَانَ بِالنِّفَاقِ مِنْهُمْ وَإِظْهَارِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ الْإِيمَانَ وَاسْتِبْطَانِهِمُ الْكُفْرَ وَقِيلِهِمْ لِشَيَاطِينِهِمْ مِنَ الْيَهُودِ إِذَا خَلَوْا بِهِمْ: إِنَّا مَعَكُمْ.
فنَهَى اللَّهُ عَنْ مُوادَّتِهِمْ وَمُحَالَفَتِهِمْ , وَالتَّمَسُّكِ بِحِلْفِهِمْ وَالِاعْتِدَادِ بِهِمْ أَوْلِيَاءَ , وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَأْلُونَهُمْ خَبَالًا , وَفِي دِينِهِمْ طَعْنًا وَعَلَيْهِ إِزْرَاءً.
وَأَمَّا الْكُفَّارُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: 57] فَإِنَّهُمُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ نَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَّخِذُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَسَائِرِ أَهْلِ الْكُفْرِ أَوْلِيَاءَ دُونَ الْمُؤْمِنِينَ
وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِيمَا: حَدَّثَنِي بِهِ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ , قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ , قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ , عَنْ هَارُونَ , عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ: «مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا» فَفِي هَذَا بَيَانُ صِحَّةِ التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلْنَاهُ فِي ذَلِكَ " وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ
وَالْكُوفَةِ: «وَالْكُفَّارِ أَوْلِيَاءَ» بِخَفْضِ الْكُفَّارِ , بِمَعْنَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ , وَمِنَ الْكُفَّارِ أَوْلِيَاءَ.
وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِيمَا بَلَغَنَا: «مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الْكُفَّارِ أَوْلِيَاءَ» وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ: ﴿وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: 57] بِالنَّصْبِ , بِمَعْنَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا وَالْكُفَّارَ , عَطْفًا بِالْكُفَّارِ عَلَى الَّذِينَ اتَّخَذُوا.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى صَحِيحَتَا الْمَخْرَجِ , قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءٌ مِنَ الْقُرَّاءَ , فَبِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئُ فَقَدْ أَصَابَ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ اتِّخَاذِ وَلِيٍّ مِنَ الْكُفَّارِ نَهْيٌ عَنِ اتِّخَاذِ جَمِيعِهِمْ أَوْلِيَاءَ , وَالنَّهْيَ عَنِ اتِّخَاذِ جَمِيعِهِمْ أَوْلِيَاءَ نَهْيٌ عَنِ اتِّخَاذِ بَعْضِهِمْ وَلِيًّا.
وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ مُشْكَلٍ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِذَا حَرَّمَ اتِّخَاذَ وَلِيٍّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ , أَنَّهُ لَمْ يُبِحْ لَهُمُ اتِّخَاذَ جَمِيعِهِمْ أَوْلِيَاءَ , وَلَا إِذَا حَرَّمَ اتِّخَاذَ جَمِيعِهِمْ أَوْلِيَاءَ أَنَّهُ لَمْ يُخَصِّصْ إِبَاحَةَ اتِّخَاذِ بَعْضِهِمْ وَلِيًّا , فَيَجِبُ مِنْ أَجْلِ إِشْكَالِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ طَلَبُ الدَّلِيلِ عَلَى أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَسَوَاءٌ قَرَأَ الْقَارِئُ بِالْخَفْضِ أَوْ بِالنَّصْبِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْعِلَّةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 57] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَخَافُوا اللَّهَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ
فِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَمِنَ الْكُفَّارِ أَنْ تَتَّخِذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَنُصَرَاءَ , وَارْهَبُوا عُقُوبَتَهُ فِي فِعْلِ ذَلِكَ إِنْ فَعَلْتُمُوهُ بَعْدَ تَقَدُّمِهِ إِلَيْكُمْ بِالنَّهْيِ عَنْهُ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَتُصَدِّقُونَهُ عَلَى وَعِيدِهِ عَلَى مَعْصِيَتِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا نَادَيَتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: 58] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِذَا أَذَّنُ مُؤَذِّنُكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِالصَّلَاةِ , سَخِرَ مِنْ دَعْوَتِكُمْ إِلَيْهَا هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ , وَلَعِبُوا مِنْ ذَلِكَ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾
[المائدة: 58] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ فِعْلَهُمُ الَّذِي يَفْعَلُونَهُ , وَهُوَ هُزْؤُهُمْ وَلَعِبُهُمْ مِنَ الدُّعَاءِ إِلَى الصَّلَاةِ , إِنَّمَا يَفْعَلُونَهُ بِجَهْلِهِمْ بِرَبِّهِمْ , وَأَنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ مَا لَهُمْ فِي إِجَابَتِهِمْ إِنْ أَجَابُوا إِلَى الصَّلَاةِ وَمَا عَلَيْهِمْ فِي اسْتِهْزَائِهِمْ وَلَعِبِهِمْ بِالدَّعْوَةِ إِلَيْهَا , وَلَوْ عَقَلُوا مَا لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعِقَابِ مَا فَعَلُوهُ.
وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ السُّدِّيِّ فِي تَأْوِيلِهِ مَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: 58] كَانَ رَجُلٌ مِنَ النَّصَارَى بِالْمَدِينَةِ إِذَا سَمِعَ الْمُنَادِيَ يُنَادِي: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ , قَالَ: حُرِّقَ الْكَاذِبُ فَدَخَلَتْ خَادِمُهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي بِنَارٍ وَهُوَ نَائِمٌ وَأَهْلُهُ نِيَامٌ , فَسَقَطَتْ شَرَارَةٌ , فَأَحْرَقَتِ الْبَيْتَ , فَاحْتَرَقَ هُوَ وَأَهْلُهُ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا
أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ} [المائدة: 59] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لَأَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ , هَلْ تَكْرَهُونَ مِنَّا أَوْ تَجِدُونَ عَلَيْنَا حَتَّى تَسْتَهْزِئُوا بِدِينِنَا إِذَا أَنْتُمْ إِذَا نَادَيْنَا إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذْتُمْ نِدَاءَنَا ذَلِكَ هُزُوًا وَلَعِبًا ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: 59] يَقُولُ: " إِلَّا أَنْ صَدَّقْنَا وَأَقْرَرْنَا بِاللَّهِ فَوَحَّدْنَاهُ , وَبِمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الْكِتَابِ , وَمَا أُنْزِلَ إِلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ مِنَ الْكُتُبِ مِنْ قَبْلِ كِتَابِنَا.
﴿وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 59] يَقُولُ: " إِلَّا أَنَّ أَكْثَرَكُمْ مُخَالِفُونَ أَمْرَ اللَّهِ , خَارِجُونَ عَنْ طَاعَتِهِ , تَكْذِبُونَ عَلَيْهِ.
وَالْعَرَبُ تَقُولُ: نَقَمْتُ عَلَيْكَ كَذَا أَنْقِمُ وَبِهِ قَرَأَ الْقُرَّاءَ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَغَيْرِهِمْ وَنَقِمْتُ أَنْقَمُ لُغَتَانِ , وَلَا نَعْلَمُ قَارِئًا قَرَأَ بِهَا بِمَعْنَى وَجَدْتُ وَكَرِهْتُ , وَمِنْهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ الرُّقَيَّاتِ:
[البحر المنسرح]
مَا نَقِمُوا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ إِلَّـ ... ـا أَنَّهُمْ يَحْلُمُونَ إِنْ غَضِبُوا
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ قَوْمٍ مِنَ الْيَهُودِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ , قَالَ: ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ , قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ , قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ , قَالَ: ثني سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةُ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَرٌ مِنَ الْيَهُودِ فِيهِمْ أَبُو يَاسِرِ بْنُ
أَخْطَبَ , وَرَافِعُ بْنُ أَبِي رَافِعٍ , وَعَازَرٌ , وَزَيْدٌ وَخَالِدٌ , وَأَزَارُ بْنُ أَبِي أَزَارٍ , وَأَشْيَعُ , فَسَأَلُوهُ عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ؟ قَالَ: «أُومِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ , وَمَا أُوتِي مُوسَى وَعِيسَى , وَمَا أُوتِي النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ , لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ» فَلَمَّا ذَكَرَ عِيسَى جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ وَقَالُوا: لَا نُؤْمِنُ بِمَنْ آمَنَ بِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 59] " عَطْفًا بِهَا عَلَى أَنَّ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: 59] لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا إِيمَانَنَا بِاللَّهِ وَفِسْقَكُمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 60] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا
وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الْكِتَابِ بِشَرٍّ مِنْ ثَوَابِ مَا تَنْقِمُونَ مِنَّا مِنْ إِيمَانِنَا بِاللَّهِ , وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ , وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِنَا مِنْ كُتُبِهِ؟ غَيْرَ أَنَّ الْعَيْنَ لَمَّا سُكِّنَتْ , نُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلَى الْفَاءِ , وَهِيَ الثَّاءُ مِنْ مَثُوبَةً , فَخَرَجَتْ مَخْرَجَ مَقُولَةٍ , وَمَحُورَةٍ , وَمَضُوفَةٍ ,
كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الطويل] وَكُنْتُ إِذَا جَارِي دَعَا لِمَضُوفَةٍ ... أُشَمِّرُ حَتَّى يَنْصُفَ السَّاقَ مِئْزَرِي وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ [المائدة: 60] يَقُولُ: «ثَوَابًا عِنْدَ اللَّهِ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ [المائدة: 60] قَالَ: " الْمَثُوبَةُ: الثَّوَابُ , مَثُوبَةُ الْخَيْرِ وَمَثُوبَةُ الشَّرِّ , وَقَرَأَ: «شَرٌّ ثَوَابًا» وَأَمَّا مَنْ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [المائدة: 60] فَإِنَّهُ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ [المائدة: 60] فَكَأَنَّ تَأْوِيلَ الْكَلَامِ إِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ بِمَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ.
وَلَوْ قِيلَ هُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ لَكَانَ صَوَابًا عَلَى الِاسْتِئْنَافِ , بِمَعْنَى: ذَلِكَ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ , أَوْ هُوَ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ.
وَلَوْ قِيلَ هُوَ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ لَمْ يَكُنْ فَاسِدًا , بِمَعْنَى: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ مَنْ
لَعَنَهُ اللَّهُ , فَيَجْعَلُ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَا فِي مِنْ وَاقِعًا عَلَيْهِ.
وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ [المائدة: 60] فَإِنَّهُ يَعْنِي: مَنْ أَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَسْحَقَهُ مِنْ رَحْمَتِهِ وَغَضِبَ عَلَيْهِ.
﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ [المائدة: 60] يَقُولُ: " وَغَضِبَ عَلَيْهِ , وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْمُسُوخَ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ , غَضَبًا مِنْهُ عَلَيْهِمْ وَسَخَطًا , فَعَجَّلَ لَهُمُ الْخِزْيَ وَالنَّكَالَ فِي الدُّنْيَا.
وَأَمَّا سَبَبُ مَسْخِ اللَّهِ مَنْ مَسَخَ مِنْهُمْ قِرَدَةً فَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَهُ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا , وَسَنَذْكُرُ بَقِيَّتَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي مَكَانٍ غَيْرِ هَذَا.
وَأَمَّا سَبَبُ مَسْخِ اللَّهِ مَنْ مَسَخَ مِنْهُمْ خَنَازِيرَ , فَإِنَّهُ كَانَ فِيمَا:
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ , عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ , عَنْ عَمْرِو بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ , مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ , قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ الْمَسْخِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْخَنَازِيرِ كَانَ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى بَنِي إِسْرَائِيلَ , وَكَانَ فِيهَا مَلِكُ بَنِي إِسْرَائِيلَ , وَكَانُوا قَدِ اسْتَجْمَعُوا عَلَى الْهَلَكَةِ , إِلَّا أَنَّ تِلْكَ الْمَرْأَةَ كَانَتْ عَلَى بَقِيَّةٍ مِنَ الْإِسْلَامِ مُتَمَسِكَّةً بِهِ , فَجَعَلَتْ تَدْعُو إِلَى اللَّهِ حَتَّى إِذَا اجْتَمَعَ إِلَيْهَا نَاسٌ فَتَابَعُوهَا عَلَى أَمْرِهَا , قَالَتْ لَهُمْ: إِنَّهُ لَا بُدَّ لَكُمْ مِنْ أَنْ تُجَاهِدُوا عَنْ دِينِ اللَّهِ وَأَنْ تُنَادُوا قَوْمَكُمْ بِذَلِكَ , فَاخْرُجُوا فَإِنِّي خَارِجَةٌ.
فَخَرَجَتْ وَخَرَجَ إِلَيْهَا ذَلِكَ الْمَلِكُ فِي النَّاسِ , فَقَتَلَ أَصْحَابَهَا جَمِيعًا , وَانْفَلَتَتْ مِنْ بَيْنِهِمْ.
قَالَ: وَدَعَتْ إِلَى اللَّهِ حَتَّى تَجَمَّعَ النَّاسُ إِلَيْهَا , حَتَّى إِذَا رَضِيتُ مِنْهُمْ أَمَرَتْهُمْ بِالْخُرُوجِ , فَخَرَجُوا وَخَرَجَتْ مَعَهُمْ , وَأُصِيبُوا جَمِيعًا وَانْفَلَتَتْ مِنْ بَيْنِهِمْ.
ثُمَّ دَعَتْ إِلَى اللَّهِ , حَتَّى إِذَا اجْتَمَعَ إِلَيْهَا رِجَالٌ اسْتَجَابُوا لَهَا ,
أَمَرَتْهُمْ بِالْخُرُوجِ , فَخَرَجُوا وَخَرَجَتْ , فَأُصِيبُوا جَمِيعًا , وَانْفَلَتَتْ مِنْ بَيْنِهِمْ.
فَرَجَعَتْ وَقَدْ أَيِسَتْ , وَهِيَ تَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ , لَوْ كَانَ لِهَذَا الدِّينِ وَلِيُّ وَنَاصِرٌ لَقَدْ أَظْهَرَهُ بَعْدُ.
قَالَ: فَبَاتَتْ مَحْزُونَةً , وَأَصْبَحَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ يَسْعَوْنَ فِي نَوَاحِيهَا خَنَازِيرَ وَقَدْ مَسَخَهُمُ اللَّهُ فِي لَيْلَتِهِمْ تِلْكَ , فَقَالَتْ حِينَ أَصْبَحَتْ وَرَأَتْ مَا رَأَتِ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَزَّ دِينَهُ وَأَمَرَ دِينَهُ.
قَالَ: فَمَا كَانَ مَسْخُ الْخَنَازِيرِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا عَلَى يَدَيْ تِلْكَ الْمَرْأَةِ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ: ثنا عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ [المائدة: 60] قَالَ: «مُسِخَتْ مِنْ يَهُودَ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , مِثْلَهُ وَلِلْمَسْخِ سَبَبٌ فِيمَا ذَكَرَ غَيْرُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ سَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ