تفسير الطبري = جامع البيان﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: 29] يَقُولُ: فَاسْجُدُوا لَهُ وَخِرُّوا لَهُ سُجَّدًا

﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: 29] يَقُولُ: فَاسْجُدُوا لَهُ وَخِرُّوا لَهُ سُجَّدًا

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: 30] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا سَوَّى اللَّهُ خَلْقَ ذَلِكَ الْبَشَرِ وَهُوَ آدَمُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، سَجَدَ لَهُ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، يَعْنِي بِذَلِكَ: الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ﴾ [ص: 74] يَقُولُ: غَيْرَ إِبْلِيسَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ، اسْتَكْبَرَ عَنِ السُّجُودِ

لَهُ تَعَظُّمًا وَتَكَبُّرًا ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 34] يَقُولُ: وَكَانَ بِتَعَظُّمِهِ ذَلِكَ، وَتَكَبُّرِهِ عَلَى رَبِّهِ وَمَعْصِيَتِهِ أَمْرَهُ، مِمَّنْ كَفَرَ فِي عِلْمِ اللَّهِ السَّابِقِ، فَجَحَدَ رُبُوبِيَّتَهُ، وَأَنْكَرَ مَا عَلَيْهِ

الْإِقْرَارُ لَهُ بِهِ مِنَ الْإِذْعَانِ بِالطَّاعَةِ

كَمَا: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [ص: 74] قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ مِنَ الْكَافِرِينَ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: 76] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿قَالَ﴾ [البقرة: 30] اللَّهُ لِإِبْلِيسَ، إِذْ لَمْ يَسْجُدْ لِآدَمَ، وَخَالَفَ أَمْرَهُ: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ [ص: 75] يَقُولُ: أَيُّ شَيْءٍ مَنَعَكَ مِنَ

السُّجُودِ ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75] يَقُولُ: لِخَلْقِ يَدَيَّ؛ يُخْبِرُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ أَنَّهُ خَلَقَ آدَمَ بِيَدَيْهِ

كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدٌ الْمُكْتِبُ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: " خَلَقَ اللَّهُ أَرْبَعَةً بِيَدِهِ: الْعَرْشُ، وَعَدْنُ، وَالْقَلَمُ، وَآدَمُ، «ثُمَّ قَالَ لِكُلِّ شَيْءٍ كُنْ فَكَانَ»

وَقَوْلُهُ: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾ [ص: 75] يَقُولُ لِإِبْلِيسَ: تَعَظَّمْتَ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ، فَتَرَكْتَ السُّجُودَ لَهُ اسْتِكْبَارًا عَلَيْهِ، وَلَمْ تَكُنْ مِنَ الْمُتَكَبِّرِينَ الْعَالِينَ قَبْلَ ذَلِكَ ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: 75] يَقُولُ: أَمْ كُنْتَ كَذَلِكَ مِنْ قَبْلُ ذَا عُلُوٍّ وَتَكَبُّرٍ عَلَى رَبِّكَ ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾ [الأعراف: 12] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قَالَ إِبْلِيسُ لِرَبِّهِ: فَعَلْتَ

ذَلِكَ فَلَمْ أَسْجُدْ لِلَّذِي أَمَرْتَنِي بِالسُّجُودِ لَهُ لِأَنِّي خَيْرٌ مِنْهُ وَكُنْتُ خَيْرًا لِأَنَّكَ

خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ، وَالنَّارُ تَأْكُلُ الطِّينَ وَتُحْرِقُهُ، فَالنَّارُ خَيْرٌ مِنْهُ، يَقُولُ: لَمْ أَفْعَلْ ذَلِكَ اسْتِكْبَارًا عَلَيْكَ، وَلَا لِأَنِّي كُنْتُ مِنَ الْعَالِينَ، وَلَكِنِّي فَعَلْتُهُ مِنْ أَجْلِ أَنِّي أَشْرَفُ مِنْهُ؛ وَهَذَا تَقْرِيعٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبَوْا الِانْقِيَادَ لَهُ، وَاتِّبَاعَ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ اسْتِكْبَارًا عَنْ أَنْ يَكُونُوا تَبَعًا لِرَجُلٍ مِنْهُمْ حِينَ قَالُوا: ﴿أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ وَ ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: 3] فَقَصَّ عَلَيْهِمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ قِصَّةَ إِبْلِيسَ وَإِهْلَاكِهِ بِاسْتِكْبَارِهِ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ بِدَعْوَاهُ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْهُ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِنْ طِينٍ، حَتَّى صَارَ شَيْطَانًا رَجِيمًا، وَحَقَّتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ لَعْنَتُهُ، مُحَذِّرَهُمْ بِذَلِكَ أَنْ يَسْتَحِقُّوا بِاسْتِكْبَارِهِمْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَتَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ حَسَدًا وَتَعَظُّمًا مِنَ اللَّعْنِ وَالسَّخْطِ مَا اسْتَحَقَّهُ إِبْلِيسُ بِتَكَبُّرِهِ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [ص: 78] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِإِبْلِيسَ: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ [الحجر: 34] يَعْنِي مِنَ الْجَنَّةِ ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر: 34] يَقُولُ: فَإِنَّكَ مَرْجُومٌ بِالْقَوْمِ، مَشْتُومٌ مَلْعُونٌ

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [ص: 77] قَالَ: " وَالرَّجِيمُ: اللَّعِينُ " حُدِّثْتُ عَنِ الْمُحَارِبِيِّ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، بِمِثْلُهُ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ [ص: 78] يَقُولُ: وَإِنَّ لَكَ طَرْدِي مِنَ الْجَنَّةِ ﴿إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: 35] يَعْنِي: إِلَى يَوْمِ مُجَازَاةِ الْعِبَادِ وَمُحَاسَبَتِهِمْ ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يَبْعَثُونَ﴾ [الحجر: 36] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ إِبْلِيسُ لِرَبِّهِ: رَبِّ فَإِذْ لَعَنْتَنِي، وَأَخْرَجْتَنِي مِنْ جَنَّتِكَ ﴿فَأَنْظِرْنِي﴾ [الأعراف: 14] يَقُولُ: فَأَخِّرْنِي فِي الْأَجَلِ، وَلَا تُهْلِكْنِي ﴿إِلَى يَوْمِ يَبْعَثُونَ﴾ [الأعراف: 14] يَقُولُ: إِلَى يَوْمِ تَبْعَثُ خَلْقَكَ مِنْ قُبُورِهِمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: 81] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ اللَّهُ لِإِبْلِيسَ: فَإِنَّكَ مِمَّنْ أَنْظَرْتُهُ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ، وَذَلِكَ الْوَقْتُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ أَجَلًا لِهَلَاكِهِ وَقَدْ بَيَّنْتُ وَقْتَ ذَلِكَ

فِيمَا مَضَى عَلَى اخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ وَقَالَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ إِبْلِيسُ: فَبِعِزَّتِكَ: أَيْ بِقُدْرَتِكَ وَسُلْطَانِكَ وَقَهْرِكَ مَا دُونَكَ مِنْ خَلْقِكَ ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82] يَقُولُ: لَأُضِلَّنَّ بَنِي آدَمَ أَجْمَعِينَ ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: 40] يَقُولُ: إِلَّا مَنْ أَخْلَصْتَهُ مِنْهُمْ لِعِبَادَتِكَ، وَعَصَمْتَهُ مِنْ إِضْلَالِي، فَلَمْ تَجْعَلْ لِي عَلَيْهِ سَبِيلًا، فَإِنِّي لَا أَقْدِرُ عَلَى إِضْلَالِهِ وَإِغْوَائِهِ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82] قَالَ: «عَلِمَ عَدُوُّ اللَّهِ أَنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ عِزَّةٌ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: 85] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ [ص: 84] فَقَرَأَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ وَعَامَّةُ الْكُوفِيِّينَ بِرَفْعِ الْحَقِّ الْأَوَّلِ، وَنَصْبِ الثَّانِي وَفِي

رَفْعِ الْحَقِّ الْأَوَّلِ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا رَفْعُهُ بِضَمِيرٍ لِلَّهِ الْحَقُّ، أَوْ أَنَا الْحَقُّ وَأَقُولُ الْحَقَّ وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِتَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ [الأعراف: 18] فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: فَالْحَقُ أَنْ أَمْلَأَ جَهَنَّمَ مِنْكَ، كَمَا يَقُولُ: عَزْمَةٌ صَادِقَةٌ لَآتِيَنَّكَ، فَرَفَعَ عَزْمَةً بِتَأْوِيلِ لَآتِيَنَّكَ، لِأَنَّ تَأْوِيلَهُ أَنْ آتِيَكَ، كَمَا قَالَ: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنَنَّهُ﴾ [يوسف: 35] فَلَا بُدَّ لِقَوْلِهِ: ﴿بَدَا لَهُمْ﴾ [الأنعام: 28] مِنْ مَرْفُوعٍ، وَهُوَ مُضْمَرٌ فِي الْمَعْنَى وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ الْمَكِّيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ بِنَصْبِ الْحَقِّ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي كِلَيْهِمَا، بِمَعْنَى: حَقًّا لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ وَالْحَقَّ أَقُولُ، ثُمَّ أُدْخِلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ، لِأَنَّ دُخُولَهُمَا إِذَا كَانَ كَذَلِكَ مَعْنَى الْكَلَامِ وَخُرُوجَهُمَا مِنْهُ سَوَاءٌ، كَمَا سَوَاءٌ قَوْلُهُمْ: حَمْدًا لِلَّهِ، وَالْحَمْدَ لِلَّهِ عِنْدَهُمْ إِذَا نَصَبَ وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَصَبُهُ عَلَى وَجْهِ الْإِغْرَاءِ بِمَعْنَى: الْزَمُوا الْحَقَّ،

وَاتَّبِعُوا الْحَقَّ، وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ لِأَنَّهُ خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ لِإِبْلِيسَ بِمَا هُوَ فَاعِلٌ بِهِ وَبِتُبَّاعِهِ وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قَرَأَةِ الْأَمْصَارِ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ لِصِحَّةِ مَعْنَيَيْهِمَا وَأَمَّا الْحَقُّ الثَّانِي، فَلَا اخْتِلَافَ فِي نَصْبِهِ بَيْنَ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ كُلِّهُمْ، بِمَعْنَى: وَأَقُولُ الْحَقَّ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَالْحَقُ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ [ص: 84] " يَقُولُ اللَّهُ: أَنَا الْحَقُّ، وَالْحَقَّ أَقُولُ "

وَحُدِّثْتُ عَنِ ابْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿فَالْحَقُ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ [ص: 84] " يَقُولُ اللَّهُ: الْحَقُّ مِنِّي، وَأَقُولُ الْحَقَّ "

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنْ هَارُونَ، قَالَ: ثنا أَبَانُ بْنُ تَغْلِبَ، عَنْ طَلْحَةَ الْيَامِيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " أَنَّهُ قَرَأَهَا ﴿فَالْحَقُ﴾ [ص: 84] بِالرَّفْعِ ﴿وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ [ص: 84] نَصْبًا وَقَالَ: يَقُولُ اللَّهُ: أَنَا الْحَقُّ، وَالْحَقَّ أَقُولُ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿الْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ قَالَ: «قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ»

جارٍ التحميل