تفسير الطبري = جامع البيانالْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

[البقرة: 73]

يَعْنِي جَلَّ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنَا﴾ [البقرة: 60] لِقَوْمِ مُوسَى الَّذِينَ ادَّارَءُوا فِي الْقَتِيلِ

الَّذِي قَدْ تَقَدَّمَ وَصْفُنَا أَمْرَهُ: اضْرِبُوا الْقَتِيلَ.
وَالْهَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿اضْرِبُوهُ﴾ [البقرة: 73] مِنْ ذِكْرِ الْقَتِيلِ ﴿بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة: 73] أَيْ بِبَعْضِ الْبَقَرَةِ الَّتِي أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِذَبْحِهَا فَذَبَحُوهَا.
ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْبَعْضِ الَّذِي ضُرِبَ بِهِ الْقَتِيلُ مِنَ الْبَقَرَةِ وَأَيَّ عُضْوٍ كَانَ ذَلِكَ مِنْهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ضُرِبَ بِفَخِذِ الْبَقَرَةِ الْقَتِيلُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " ضُرِبَ بِفَخِذِ الْبَقَرَةِ، فَقَامَ حَيًّا، فَقَالَ: قَتَلَنِي فُلَانٌ؛ ثُمَّ عَادَ فِي مِيتَتِهِ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ، ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «ضُرِبَ بِفَخِذِ الْبَقَرَةِ» ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرُ بْنُ نُوحٍ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ، عَنْ عِكْرِمَةَ: " ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة: 73] قَالَ: بِفَخِذِهَا فَلَمَّا ضُرِبَ بِهَا عَاشَ وَقَالَ: قَتَلَنِي فُلَانٌ؛ ثُمَّ عَادَ إِلَى حَالِهِ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " ضُرِبَ بِفَخِذِهَا الرَّجُلُ فَقَامَ حَيًّا، فَقَالَ: قَتَلَنِي فُلَانٌ، ثُمَّ عَادَ فِي مِيتَتِهِ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، قَالَ:

قَالَ أَيُّوبُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبِيدَةَ: «ضَرَبُوا الْمَقْتُولَ بِبَعْضِ لَحْمِهَا» وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ: ضَرَبُوهُ بِلَحْمِ الْفَخِذِ فَعَاشَ، فَقَالَ: قَتَلَنِي فُلَانٌ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمْ ضَرَبُوهُ بِفَخِذِهَا فَأَحْيَاهُ اللَّهُ، فَأَنْبَأَ بِقَاتِلِهِ الَّذِي قَتَلَهُ وَتَكَلَّمَ، ثُمَّ مَاتَ» وَقَالَ آخَرُونَ: الَّذِي ضُرِبَ بِهِ مِنْهَا هُوَ الْبَضْعَةُ الَّتِي بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة: 73] فَضَرَبُوهُ بِالْبَضْعَةِ الَّتِي بَيْنَ الْكَتِفَيْنِ فَعَاشَ، فَسَأَلُوهُ: مَنْ قَتَلَكَ؟ فَقَالَ لَهُمُ: ابْنُ أَخِي " وَقَالَ آخَرُونَ: الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَضْرِبُوهُ بِهِ مِنْهَا عَظْمٌ مِنْ عِظَامِهَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا آدَمَ، قَالَ: ثنا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ: «أَمَرَهُمْ مُوسَى أَنْ يَأْخُذُوا، عَظْمًا مِنْهَا فَيَضْرِبُوا بِهِ الْقَتِيلَ فَفَعَلُوا، فَرَجَعَ إِلَيْهِ رُوحُهُ، فَسَمَّى لَهُمْ قَاتِلَهُ ثُمَّ عَادَ مَيِّتًا كَمَا كَانَ.
فَأُخِذَ قَاتِلُهُ، وَهُوَ الَّذِي أَتَى مُوسَى، فَشَكَا إِلَيْهِ فَقَتَلَهُ اللَّهُ عَلَى أَسْوَإِ عَمَلِهِ»

وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا حَدَّثَنِي بِهِ، يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " ضَرَبُوا الْمَيِّتَ بِبَعْضِ آرَابِهَا، فَإِذَا هُوَ قَاعِدٌ، قَالُوا: مَنْ قَتَلَكَ؟ قَالَ: ابْنُ أَخِي قَالَ: وَكَانَ قَتَلَهُ وَطَرَحَهُ عَلَى ذَلِكَ السِّبْطِ، أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ دِيَتَهُ " وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عِنْدَنَا: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة: 73] أَنْ يُقَالَ: أَمَرَهُمُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يَضْرِبُوا الْقَتِيلَ بِبَعْضِ الْبَقَرَةِ لِيَحْيَا الْمَضْرُوبُ.
وَلَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ وَلَا خَبَرَ تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ عَلَى أَيِّ أَبْعَاضِهَا الَّتِي أُمِرَ الْقَوْمُ أَنْ يَضْرِبُوا الْقَتِيلَ بِهِ.
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الَّذِي أُمِرُوا أَنْ يَضْرِبُوهُ بِهِ هُوَ الْفَخِذُ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الذَّنَبَ وَغُضْرُوفَ الْكَتِفِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَبْعَاضِهَا.
وَلَا يَضُرُّ الْجَهْلُ بِأَيِّ ذَلِكَ ضَرَبُوا الْقَتِيلَ، وَلَا يَنْفَعُ الْعِلْمُ بِهِ مَعَ الْإِقْرَارِ بِأَنَّ الْقَوْمَ قَدْ ضَرَبُوا الْقَتِيلَ بِبَعْضِ الْبَقَرَةِ بَعْدَ ذَبْحِهَا، فَأَحْيَاهُ اللَّهُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا كَانَ مَعْنَى الْأَمْرِ بِضَرْبِ الْقَتِيلِ بِبَعْضِهَا؟ قِيلَ: لِيَحْيَا فَيُنْبِئُ نَبِيَّ اللَّهِ مُوسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِينَ ادَّارَءُوا فِيهِ مِنْ قَاتِلِهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَأَيْنَ الْخَبَرُ عَنْ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ لِذَلِكَ؟ قِيلَ: تَرَكَ ذَلِكَ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ مَا ذَكَرَ مِنَ الْكَلَامِ الدَّالِّ عَلَيْهِ نَحْوَ الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ نَظَائِرِ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى.

وَمَعْنَى الْكَلَامِ: فَقُلْنَا: اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا لِيَحْيَا، فَضَرَبُوهُ فَحَيِيَ؛ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: 63] وَالْمَعْنَى: فَضَرَبَ فَانْفَلَقَ.
يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 73]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: 73] وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: 73] مُخَاطَبَةٌ مِنَ اللَّهِ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ، وَاحْتِجَاجٌ مِنْهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الْمُكَذِّبِينَ بِالْبَعْثِ، وَأَمْرُهُمْ بِالِاعْتِبَارِ بِمَا كَانَ مِنْهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مِنْ إِحْيَاءِ قَتِيلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ مَمَاتِهِ فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ لَهُمْ

تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَيُّهَا الْمُكَذِّبُونَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَمَاتِ، اعْتَبِرُوا بِإِحْيَائِي هَذَا الْقَتِيلَ بَعْدَ مَمَاتِهِ، فَإِنِّي كَمَا أَحْيَيْتَهُ فِي الدُّنْيَا فَكَذَلِكَ أُحْيِي الْمَوْتَى بَعْدَ مَمَاتِهِمْ، فَأَبْعَثُهُمْ يَوْمَ الْبَعْثِ.
فَإِنَّمَا احْتَجَّ جَلَّ ذِكْرُهُ بِذَلِكَ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَهُمْ قَوْمٌ أُمِّيُّونَ لَا كِتَابَ لَهُمْ، لِأَنَّ الَّذِينَ كَانُوا يَعْلَمُونَ عِلْمَ ذَلِكَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانُوا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ، فَأَخْبَرَهُمْ جَلَّ ذِكْرُهُ بِذَلِكَ لِيَتَعَرَّفُوا عِلْمَ مَنْ قَبْلَهُمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 73] يَعْنِي جَلَّ ذِكْرُهُ: وَيُرِيكُمْ اللَّهُ أَيُّهَا الْكَافِرُونَ الْمُكَذِّبُونَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنْ آيَاتِهِ، وَآيَاتُهُ: أَعْلَامُهُ وَحُجَجُهُ الدَّالَّةُ عَلَى نُبُوَّتِهِ، لِتَعْقِلُوا وَتَفْهَمُوا أَنَّهُ مُحِقٌّ صَادِقٌ فَتُؤْمِنُوا بِهِ وَتَتَّبِعُوهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 74]

يَعْنِي بِذَلِكَ كُفَّارَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُمْ فِيمَا ذُكِرَ بَنُو أَخِي الْمَقْتُولِ، فَقَالَ لَهُمْ: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ: أَيْ جَفَّتْ وَغَلُظَتْ وَعَسَّتْ، كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ: [البحر الرجز] وَقَدْ قَسَوْتُ وَقَسَا لِدَاتِي يُقَالُ: قَسَا وَعَسَا وَعَتَا بِمَعْنَى وَاحِدٍ، وَذَلِكَ إِذَا جَفَا وَغَلُظَ وَصَلُبَ، يُقَالُ مِنْهُ: قَسَا قَلْبُهُ يَقْسُو قَسْوًا وَقَسْوَةً وَقَسَاوَةً وَقَسَاءً

وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 52] مِنْ بَعْدِ أَنْ أَحْيَا الْمَقْتُولَ لَهُمُ الَّذِي ادَّارَءُوا فِي قَتْلِهِ.
فَأَخْبَرَهُمْ بِقَاتِلِهِ وَمَا السَّبَبُ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ قَتَلَهُ كَمَا قَدْ وَصَفْنَا قَبْلُ عَلَى مَا جَاءَتِ الْآثَارُ وَالْأَخْبَارُ وَفَصَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِخَبَرِهِ بَيْنَ الْمُحِقِّ مِنْهُمْ وَالْمُبْطِلِ.
وَكَانَتْ قَسَاوَةُ قُلُوبِهِمُ الَّتِي وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهَا

أَنَّهُمْ فِيمَا بَلَغَنَا أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونُوا هُمْ قَتَلُوا الْقَتِيلَ الَّذِي أَحْيَاهُ اللَّهُ، فَأَخْبَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا قَتَلْتَهُ بَعْدَ إِخْبَارِهِ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ، وَبَعْدَ مَيْتَتِهِ الثَّانِيَةِ

كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " لَمَّا ضُرِبَ الْمَقْتُولُ بِبَعْضِهَا، يَعْنِي بِبَعْضِ الْبَقَرَةِ، جَلَسَ حَيًّا، فَقِيلَ لَهُ: مَنْ قَتَلَكَ؟ فَقَالَ: بَنُو أَخِي قَتَلُونِي.
ثُمَّ قُبِضَ، فَقَالَ بَنُو أَخِيهِ حِينَ قُبِضَ: وَاللَّهِ مَا قَتَلْنَاهُ.
فَكَذَّبُوا بِالْحَقِّ بَعْدَ إِذْ رَأَوْهُ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 74] يَعْنِي بَنِي أَخِي الشَّيْخِ ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: 74] "

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: 74] يَقُولُ: مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاهُمُ اللَّهُ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَبَعْدَ مَا أَرَاهُمْ مِنْ أَمْرِ الْقَتِيلِ مَا أَرَاهُمْ، فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: 74] يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿فَهِيَ﴾ [البقرة: 74] قُلُوبُكُمْ.
يَقُولُ: ثُمَّ صَلُبَتْ قُلُوبُكُمْ بَعْدَ إِذْ رَأَيْتُمُ الْحَقَّ فَتَبَيَّنْتُمُوهُ وَعَرَفْتُمُوهُ عَنِ الْخُضُوعِ لَهُ وَالْإِذْعَانِ لَوَاجِبِ حَقِّ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، فَقُلُوبُكُمْ كَالْحِجَارَةِ صَلَابَةً وَيُبْسًا وَغِلَظًا وَشِدَّةً، أَوْ أَشَدُّ صَلَابَةً؛ يَعْنِي قُلُوبُكُمْ عَنِ

الْإِذْعَانِ لِوَاجِبِ حَقِّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَالْإِقْرَارِ لَهُ بِاللَّازِمِ مِنْ حُقُوقِهِ لَهُمْ مِنَ الْحِجَارَةِ.
فَإِنْ سَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ: وَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: 74] وَأَوْ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ إِنَّمَا تَأْتِي فِي الْكَلَامِ لِمَعْنَى الشَّكِّ، وَاللَّهُ تَعَالَى جَلَّ ذِكْرُهُ غَيْرُ جَائِزٍ فِي خَبَرِهِ الشَّكُّ؟ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي تَوَهَّمْتَهُ مِنَ أَنَّهُ شَكٌّ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ فِيمَا

أَخْبَرَ عَنْهُ، وَلَكِنَّهُ خَبَرٌ مِنْهُ عَنْ قُلُوبِهِمُ الْقَاسِيَةِ أَنَّهَا عِنْدَ عِبَادِهِ الَّذِينَ هُمْ أَصْحَابُهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ بَعْدَ مَا رَأَوُا الْعَظِيمَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ كَالْحِجَارَةِ قَسْوَةً أَوْ أَشَدُّ مِنَ الْحِجَارَةِ عِنْدَهُمْ وَعِنْدَ مَنْ عَرَفَ شَأْنَهُمْ، وَقَدْ قَالَ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَقْوَالًا: فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا أَرَادَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: 74] وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي تَأْتِي بِ أَوْ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ وَكَقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: 24] فَهُوَ عَالِمٌ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ.
قَالُوا: وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ الْقَائِلِ: أَكَلْتُ بُسْرَةً أَوْ رَطْبَةً، وَهُوَ عَالِمٌ أَيُّ ذَلِكَ أَكَلَ وَلَكِنَّهُ أَبْهَمَ عَلَى الْمُخَاطَبِ، كَمَا قَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ: [البحر الوافر] أُحِبُّ مُحَمَّدًا حُبًّا شَدِيدًا ... وَعَبَّاسًا وَحَمْزَةَ وَالْوَصِيَّا فَإِنْ يَكُ حُبُّهُمْ رُشْدًا أُصِبْهُ ... وَلَسْتُ بِمُخْطِئٍ إِنْ كَانَ غَيَّا قَالُوا: وَلَا شَكَّ أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ لَمْ يَكُنْ شَاكًّا فِي أَنَّ حُبَّ مَنْ سَمَّى رُشْدٌ، وَلَكِنَّهُ أَبْهَمَ عَلَى مَنْ خَاطَبَهُ بِهِ.
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ قِيلَ لَهُ: شَكَكْتَ؟ فَقَالَ: كَلَّا وَاللَّهِ.
ثُمَّ انْتَزَعَ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: 24] فَقَالَ: أَوَكَانَ شَاكًّا مَنْ أَخْبَرَ بِهَذَا، فِي الْهَادِي مِنَ الضَّلَالِ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: مَا أَطْعَمْتُكَ إِلَّا حُلْوًا أَوْ حَامِضًا، وَقَدْ أَطْعَمَهُ النَّوْعَيْنِ جَمِيعًا.
فَقَالُوا: فَقَائِلُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ شَاكًّا أَنَّهُ قَدْ أَطْعَمَ صَاحِبَهُ الْحُلْوَ وَالْحَامِضَ كِلَيْهِمَا، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ الْخَبَرَ عَمَّا أَطْعَمَهُ إِيَّاهُ أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ.

قَالُوا: فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: 74] إِنَّمَا مَعْنَاهُ: فَقُلُوبُهُمْ لَا تَخْرُجُ مِنْ أَحِدِ هَذَيْنِ الْمَثَلَيْنِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مَثَلًا لِلْحِجَارَةِ فِي الْقَسْوَةِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ أَشَدَّ مِنْهَا قَسْوَةً.
وَمَعْنَى ذَلِكَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ: فَبَعْضُهَا كَالْحِجَارَةِ قَسْوَةً، وَبَعْضُهَا أَشَدُّ قَسْوَةً مِنَ الْحِجَارَةِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَوْ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: 74] بِمَعْنَى: وَأَشَدُّ قَسْوَةً، كَمَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: 24] بِمَعْنَى: وَكَفُورًا.
وَكَمَا قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ: [البحر البسيط] نَالَ الْخِلَاقَةَ أَوْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا ... كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ يَعْنِي نَالَ الْخِلَافَةَ وَكَانَتْ لَهُ قَدَرًا.
وَكَمَا قَالَ النَّابِغَةُ: [البحر البسيط] قَالَتْ أَلَا لَيْتَمَا هَذَا الْحَمَامُ لَنَا ... إِلَى حَمَامَتِنَا أَوْ نِصْفُهُ فَقَدِ يُرِيدُ وَنِصْفُهُ وَقَالَ آخَرُونَ: أَوْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَعْنَى وَبَلْ، فَكَانَ تَأْوِيلُهُ عِنْدَهُمْ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ بَلْ أَشَدُّ قَسْوَةً، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ بِمَعْنَى: بَلْ يَزِيدُونَ.

وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً عِنْدَكُمْ.
وَلِكُلٍّ مِمَّا قِيلَ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الَّتِي حَكَيْنَا وَجْهٌ وَمَخْرَجٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، غَيْرَ أَنَّ أَعْجَبَ الْأَقْوَالِ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ مَا قُلْنَاهُ أَوَّلًا، ثُمَّ الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَمَّنْ وَجَّهَ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى: فَهِيَ أَوْجُهٌ فِي الْقَسْوَةِ مِنْ أَنْ تَكُونَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدَّ، عَلَى تَأْوِيلِ أَنَّ مِنْهَا كَالْحِجَارَةِ، وَمِنْهَا أَشَدُّ قَسْوَةً؛ لِأَنَّ أَوْ وَإِنِ اسْتُعْمِلَتَ فِي أَمَاكِنَ مِنْ أَمَاكِنِ الْوَاوِ حَتَّى يَلْتَبِسَ مَعْنَاهَا وَمَعْنَى الْوَاوِ لِتَقَارُبِ مَعْنَيَيْهِمَا فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَمَاكِنِ، فَإِنَّ أَصْلَهَا أَنْ تَأْتِيَ بِمَعْنَى أَحِدِ الِاثْنَيْنِ، فَتَوْجِيهُهَا إِلَى أَصْلِهَا مَنْ وَجَدَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنْ إِخْرَاجِهَا عَنْ أَصْلِهَا وَمَعْنَاهَا الْمَعْرُوفِ لَهَا.
قَالَ: وَأَمَّا الرَّفْعُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: 74] فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى مَعْنَى الْكَافِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿كَالْحِجَارَةِ﴾ [البقرة: 74] لِأَنَّ مَعْنَاهَا الرَّفْعَ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَاهَا مَعْنَى مِثْلِ: فَهِيَ مِثْلُ الْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً مِنَ الْحِجَارَةِ.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلَى مَعْنَى تَكْرِيرِ هِيَ عَلَيْهِ فَيَكُونَ تَأْوِيلُ ذَلِكَ: فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ هِيَ أَشَدُّ قَسْوَةً مِنَ الْحِجَارَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: 74] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَّا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: 74] وَإِنَّ

مِنَ الْحِجَارَةِ حِجَارَةً يَتَفَجَّرُ مِنْهَا الْمَاءُ الَّذِي تَكُونُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ، فَاسْتَغْنَى بِذِكْرِ الْمَاءِ عَنْ ذِكْرِ الْأَنْهَارِ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ فَقَالَ مِنْهُ لِلَفْظِ مَا وَالتَّفَجُّرُ: التَّفَعُّلُ مِنْ فَجَّرَ الْمَاءَ، وَذَلِكَ إِذَا تَنَزَّلَ خَارِجًا مِنْ مَنْبَعِهِ، وَكُلُّ سَائِلٍ شَخَصَ خَارِجًا مِنْ مَوْضِعِهِ وَمَكَانِهِ فَقَدِ انْفَجَرَ مَاءً كَانَ ذَلِكَ أَوْ دَمًا أَوْ صَدِيدًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ لَجَأٍ: [البحر الوافر] وَلَمَّا أَنْ قُرِنْتُ إِلَى جَرِيرٍ ... أَبَى ذُو بَطْنِهِ إِلَّا انْفِجَارَا يَعْنِي: إِلَّا خُرُوجًا وَسَيَلَانًا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَّا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ [البقرة: 74] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَحِجَارَةً تَشَقَّقُ.
وَتَشَقُّقُهَا: تَصَدُّعُهَا.
وَإِنَّمَا هِيَ: لِمَا يَتَشَقَّقُ، وَلَكِنَّ التَّاءَ أُدْغِمَتْ فِي الشِّينِ فَصَارَتْ شِينًا مُشَدَّدَةً.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ [البقرة: 74] فَيَكُونُ عَيْنًا نَابِعَةً وَأَنْهَارًا جَارِيَةً

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 74]

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَهْبِطُ: أَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ إِلَى الْأَرْضِ وَالسَّفْحِ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ وَخَشْيَتِهِ.
وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى مَعْنَى الْهُبُوطِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَأُدْخِلَتْ هَذِهِ اللَّامَاتُ اللَّوَاتِي فِي مَا تَوْكِيدًا لِلْخَبَرِ.
وَإِنَّمَا وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ الْحِجَارَةَ بِمَا وَصَفَهَا بِهِ مِنْ أَنَّ مِنْهَا الْمُتَفَجِّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ، وَأَنَّ مِنْهَا الْمُتَشَقِّقُ بِالْمَاءِ، وَأَنَّ مِنْهَا الْهَابِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ بَعْدَ الَّذِي جَعَلَ مِنْهَا لِقُلُوبِ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْ قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَثَلًا، مَعْذِرَةً مِنْهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهَا دُونَ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْ قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ كَانُوا بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهَا مِنَ التَّكْذِيبِ بِرُسُلِهِ وَالْجُحُودِ لِآيَاتِهِ بَعْدَ الَّذِي أَرَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ وَالْعِبَرِ وَعَايَنُوا مِنْ عَجَائِبِ الْأَدِلَّةِ وَالْحِجَجِ مَعَ مَا أَعْطَاهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ مِنْ صِحَّةِ الْعُقُولِ وَمَنَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ سَلَامَةِ النُّفُوسِ الَّتِي لَمْ يُعْطِهَا الْحَجَرَ وَالْمَدَرَ، ثُمَّ هُوَ مَعَ ذَلِكَ مِنْهُ مَا يَتَفَجَّرُ بِالْأَنْهَارِ وَمِنْهُ مَا يَتَشَقَّقُ بِالْمَاءِ وَمِنْهُ مَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ مَا هُوَ أَلْيَنُ مِنْ قُلُوبِهِمْ لِمَا يَدْعُونَ إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " فِي قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 74] قَالَ: كُلُّ حَجَرٍ يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْمَاءُ أَوْ يَتَشَقَّقُ عَنْ مَاءٍ، أَوْ يَتَرَدَّى مِنْ رَأْسِ جَبَلٍ، فَهُوَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، نَزَلَ بِذَلِكَ الْقُرْآنُ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: 74] ثُمَّ عَذَرَ الْحِجَارَةَ وَلَمْ يَعْذُرْ شَقِيَّ ابْنِ آدَمَ، فَقَالَ: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَّا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 74] " حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " ثُمَّ عَذَرَ اللَّهُ الْحِجَارَةَ قَالَ: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَّا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ [البقرة: 74] "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، أَنَّهُ قَالَ: «فِيهَا كُلُّ حَجَرٍ انْفَجَرَ مِنْهُ مَاءٌ أَوْ تَشَقَّقَ عَنْ مَاءٍ أَوْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، فَمِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ» ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ النَّحْوِ فِي مَعْنَى هُبُوطِ مَا هَبَطَ مِنَ الْحِجَارَةِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ هُبُوطَ مَا هَبَطَ مِنْهَا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ: تَفَيَّؤُ ظِلَالُهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: ذَلِكَ الْجَبَلُ الَّذِي صَارَ دَكًّا إِذْ تَجَلَّى لَهُ رَبُّهُ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ وَيَكُونُ بِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ أَعْطَى بَعْضَ الْحِجَارَةِ الْمَعْرِفَةَ وَالْفَهْمَ، فَعَقَلَ طَاعَةَ اللَّهِ فَأَطَاعَهُ؛ كَالَّذِي رُوِيَ عَنِ الْجِذْعِ الَّذِي كَانَ يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ فَلَمَّا تَحَوَّلَ عَنْهُ حَنَّ.
وَكَالَّذِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ حَجَرًا كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ قَوْلُهُ: ﴿يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 74] كَقَوْلِهِ: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: 77] وَلَا إِرَادَةَ لَهُ، قَالُوا: وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ عِظَمِ أَمْرِ اللَّهِ يُرَى كَأَنَّهُ هَابِطٌ خَاشِعٌ مِنْ ذُلِّ خَشْيَةِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ زَيْدُ الْخَيْلِ: [البحر الطويل] بِجَمْعٍ تَضِلُّ الْبُلْقُ فِي حَجَرَاتِهِ ... تَرَى الْأُكْمَ فِيهَا سُجَّدًا لِلْحَوَافِرِ

وَكَمَا قَالَ سُوَيْدُ بْنُ أَبِي كَاهِلٍ يَصِفُ عَدُوًّا لَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ ذَلِيلٌ: [البحر الرمل] سَاجِدَ الْمَنْخَرِ لَا يَرْفَعُهُ ... خَاشِعَ الطَّرْفِ أَصَمَّ الْمُسْتَمَعَ وَكَمَا قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ: [البحر الكامل] لَمَّا أَتَى خَبَرُ الرَّسُولِ تَضَعْضَعَتْ ... سُورُ الْمَدِينَةِ وَالْجِبَالُ الْخُشَّعُ وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 74] أَيْ يُوجِبُ الْخَشْيَةَ لِغَيْرِهِ بِدَلَالَتِهِ عَلَى صَانِعِهِ كَمَا قِيلَ: نَاقَةٌ تَاجِرَةٌ: إِذَا كَانَتْ مِنْ نَجَابَتِهَا وَفَرَاهَتِهَا تَدْعُو النَّاسَ إِلَى الرَّغْبَةِ فِيهَا، كَمَا قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ: [البحر الطويل] وَأَعْوَرُ مِنْ نَبْهَانَ أَمَّا نَهَارُهُ ... فَأَعْمَى وَأَمَّا لَيْلُهُ فَبَصِيرُ فَجَعَلَ الصِّفَةَ لِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُوَ يُرِيدُ بِذَلِكَ صَاحِبَهُ النَّبْهَانِيَّ الَّذِي يَهْجُوهُ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ فِيهِمَا كَانَ مَا وَصَفَهُ بِهِ.
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ بَعِيدَاتِ الْمَعْنَى مِمَّا تَحْتَمِلُهُ الْآيَةُ مِنَ التَّأْوِيلِ، فَإِنَّ تَأْوِيلَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مِنْ عُلَمَاءِ سَلَفِ الْأُمَّةِ بِخِلَافِهَا؛ فَلِذَلِكَ لَمْ نَسْتَجِزْ صَرْفَ تَأْوِيلِ الْآيَةِ إِلَى مَعْنَى مِنْهَا.
وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى الْخَشْيَةِ، وَأَنَّهَا الرَّهْبَةُ وَالْمَخَافَةُ، فَكَرِهْنَا إِعَادَةَ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 74]

يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 74] وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ يَا مَعْشَرَ الْمُكَذِّبِينَ بِآيَاتِهِ وَالْجَاحِدِينَ نُبُوَّةَ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُتَقَوِّلِينَ عَلَيْهِ الْأَبَاطِيلَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَحْبَارِ الْيَهُودِ، عَمَّا تَعْمَلُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمُ الْخَبِيثَةِ وَأَفْعَالِكُمُ الرَّدِيئَةِ؛ وَلَكِنَّهُ يُحْصِيهَا عَلَيْكُمْ، فَيُجَازِيكُمْ بِهَا فِي الْآخِرَةِ أَوْ يُعَاقِبُكُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا.
وَأَصْلُ الْغَفْلَةِ عَنِ الشَّيْءِ: تَرْكُهُ عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ عَنْهُ وَالنِّسْيَانِ لَهُ، فَأَخْبَرَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ غَيْرُ غَافِلٍ عَنْ أَفْعَالِهِمُ الْخَبِيثَةِ وَلَا سَاهٍ عَنْهَا، بَلْ هُوَ لَهَا مُحْصٍ، وَلَهَا حَافِظٌ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾

[البقرة: 75]

يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ [البقرة: 75] يَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ، أَيْ أَفَتَرْجُونَ يَا مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُصَدِّقِينَ مَا جَاءَكُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ أَنْ يُؤْمِنَ لَكُمْ يَهُودُ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟

جارٍ التحميل