وَقَوْلُهُ: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ [الذاريات: 57] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا أُرِيدُ مِمَّنْ خَلَقْتُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ مِنْ رِزْقٍ يَرْزُقُونَهُ خَلْقِي
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: 57] يَقُولُ: وَمَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ قُوتٍ أَنْ يَقُوتُوهُمْ، وَمِنْ طَعَامٍ أَنْ يُطْعِمُوهُمْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: ثَنَا أَبِي، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونَ﴾ [الذاريات: 57] قَالَ: «يُطْعِمُونَ أَنْفُسَهُمْ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات: 59]
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ خَلْقَهُ، الْمُتَكَفِّلُ بِأَقْوَاتِهِمْ، ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 58] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ خَلَا يَحْيَى بْنَ وَثَّابٍ وَالْأَعْمَشَ: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 58] رَفْعًا، بِمَعْنَى: ذُو الْقُوَّةِ الشَّدِيدُ، فَجَعَلُوا الْمَتِينَ مِنْ نَعْتِ ذِي، وَوَجَّهُوهُ إِلَى وَصْفِ اللَّهِ بِهِ وَقَرَأَهُ يَحْيَى وَالْأَعْمَشُ (الْمَتِينِ) خَفْضًا، فَجَعَلَاهُ مِنْ نَعْتِ الْقُوَّةِ، وَإِنَّمَا اسْتَجَازَ خَفْضَ ذَلِكَ مَنْ قَرَأَهُ بِالْخَفْضِ، وَيُصَيِّرُهُ مِنْ نَعْتِ الْقُوَّةِ، وَالْقُوَّةُ مُؤَنَّثَةٌ، وَالْمَتِينُ فِي لَفْظِ مُذَكَّرٍ، لِأَنَّهُ ذَهَبَ بِالْقُوَّةِ مِنْ قَوِي الْحَبْلِ وَالشَّيْءِ الْمُبْرَمِ الْفَتْلِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ: ذُو الْحَبْلِ الْقَوِيِّ وَذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّ بَعْضَ الْعَرَبِ أَنْشَدَهُ: لِكُلِّ دَهْرٍ قَدْ لَبِسْتُ أَثْؤُبَا ... مِنْ رَيْطَةٍ وَالْيُمْنَةَ الْمُعَصَّبَا فَجَعَلَ الْمُعَصَّبَ نَعْتَ الْيُمْنَةِ، وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ فِي اللَّفْظِ، لِأَنَّ الْيُمْنَةَ ضَرْبٌ وَصِنْفٌ مِنَ الثِّيَابِ، فَذَهَبَ بِهَا إِلَيْهِ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 58] رَفْعًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ صِفَةِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْ نَعْتِ الْقُوَّةِ
لَكَانَ التَّأْنِيثُ بِهِ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَ لِلتَّذْكِيرِ وَجْهٌ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ: ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 58] يَقُولُ: «الشَّدِيدُ»
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذُنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الذاريات: 59] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَإِنَّ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ ذَنُوبًا، وَهِيَ الدَّلْوُ الْعَظِيمَةُ، وَهُوَ السَّجْلُ أَيْضًا إِذَا مُلِئَتْ أَوْ قَارَبَتِ الْمِلْءَ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِالذَّنُوبِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْحَظَّ وَالنَّصِيبَ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ
عَبَدَةَ: وَفِي كُلِّ قَوْمٍ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ ... فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِنْ نَدَاكَ ذَنُوبُ أَيْ نَصِيبٌ، وَأَصْلُهُ مَا ذَكَرْتُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ: لَنَا ذُنُوبٌ وَلَكُمْ ذُنُوبٌ ... فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَلَنَا الْقَلِيبُ وَمَعْنَى الْكَلَامِ: فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ نَصِيبًا وَحَظًّا نَازِلًا بِهِمْ، مِثْلَ نَصِيبِ أَصْحَابِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ، عَلَى مِنْهَاجِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ، فَلَا يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ: ثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا﴾ [الذاريات: 59] يَقُولُ: «دَلْوًا»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثَنِي أَبِي قَالَ: ثَنِي عَمِّي قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذُنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ [الذاريات: 59] قَالَ: «يَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا مِثْلَ عَذَابِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونَ»
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ﴿ذَنُوبًا مِثْلَ ذُنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ [الذاريات: 59] فَلَا يَسْتَعْجِلُونَ: «سَجْلًا مِنَ الْعَذَابِ»
قَالَ: ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: ثَنَا شِهَابُ بْنُ سَرِيعَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿ذَنُوبًا مِثْلَ ذُنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ [الذاريات: 59] قَالَ: «دَلْوًا مِثْلَ دَلْوِ أَصْحَابِهِمْ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿ذَنُوبًا﴾ [الذاريات: 59] قَالَ: «سَجْلًا»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا﴾ [الذاريات: 59] «سَجْلًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذُنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ [الذاريات: 59] قَالَ: «عَذَابًا مِثْلَ عَذَابِ أَصْحَابِهِمْ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذُنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ [الذاريات: 59] قَالَ: يَقُولُ: «ذَنُوبًا مِنَ الْعَذَابِ» قَالَ: «يَقُولُ لَهُمْ سَجْلٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَقَدْ فَعَلَ هَذَا بِأَصْحَابِهِمْ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَلَهُمْ عَذَابٌ مِثْلُ عَذَابِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونَ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثَنَا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، ﴿ذَنُوبًا مِثْلَ ذُنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ [الذاريات: 59] قَالَ: «طَرَفًا مِنَ الْعَذَابِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: 60] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَالْوَادِي السَّائِلُ فِي جَهَنَّمَ مِنْ قَيْحٍ وَصَدِيدٍ لِلَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَجَحَدُوا وَحْدَانِيَّتَهُ مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ فِيهِ نُزُولَ عَذَابِ اللَّهِ إِذَا نَزَلَ بِهِمْ مَاذَا يَلْقَوْنَ فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ وَالْجَهْدِ