وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: 14] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الصَّانِعِينَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: 14] قَالَ: «يَصْنَعُونَ وَيَصْنَعُ اللَّهُ، وَاللَّهُ خَيْرُ الصَّانِعِينَ» وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا قِيلَ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: 14] لِأَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَانَ يَخْلُقُ، فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يَخْلُقُ أَحْسَنَ مِمَّا كَانَ يَخْلُقُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: 14] قَالَ: عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَخْلُقُ " وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي كُلَّ صَانِعٍ خَالِقًا؛ وَمِنْهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: [البحر الكامل]
وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْـ ... ـضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي وَيُرْوَى: وَلَأَنْتَ تَخْلُقُ مَا فَرَيْتَ وَبَعْـ ... ــضُ الْقَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 16] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ بَعْدِ إِنْشَائِكُمْ خَلْقًا آخَرَ وَتَصْيِيرِنَاكُمْ إِنْسَانًا سَوِيًّا مَيِّتُونَ وَعَائِدُونَ تُرَابًا كَمَا كُنْتُمْ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ مَوْتِكُمْ وَعَوْدِكُمْ رُفَاتًا بَالِيًا مَبْعُوثُونَ مِنَ التُّرَابِ خَلْقًا
جَدِيدًا كَمَا بَدَأْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
وَإِنَّمَا قِيلَ: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون: 15] لِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ حَالٍ لَهُمْ يَحْدُثُ لَمْ يَكُنْ.
وَكَذَلِكَ تَقُولُ الْعَرَبُ لِمَنْ لَمْ يَمُتْ: هُوَ مَائِتٌ وَمَيِّتٌ عَنْ قَلِيلٍ، وَلَا يَقُولُونَ لِمَنْ قَدْ مَاتَ مَائِتٌ، وَكَذَلِكَ هُوَ طَمِعٌ فِيمَا عِنْدَكَ إِذَا وُصِفَ بِالطَّمَعِ، فَإِذَا أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ سَيَفْعَلُ وَلَمْ يَفْعَلْ قِيلَ هُوَ طَامِعٌ فِيمَا عِنْدَكَ غَدًا، وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَا كَانَ نَظِيرًا لِمَا ذَكَرْنَاهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقِكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ [المؤمنون: 17] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ بَعْضُهُنَّ فَوْقَ بَعْضٍ؛ وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ شَيْءٍ فَوْقَ شَيْءٍ طَرِيقَةً.
وَإِنَّمَا قِيلَ لِلسَّمَاوَاتِ السَّبْعِ سَبْعَ طَرَائِقَ، لِأَنَّ بَعْضَهُنَّ فَوْقَ بَعْضٍ، فَكُلُّ سَمَاءٍ
مِنْهُنَّ طَرِيقَةٌ
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ [المؤمنون: 17] قَالَ: " الطَّرَائِقُ: السَّمَاوَاتُ "
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ [المؤمنون: 17] يَقُولُ: وَمَا كُنَّا فِي خَلْقِنَا السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ فَوْقَكُمْ عَنْ خَلْقِنَا الَّذِي تَحْتَهَا غَافِلِينَ، بَلْ كُنَّا لَهُمْ حَافِظَيْنَ مِنْ أَنْ تَسْقُطَ عَلَيْهِمْ فَتُهْلِكَهُمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: 18] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ مَاءٍ، فَأَسْكَنَّاهُ فِيهَا
كَمَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون: 18] «مَاءٌ هُوَ مِنَ السَّمَاءِ»
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: 18] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَإِنَّا عَلَى الْمَاءِ الَّذِي أَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ لَقَادِرُونَ أَنْ نَذْهَبَ بِهِ فَتَهْلَكُوا أَيُّهَا النَّاسُ عَطَشًا , وَتَخْرَبَ أَرَضُوكُمْ، فَلَا تُنْبِتُ زَرْعًا وَلَا غَرْسًا، وَتَهْلَكَ مَوَاشِيكُمْ، يَقُولُ: فَمِنْ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ تَرْكِي ذَلِكَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ جَارِيًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلِ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [المؤمنون: 19] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَأَحْدَثْنَا لَكُمْ بِالْمَاءِ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ، بَسَاتِينَ مِنْ نَخِيلِ
وَأَعْنَابٍ ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾ [الأعراف: 10] يَقُولُ: لَكُمْ فِي الْجَنَّاتِ فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ.
﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: 5] يَقُولُ: وَمِنَ الْفَوَاكِهِ تَأْكُلُونَ.
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ وَالْأَلِفُ مِنْ ذِكْرِ الْجَنَّاتِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ ذِكْرِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ وَخَصَّ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْجَنَّاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَوَصَفَهَا بِأَنَّهَا مِنْ نَخِيلِ وَأَعْنَابٍ دُونَ وَصْفِهَا بِسَائِرِ ثِمَارِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الثِّمَارِ كَانَا هُمَا أَعْظَمَ ثِمَارِ الْحِجَازِ وَمَا قَرُبَ مِنْهَا، فَكَانَتِ النَّخِيلُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالْأَعْنَابُ لِأَهْلِ الطَّائِفِ، فَذَكَّرَ الْقَوْمَ بِمَا يَعْرِفُونَ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، بِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ ثِمَارِهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: 20] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَنْشَأْنَا لَكُمْ أَيْضًا شَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ وَ ﴿شَجَرَةً﴾ [طه: 120] مَنْصُوبَةٌ عَطْفًا عَلَى ﴿الْجَنَّاتِ﴾ [الشورى: 22] ، وَيَعْنِي بِهَا: شَجَرَةَ الزَّيْتُونِ
وَقَوْلُهُ: ﴿تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ [المؤمنون: 20] يَقُولُ: تَخْرُجُ مِنْ جَبَلٍ يُنْبِتُ الْأَشْجَارَ.
وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى الطُّورِ فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ، وَاخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿سَيْنَاءَ﴾ [المؤمنون: 20] فَإِنَّ الْقُرَّاءَ اخْتَلَفَتْ فِي قِرَاءَتِهِ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: (سِينَاءَ) بِكَسْرِ
السِّينِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: ﴿سَيْنَاءَ﴾ [المؤمنون: 20] بِفَتْحِ السِّينِ، وَهُمَا جَمِيعًا مُجْمِعُونَ عَلَى مَدِّهَا،
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: الْمُبَارَكُ، كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَهُ: وَشَجَرَةٌ تَخْرُجُ مِنْ جَبَلٍ مُبَارَكٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾ [المؤمنون: 20] قَالَ: «الْمُبَارَكُ» حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ [المؤمنون: 20] قَالَ: «هُوَ جَبَلٌ بِالشَّامِ مُبَارَكٌ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: حَسَنٌ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ [المؤمنون: 20] قَالَ: «هُوَ جَبَلٌ حَسَنٌ»
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ [المؤمنون: 20] " الطُّورُ: الْجَبَلُ بِالنَّبَطِيَّةِ، وَسَيْنَاءُ: حَسَنَةٌ بِالنَّبَطِيَّةِ وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ اسْمُ جَبَلٍ مَعْرُوفٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ [المؤمنون: 20] قَالَ: «الْجَبَلُ الَّذِي نُودِيَ مِنْهُ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿طُورِ سَيْنَاءَ﴾ [المؤمنون: 20] قَالَ: «هُوَ جَبَلُ الطُّورِ الَّذِي بِالشَّامِ، جَبَلٌ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ» قَالَ: «مَمْدُودٌ، هُوَ بَيْنَ مِصْرَ وَبَيْنَ أَيْلَةَ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: أَنَّهُ جَبَلٌ ذُو شَجَرٍ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَمَّنْ قَالَهُ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ سَيْنَاءَ اسْمٌ أُضِيفَ إِلَيْهِ الطُّورُ يُعْرَفُ بِهِ، كَمَا قِيلَ جَبَلَا طَيِّئٍ، فَأُضِيفَا إِلَى طَيِّئٍ، وَلَوْ كَانَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ مَنْ قَالَ مَعْنَاهُ جَبَلٌ مُبَارَكٌ، أَوْ كَمَا قَالَ مَنْ قَالَ مَعْنَاهُ حَسَنٌ، لَكَانَ الطُّورُ مُنَوَّنًا، وَكَانَ قَوْلُهُ ﴿سَيْنَاءَ﴾ [المؤمنون: 20] مِنْ نَعْتِهِ.
عَلَى أَنَّ سَيْنَاءَ بِمَعْنَى: مُبَارَكٌ وَحَسَنٌ، غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فَيُجْعَلُ ذَلِكَ مِنْ نَعْتِ الْجَبَلِ، وَلَكِنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، مِنْ أَنَّهُ جَبَلٌ عُرِفَ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ الْجَبَلُ الَّذِي نُودِيَ مِنْهُ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُبَارَكٌ، لَا أَنَّ مَعْنَى سَيْنَاءَ مَعْنَى مُبَارَكٍ
وَقَوْلُهُ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: 20] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿تَنْبُتُ﴾ [البقرة: 61] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ: ﴿تَنْبُتُ﴾ [البقرة: 61] بِفَتْحِ التَّاءِ، بِمَعْنَى: تَنْبُتُ هَذِهِ الشَّجَرَةُ بِثَمَرِ الدُّهْنِ، وَقَرَأَهُ يَعَضُّ قُرَّاءِ الْبَصْرَةِ: (تُنْبِتُ) بِضَمِّ التَّاءِ، بِمَعْنَى: تُنْبِتُ الدُّهْنَ: تُخْرِجُهُ.
وَذُكِرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (تُخْرِجُ الدُّهْنَ)
وَقَالُوا: الْبَاءُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ زَائِدَةٌ، كَمَا قِيلَ: أَخَذْتُ ثَوْبَهُ وَأَخَذْتُ بِثَوْبِهِ؛ وَكَمَا قَالَ الرَّاجِزُ: [البحر الرجز]
نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أَرْبَابُ الْفَلَجْ ... نَضْرِبُ بِالْبِيضِ وَنَرْجُو بِالْفَرَجْ
بِمَعْنَى: وَنَرْجُو الْفَرَجَ.
وَالْقَوْلُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا لُغَتَانِ: نَبَتَ، وَأَنْبَتَ؛ وَمِنْ أَنْبَتَ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
[البحر الطويل]
رَأَيْتَ ذَوِي الْحَاجَاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ ... قَطِينًا لَهُمْ حَتَّى إِذَا أَنْبَتَ الْبَقْلُ
وَيُرْوَى: نَبَتَ، وَهُو كَقَوْلِهِ: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ [هود: 81] , وَ (فَاسْرِ) . غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْقِرَاءَةَ الَّتِي لَا أَخْتَارُ غَيْرَهَا فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: ﴿تَنْبُتُ﴾ [البقرة: 61] بِفَتْحِ التَّاءِ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا.
وَمَعْنَى ذَلِكَ: تَنْبُتُ هَذِهِ الشَّجَرَةُ بِثَمَرِ الدُّهْنِ
كَمَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: 20] قَالَ: «بِثَمِرِهِ» حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
وَالدُّهْنُ الَّذِي هُوَ مِنْ ثَمَرِهِ الزَّيْتُ
كَمَا: حَدَّثَنِي عَلِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: 20] يَقُولُ: «هُوَ الزَّيْتُ يُؤْكَلُ وَيُدْهَنُ بِهِ»