تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 546-556

وَقَوْلُهُ: ﴿أَصَلَاتُكَ﴾

صفحات 546-556
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

[هود: 87]

كَانَ الْأَعْمَشُ يَقُولُ فِي تَأْوِيلِهَا مَا: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، فِي قَوْلِهِ

: " ﴿أَصَلَاتُكَ﴾ [هود: 87] قَالَ: قِرَاءَتُكَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا، أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ، وَإِنَّمَا كَانَ شُعَيْبٌ نَهَاهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا فِي أَمْوَالِهِمْ مَا قَدْ ذَكَرْتُ أَنَّهُ نَهَاهُمْ عَنْهُ فِيهَا؟ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا تَوَهَّمْتَ " وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا، أَوْ أَنْ نُتْرَكَ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ: تَأْمُرُكَ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِذَا أَمَرَهُمْ وَقَالَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ نَحْوَ هَذَا الْقَوْلِ، قَالَ: وَفِيهَا وَجْهٌ آخَرَ يَجْعَلُ الْأَمْرَ كَالنَّهْيِ، كَأَنَّهُ قَالَ: أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ بِذَا وَتَنْهَانَا عَنْ ذَا؟ فَهِيَ حِينَئِذٍ مَرْدُودَةٌ عَلَى أَنَّ الْأُولَى مَنْصُوبَةٌ بِقَوْلِهِ «تَأْمُرُكَ» ، وَأَنَّ الثَّانِيَةَ مَنْصُوبَةٌ عَطَفًا بِهَا عَلَى «مَا» الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا يَعْبُدُ﴾ [هود: 87] وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، كَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ: أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ

آبَاؤُنَا، أَوْ أَنْ نُتْرَكَ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ؟ وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِ الْقُرَّاءِ أَنَّهُ قَرَأَهُ «مَا تَشَاءُ» ، فَمَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَلَا مُؤْنَةَ فِيهِ، وَكَانَتْ «أَنْ» الثَّانِيَةُ حِينَئِذٍ مَعْطُوفَةً عَلَى «أَنْ» الْأُولَى وَأَمَّا قَوْلُهُمْ لِشُعَيْبٍ: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: 87] فَإِنَّهُمْ أَعْدَاءُ اللَّهِ قَالُوا ذَلِكَ لَهُ اسْتِهْزَاءً بِهِ؛ وَإِنَّمَا سَفَّهُوهُ وَجَهِّلُوهُ بِهَذَا الْكَلَامِ.
وَبِمَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ " ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: 87] قَالَ: يَسْتَهْزِئُونَ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: 87] الْمُسْتَهْزِئُونَ يَسْتَهْزِئُونَ بِأَنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88]

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ شُعَيْبٌ لِقَوْمِهِ: يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيَانٍ وَبُرْهَانٍ مِنْ رَبِّي فِيمَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ، وَالْبَرَاءَةِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ، وَفِيمَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ مِنْ إِفْسَادِ الْمَالِ؛ ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [هود: 88] يَعْنِي حَلَالًا طَيِّبًا.
﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: 88] يَقُولُ: وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَنْهَاكُمْ عَنْ أَمْرٍ ثُمَّ أَفْعَلُ خِلَافَهُ، بَلْ لَا أَفْعَلُ إِلَّا بِمَا آمُرُكُمْ بِهِ، وَلَا أَنْتَهِي إِلَّا عَمَّا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: 88] يَقُولُ: لَمْ أَكُنْ لِأَنْهَاكُمْ عَنْ أَمْرٍ أَرْكَبُهُ أَوْ آتِيهِ " ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ﴾ [هود: 88] يَقُولُ: مَا أُرِيدُ فِيمَا آمُرُكُمْ بِهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْهُ، إِلَّا إِصْلَاحَكُمْ وَإِصْلَاحَ أَمْرِكُمْ ﴿مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: 88] يَقُولُ: مَا قَدَرْتُ عَلَى إِصْلَاحِهِ لِئَلَّا يَنَالَكُمْ مِنَ اللَّهِ عُقُوبَةً مُنَكِّلَةً، بِخِلَافِكُمْ أَمْرَهُ وَمَعْصِيَتِكُمْ رَسُولَهُ.
﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [هود: 88] يَقُولُ: وَمَا إِصَابَتِي الْحَقَّ فِي مُحَاوَلَتِي إِصْلَاحَكُمْ وَإِصْلَاحَ أَمْرِكُمْ إِلَّا بِاللَّهِ، فَإِنَّهُ هُوَ الْمُعِينُ عَلَى ذَلِكَ إِنْ لَا يُعِنِّي عَلَيْهِ لَمْ أُصِبِ الْحَقَّ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [هود: 88] يَقُولُ: إِلَى اللَّهِ أُفَوِّضُ أَمْرِي، فَإِنَّهُ ثِقَتِي وَعَلَيْهِ اعْتِمَادِي فِي أُمُورِي.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88] وَإِلَيْهِ أُقْبِلُ بِالطَّاعَةِ وَأَرْجِعُ بِالتَّوْبَةِ

كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88] قَالَ: أَرْجِعُ " حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي

نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88] قَالَ: أَرْجِعُ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ: " ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88] قَالَ: أَرْجِعُ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: 89] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ شُعَيْبٍ لِقَوْمِهِ: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾ [هود: 89] يَقُولُ: لَا يَحْمِلَنَّكُمْ عَدَاوَتِي وَبُغْضِي وَفِرَاقُ الدِّينِ الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ،

عَلَى الْإِصْرَارِ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، وَبَخْسِ النَّاسِ فِي الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ، وَتَرْكِ الْإِنَابَةِ وَالتَّوْبَةِ، فَيُصِيبُكُمْ.
﴿مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ [هود: 89] مِنَ الْغَرَقِ.
﴿أَوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ [هود: 89] مِنَ الْعَذَابِ ﴿أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ [هود: 89] مِنَ الرَّجْفَةِ.
﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ﴾ [هود: 89] الَّذِينَ ائْتَفَكَتْ بِهِمُ الْأَرْضُ ﴿مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: 89] هَلَاكُهُمْ، أَفَلَا تَتَّعِظُونَ بِهِ وَتَعْتَبِرُونَ؟ يَقُولُ: فَاعْتَبِرُوا بِهَؤُلَاءِ، وَاحْذَرُوا أَنْ يُصِيبَكُمْ بِشِقَاقِي مِثْلُ

الَّذِي أَصَابَهُمْ

كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾ [هود: 89] يَقُولُ: لَا يَحْمِلَنَّكُمْ فِرَاقِي ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ [هود: 89] " الْآيَةَ

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾ [هود: 89] يَقُولُ: لَا يَحْمِلَنَّكُمْ شِقَاقِي "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: " ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾ [هود: 89] قَالَ عَدَاوَتِي وَبَغْضَائِي وَفِرَاقِي "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: 89] قَالَ: إِنَّمَا كَانُوا حَدِيثًا مِنْهُمْ قَرِيبًا؛ يَعْنِي قَوْمَ نُوحٍ، وَعَادٍ، وَثَمُودَ وَصَالِحٍ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: 89] قَالَ: إِنَّمَا كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ قَرِيبٍ بَعْدَ نُوحٍ وَثَمُودَ "

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَاهُ: وَمَا دَارُ قَوْمِ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ [هود: 90] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ شُعَيْبٍ لِقَوْمِهِ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ [هود: 3] أَيُّهَا الْقَوْمُ مِنْ ذُنُوبِكُمْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ رَبِّكُمُ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا مُقِيمُونَ مِنْ عِبَادَةِ الْآلِهَةِ وَالْأَصْنَامِ، وَبَخْسِ النَّاسِ حُقُوقَهُمْ فِي الْمَكَايِيلِ

وَالْمَوَازِينِ.
﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود: 3] يَقُولُ: ثُمَّ ارْجِعُوا إِلَى طَاعَتِهِ وَالِانْتِهَاءِ إِلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ.
﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾ [هود: 90] يَقُولُ: هُوَ رَحِيمٌ بِمَنْ تَابَ وَأَنَابَ إِلَيْهِ أَنْ يُعَذِّبَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ.
﴿وَدُودٌ﴾ [هود: 90] يَقُولُ: ذُو مَحَبَّةٍ لِمَنْ أَنَابَ وَتَابَ إِلَيْهِ يَوَدُّهُ وَيُحِبُّهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: 91] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ قَوْمُ شُعَيْبٍ لِشُعَيْبٍ: ﴿يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: 91] أَيْ مَا نَعْلَمُ حَقِيقَةَ كَثِيرٍ مِمَّا تَقُولُ وَتُخْبِرُنَا بِهِ.
﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ [هود: 91] ذُكِرَ أَنَّهُ كَانَ ضَرِيرًا، فَلِذَلِكَ قَالُوا لَهُ: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ [هود: 91] ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

حَدَّثَنِي عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ وَاصِلٍ، قَالَ: ثَنَا أَسَدُ بْنُ زَيْدٍ الْجَصَّاصُ، قَالَ:

أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ [هود: 91] قَالَ: كَانَ أَعْمَى " حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: ثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ الْمِصِّيصِيُّ، قَالَ: ثَنَا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَعِيدٍ، مِثْلَهُ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الرَّمْلِيُّ، قَالَ: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ زِيَادٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ الْمُنْذِرِ، وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ زَيْدٍ، قَالُوا: ثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ سَعِيدٍ، مِثْلَهُ

قَالَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، قَالَا: سَمِعْنَا شَرِيكًا، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ [هود: 91] قَالَ: أَعْمَى " حَدَّثَنَا سَعْدَوَيْهِ، قَالَ: ثَنَا عَبَّادٌ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، قَوْلُهُ: " ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ [هود: 91] قَالَ: كَانَ ضَعِيفُ الْبَصَرِ.
قَالَ سُفْيَانُ: وَكَانَ يُقَالُ لَهُ خَطِيبُ

الْأَنْبِيَاءِ "

قَالَ: ثَنَا الْحِمَّانِيُّ، قَالَ: ثَنَا عَبَّادٌ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ سَعِيدٍ: " ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ [هود: 91] قَالَ: كَانَ ضَرِيرُ الْبَصَرِ "

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: 91] يَقُولُ: يَقُولُونَ: وَلَوْلَا أَنْتَ فِي عَشِيرَتِكَ وَقَوْمِكَ لَرَجَمْنَاكَ، يَعْنُونَ: لَسَبَبْنَاكَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ لَقَتَلْنَاكَ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: 91] قَالَ: قَالُوا: لَوْلَا أَنْ نَتَّقِيَ قَوْمَكَ وَرَهْطَكَ لَرَجَمْنَاكَ " ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: 91] يَعْنُونَ: مَا أَنْتَ مِمَّنْ يَكْرُمُ عَلَيْنَا، فَيَعْظُمُ عَلَيْنَا إِذْلَالُهُ وَهَوَانُهُ، بَلْ ذَلِكَ عَلَيْنَا هَيِّنٌ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [هود: 92]

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ شُعَيْبٌ لِقَوْمِهِ: يَا قَوْمِ أَعَزَزْتُمْ قَوْمَكُمْ، فَكَانُوا أَعَزَّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ، وَاسْتَخْفَفْتُمْ بِرَبِّكُمْ، فَجَعَلْتُمُوهُ خَلْفَ ظُهُورِكُمْ، لَا تَأْتَمِرُونَ لَأَمْرِهِ، وَلَا تَخَافُونَ عِقَابَهُ، وَلَا تُعَظِّمُونَهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ.
يُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذَا لَمْ يَقْضِ حَاجَةَ الرَّجُلِ: نَبَذَ حَاجَتَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ: أَيْ تَرَكَهَا لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، وَإِذَا قَضَاهَا قِيلَ: جَعَلَهَا أَمَامَهُ وَنُصْبَ عَيْنَيْهِ؛ وَيُقَالُ: ظَهَرْتَ بِحَاجَتِي وَجَعَلْتَهَا ظِهْرِيَّةً: أَيْ خَلْفَ ظَهْرِكَ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الطويل] وَجَدْنَا بَنِي الْبَرْصَاءِ مِنْ وَلَدِ الظَّهْرِ بِمَعْنَى: أَنَّهُمْ يَظْهَرُونَ بِحَوَائِجِ النَّاسِ فَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَيْهَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثَنَّى أَبِي، قَالَ: ثَنِي عَمِّي، قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: 92] وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمَ شُعَيْبٍ، وَرَهْطَهُ كَانُوا أَعَزَّ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ، وَصَغُرَ شَأْنُ اللَّهِ عِنْدَهُمْ عَزَّ رَبَّنَا وَجَلَّ ثَنَاؤُهُ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثَنَّى مُعَاوِيَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: 92] قَالَ: قَفًا "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: 92] يَقُولُ: عَزَزْتُمْ قَوْمَكُمْ، وَأَظْهَرْتُمْ بِرَبِّكُمْ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: 92] قَالَ: لَمْ تُرَاقِبُوهُ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا تُرَاقِبُونَ قَوْمِي ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: 92] يَقُولُ: عَزَزْتُمْ قَوْمَكُمْ، وَأَظْهَرْتُمْ بِرَبِّكُمْ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: 92] قَالَ: لَمْ تُرَاقِبُوهُ فِي شَيْءٍ، إِنَّمَا تُرَاقِبُونَ قَوْمِي، وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا لَا تَخَافُونَهُ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [هود: 92] قَالَ: أَعَزَزْتُمْ قَوْمَكُمْ وَاغْتَرَرْتُمْ بِرَبِّكُمْ "

سَمِعْتُ إِسْحَاقَ بْنَ أَبِي إِسْرَائِيلَ قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ: " ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: 92] كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: خَلَّفْتُ حَاجَتِي خَلْفَ ظَهْرِكَ، فَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا: اسْتَخْفَفْتُمْ بِأَمْرِهِ، فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ قَضَاءَ حَاجَةَ صَاحِبِهِ، جَعَلَهَا أَمَامَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلَمْ يَسْتَخِفِّ بِهَا "

جارٍ التحميل