تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 648-657

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: 59] فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَمَا نُرْسِلُ بِالْعِبَرِ وَالذِّكْرِ إِلَّا تَخْوِيفًا لِلْعِبَادٍ، كَمَا:

صفحات 648-657
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ، وَيَعْقُوبُ، قَالَا: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: 60] قَالَ: شَجَرَةُ الزَّقُّومِ حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: 60] فَإِنَّ قُرَيْشًا كَانُوا يَأْكُلُونَ التَّمْرَ وَالزُّبْدَ، وَيَقُولُونَ: تَزَقَّمُوا هَذَا الزَّقُّومَ.
قَالَ أَبُو رَجَاءٍ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْقُدُّوسِ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: فَوَصَفَهَا اللَّهُ لَهُمْ فِي الصَّافَّاتِ

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا هَوْذَةُ، قَالَ: ثنا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ وَكُفَّارُ أَهْلِ مَكَّةَ: أَلَيْسَ مِنْ كِذْبِ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ أَنَّهُ يُوعِدُكُمْ بِنَارٍ تَحْتَرِقُ فِيهَا الْحِجَارَةُ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُ يَنْبُتُ فِيهَا شَجَرَةٌ؟ ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: 60] قَالَ:

هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ

حَدَّثَنِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، قَالَ: ثنا عَبْثَرٌ، قَالَ: ثنا حُصَيْنٌ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: 60] قَالَ: شَجَرَةُ الزَّقُّومِ

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، قَالَ فِي قَوْلِهِ ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: 60] قَالَ: هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ رَجُلٍ، يُقَالُ لَهُ بَدْرٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: شَجَرَةُ الزَّقُّومِ

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّارِ، قَالَ: سُئِلَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ الشَّجَرَةِ الْمَلْعُونَةِ، قَالَ: شَجَرَةُ الزَّقُّومِ

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ الْعَزْرَمِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾ [الإسراء: 60] قَالَ: شَجَرَةُ الزَّقُّومِ حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بِمِثْلِهِ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثني الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: 60] قَالَ: الزَّقُّومُ

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ أَبِي الْمُحَجَّلِ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُ كَانَ يَحْلِفُ مَا يَسْتَثْنِي أَنَّ الشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ: شَجَرَةُ الزَّقُّومِ

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ فُرَاتٍ الْقَزَّازٍ، قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ الشَّجَرَةِ الْمَلْعُونَةِ فِي الْقُرْآنِ، قَالَ: شَجَرَةُ الزَّقُّومِ

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: هِيَ الزَّقُّومُ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 60] وَهِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، خَوَّفَ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ، فَافْتَتَنُوا بِذَلِكَ، حَتَّى قَالَ قَائِلُهُمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ زَعَمَ صَاحِبُكُمْ هَذَا أَنَّ فِيَ النَّارِ شَجَرَةً، وَالنَّارُ تَأْكُلُ الشَّجَرَ، وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ الزَّقُّومَ إِلَّا التَّمْرُ وَالزُّبْدُ، فَتَزَقَّمُوا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى حِينَ عَجِبُوا أَنْ يَكُونَ فِي النَّارِ شَجَرَةٌ: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ إِنِّي خَلَقْتُهَا مِنَ النَّارِ، وَعَذَّبْتُ بِهَا مَنْ شِئْتُ مِنْ عِبَادِي

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: 60] قَالَ: الزَّقُّومُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا: يُخْبِرُنَا هَذَا أَنَّ فِيَ النَّارِ شَجَرَةً، وَالنَّارُ تَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى لَا تَدَعُ مِنْهُ شَيْئًا، وَذَلِكَ فِتْنَةٌ

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: 60] قَالَ: شَجَرَةُ الزَّقُّومِ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: 60] الزَّقُّومُ الَّتِي سَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يَمْلَأَ بُيُوتَهُمْ مِنْهَا.
وَقَالَ: هِيَ الصَّرَفَانُ بِالزُّبْدِ تَتَزَقَّمُهُ، وَالصَّرَفَانُ: صِنْفٌ مِنَ التَّمْرِ.
قَالَ: وَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: هِيَ الصَّرَفَانُ بِالزُّبْدِ، وَافْتَتَنُوا بِهَا وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ الْكَشُوثُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ، حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ، أَرْسَلَهُ إِلَى ابْنِ

عَبَّاسٍ، يَسْأَلُهُ عَنِ الشَّجَرَةِ الْمَلْعُونَةِ، فِي الْقُرْآنِ؟ قَالَ: هِيَ هَذِهِ الشَّجَرَةُ الَّتِي تُلْوَى عَلَى الشَّجَرَةِ، وَتُجْعَلُ فِي الْمَاءِ، يَعْنِي الْكَشُوثِي وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدَنَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى بِهَا شَجَرَةَ الزَّقُّومِ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى ذَلِكَ.
وَنُصِبَتِ الشَّجَرَةُ الْمَلْعُونَةُ عَطْفَا بِهَا عَلَى الرُّؤْيَا.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسٍ، فَكَانَتْ فِتْنَتُهُمْ فِي الرُّؤْيَا مَا ذَكَرْتُ مِنَ ارْتِدَادِ مَنِ ارْتَدَّ، وَتَمَادِي أَهْلِ الشِّرْكِ فِي شِرْكِهِمْ، حِينَ أَخْبَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا أَرَاهُ اللَّهُ فِي مَسِيرِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ.
وَكَانَتْ فِتْنَتُهُمْ فِي الشَّجَرَةِ الْمَلْعُونَةِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْلِ أَبِي جَهْلٍ وَالْمُشْرِكِينَ مَعَهُ: يُخْبِرُنَا مُحَمَّدٌ أَنَّ فِيَ النَّارِ شَجَرَةً نَابِتَةً، وَالنَّارُ تَأْكُلُ الشَّجَرَ فَكَيْفَ تَنْبُتُ فِيهَا؟

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 60] يَقُولُ: وَنُخَوِّفُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِمَا نَتَوَعَّدُهُمْ مِنَ الْعُقُوبَاتِ وَالنَّكَالِ، فَمَا يَزِيدُهُمْ تَخْوِيفُنَا إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا، يَقُولُ: إِلَّا تَمَادِيًا وَغِيًّا كَبِيرًا فِي كُفْرِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمَّا خُوِّفُوا بِالنَّارِ الَّتِي طَعَامُهُمْ فِيهَا الزَّقُّومُ دُعُوا بِالتَّمْرِ وَالزُّبْدِ،

وَقَالُوا: تَزَقَّمُوا مِنْ هَذَا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَعْضِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ، وَنَذْكُرُ بَعْضَ مَنْ بَقِيَ.
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، قَالَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾ [الإسراء: 60] قَالَ: طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ، وَالشَّيَاطِينُ مَلْعُونُونَ.
قَالَ ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ [الإسراء: 60] لَمَّا ذَكَرَهَا زَادَهُمُ افْتِتَانًا وَطُغْيَانًا، قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدَهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 60]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلَيْلًا﴾ [الإسراء: 62] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ تَمَادِي هَؤُلَاءِ

الْمُشْرِكِينَ فِي غِيِّهِمْ وَارْتِدَادِهِمْ عُتُوًّا عَلَى رَبِّهِمْ بِتَخْوِيفِهِ إِيَّاهُمْ تَحْقِيقَهُمْ قَوْلَ عَدُوِّهِمْ وَعَدُوِّ وَالِدِهِمْ، حِينَ أَمَرَهُ رَبُّهُ بِالسُّجُودِ لَهُ فَعَصَاهُ وَأَبَى السُّجُودَ لَهُ، حَسَدًا وَاسْتِكْبَارًا ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 62] وَكَيْفَ صَدَّقُوا ظَنَّهُ فِيهِمْ، وَخَالَفُوا أَمْرَ رَبِّهِمْ وَطَاعَتِهِ، وَاتَّبَعُوا أَمْرَ عَدُوِّهِمْ وَعَدُوِّ وَالِدِهِمْ

وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: 34] وَاذْكُرْ إِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة: 34] فَإِنَّهُ اسْتَكْبَرَ وَقَالَ ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: 61] يَقُولُ: لِمَنْ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ، فَلَمَّا حُذِفَتْ «مِنْ» تَعَلَّقَ بِهِ قَوْلُهُ ﴿خَلَقْتَ﴾ [آل عمران: 191]

فَنُصِبَ، يَفْتَخِرُ عَلَيْهِ الْجَاهِلُ بِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِنْ طِينٍ.
كَمَا:

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَعْقُوبُ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَعَثَ رَبُّ الْعِزَّةِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِبْلِيسَ، فَأَخَذَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ، مِنْ عَذْبِهَا وَمِلْحِهَا، فَخَلَقَ مِنْهُ آدَمَ، فَكُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِنْ عَذْبِهَا فَهُوَ صَائِرٌ إِلَى السَّعَادَةِ وَإِنْ كَانَ ابْنُ كَافِرَيْنِ، وَكُلُّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِنْ مِلْحِهَا فَهُوَ صَائِرٌ إِلَى الشَّقَاوَةِ وَإِنْ كَانَ ابْنُ نَبِيَّيْنِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ إِبْلِيسُ ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: 61] أَيْ هَذِهِ الطِّينَةُ أَنَا جِئْتُ بِهَا، وَمِنْ ثَمَّ سُمِّيَ آدَمُ.
لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ

وَقَوْلُهُ: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: 62] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَرَأَيْتَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ، فَأَمَرَتْنِي بِالسُّجُودِ لَهُ، وَيَعْنِي بِذَلِكَ آدَمَ ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ﴾ [الإسراء: 62] أَقْسَمَ عَدُوُّ اللَّهِ، فَقَالَ لِرَبِّهِ: لَئِنْ أَخَّرْتَ إِهْلَاكِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 62] يَقُولُ: لَأَسْتَوْلِيَنَّ عَلَيْهِمْ، وَلَأَسْتَأْصِلَنَّهُمْ،

وَلَأَسْتَمِيلَنَّهُمْ.
يُقَالُ مِنْهُ: احْتَنَكَ فُلَانٌ مَا عِنْدَ فُلَانٍ مِنْ مَالٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [البحر الرجز] نَشْكُو إِلَيْكَ سَنَةً قَدْ أَجْحَفَتْ جَهْدًا إِلَى جَهْدٍ بِنَا فَأَضْعَفَتْ وَاحْتَنَكَتْ أَمْوَالَنَا وَجَلَّفَتْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي

الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 62] قَالَ: لَأَحْتَوِيَنَّهُمْ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 62] يَقُولُ: لَأَسْتَوْلِيَنَّ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 62] قَالَ: لَأُضِلَّنَّهُمْ وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ فَإِنَّهَا مُتَقَارِبَاتُ الْمَعْنَى، لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ وَالِاحْتِوَاءَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَإِذَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِمْ فَقَدْ أَضَلَّهُمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ [الإسراء: 63] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَالَ اللَّهُ لِإِبْلِيسَ إِذْ قَالَ لَهُ ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 62] اذْهَبْ فَقَدْ أَخَّرْتُكَ، فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ، يَعْنِي مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَأَطَاعَكَ، فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكَ

وَجَزَاؤُهُمْ، يَقُولُ: ثَوَابُكَ

عَلَى دُعَائِكَ إِيَّاهُمْ عَلَى مَعْصِيَتِي، وَثَوَابُهُمْ عَلَى اتِّبَاعِهِمْ إِيَّاكَ وَخِلَافِهِمْ أَمْرِي ﴿جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ [الإسراء: 63] يَقُولُ: ثَوَابًا مَكْثُورًا مُكَمِّلًا.
كَمَا:

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ [الإسراء: 63] عَذَابُ جَهَنَّمَ جَزَاؤُهُمْ، وَنِقْمَةٌ مِنَ اللَّهِ مِنْ أَعْدَائِهِ فَلَا يَعْدِلُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا شَيْءٌ

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ [الإسراء: 63] قَالَ: وَافِرًا

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿مَوْفُورًا﴾ [الإسراء: 63] قَالَ: وَافِرًا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجْلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء: 64] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ ﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾ [الإسراء: 64] وَاسْتَخْفِفْ وَاسْتَجهِلْ، مِنْ

قَوْلِهِمْ: اسْتَفَزَّ فُلَانًا كَذَا وَكَذَا فَهُوَ يَسْتَفِزُّهُ ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: 64] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الصَّوْتِ الَّذِي عَنَاهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: 64] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِهِ: صَوْتَ الْغِنَاءِ وَاللَّعِبِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: 64] قَالَ: بِاللَّهْوِ وَالْغِنَاءِ

حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ لَيْثًا يَذْكُرُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: 64] قَالَ: اللَّعِبُ وَاللُّهْوُ وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِهِ ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ﴾ [الإسراء: 64] بِدُعَائِكَ إِيَّاهُ إِلَى طَاعَتِكَ وَمَعْصِيَةِ اللَّهِ

جارٍ التحميل