تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 613-624

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: 130] يَقُولُ: وَإِذَا سَطَوْتُمْ سَطَوْتُمْ قَتْلًا بِالسُّيُوفِ، وَضَرْبًا بِالسِّيَاطِ كَمَا:

صفحات 613-624
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: " ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: 130] قَالَ: الْقَتْلُ بِالسَّيْفِ وَالسِّيَاطِ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ.
وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ.
أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ.
وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ.
إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: 132] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ هُودٍ لِقَوْمِهِ مِنْ عَادٍ: اتَّقُوا عِقَابَ اللَّهِ أَيُّهَا الْقَوْمُ بِطَاعَتِكُمْ إِيَّاهُ فِيمَا أَمَرَكُمْ وَنَهَاكُمْ،

وَانْتَهُوا عَنِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ وَظُلْمِ النَّاسِ وَقَهْرِهِمْ بِالْغَلَبَةِ وَالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ , وَاحْذَرُوا سَخَطَ الَّذِي أَعْطَاكُمْ مِنْ عِنْدِهِ مَا تَعْلَمُونَ , وَأَعَانَكُمْ بِهِ مِنْ بَيْنِ الْمَوَاشِي وَالْبَنِينَ وَالْبَسَاتِينِ وَالْأَنْهَارِ.
﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ﴾ [الأعراف: 59] مِنَ اللَّهِ ﴿عَظِيمٍ﴾ [البقرة: 7] .

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ.
وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: 137] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَتْ عَادٌ لِنَبِيِّهِمْ هُودٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مُعْتَدِلٌ عِنْدَنَا وَعْظُكَ إِيَّانَا وَتَرَكُكَ الْوَعْظَ، فَلَنْ نُؤْمِنَ لَكَ وَلَنْ نُصَدِّقَكَ عَلَى مَا جِئْتَنَا بِهِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: 137] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ؛ فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ سِوَى أَبِي جَعْفَرٍ، وَعَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: 137] مِنْ قَبْلِنَا، وَقَرَأَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُوعَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ: (إِنْ هَذَا إِلَّا خَلْقُ الْأَوَّلِينَ) ، بِفَتْحِ الْخَاءِ

وَتَسْكِينِ اللَّامِ، بِمَعْنَى: مَا هَذَا الَّذِي جِئْتَنَا بِهِ إِلَّا كَذِبَ الْأَوَّلِينَ وَأَحَادِيثَهُمْ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، نَحْوَ اخْتِلَافِ الْقُرَّاءِ فِي قِرَاءَتِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: مَا هَذَا إِلَّا دِينُ الْأَوَّلِينَ وَعَادَتُهُمْ وَأَخْلَاقُهُمْ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: " ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: 137] يَقُولُ: دِينُ الْأَوَّلِينَ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: " ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: 137] يَقُولُ: هَكَذَا خِلْقَةُ الْأَوَّلِينَ، وَهَكَذَا كَانُوا يَحْيَوْنَ وَيَمُوتُونَ ". وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: مَا هَذَا إِلَّا كَذِبُ الْأَوَّلِينَ وَأَسَاطِيرُهُمْ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: 137] قَالَ: أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: " ﴿إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: 137] قَالَ: كَذِبُهُمْ ". حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: 137] قَالَ: إِنْ هَذَا إِلَّا أَمْرُ الْأَوَّلِينَ وَأَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى

عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا "

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: " ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: 137] يَقُولُ: إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ الْأَوَّلِينَ "

قَالَ ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا دَاوُدُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ " ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: 137] وَيَقُولُ شَيْءٌ اخْتَلَقُوهُ "

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ دَاوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: قَالَ عَلْقَمَةُ: " ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: 137] قَالَ: اخْتِلَاقٌ الْأَوَّلِينَ ". وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ: قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: 137] بِضَمِّ الْخَاءِ وَاللَّامِ، بِمَعْنَى: إِنْ هَذَا إِلَّا عَادَةُ الْأَوَّلِينَ وَدِينُهُمْ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا عُوتِبُوا عَلَى الْبُنْيَانِ الَّذِي كَانُوا يَتَّخِذُونَهُ، وَبَطْشِهِمْ بِالنَّاسِ بَطَشَ الْجَبَابِرَةِ، وَقِلَّةِ شُكْرِهِمْ رَبَّهُمْ فِيمَا أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ، فَأَجَابُوا نَبِيَّهُمْ بِأَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ مَا يَفْعَلُونَ مِنْ ذَلِكَ احْتِذَاءً مِنْهُمْ سُنَّةَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ، وَاقْتِفَاءً مِنْهُمْ آثَارَهُمْ، فَقَالُوا: مَا هَذَا الَّذِي نَفْعَلُهُ إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ، يَعْنُونَ بِالْخُلُقِ: عَادَةَ الْأَوَّلِينَ.
وَيَزِيدُ ذَلِكَ بَيَانًا وَتَصْحِيحًا لِمَا اخْتَرْنَا مِنَ الْقِرَاءَةِ وَالتَّأْوِيلِ، قَوْلُهُمْ: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: 138] لِأَنَّهُمْ

لَوْ كَانُوا لَا يُقِرُّونَ بِأَنَّ لَهُمْ رَبًّا يَقْدِرِ عَلَى تَعْذِيبِهِمْ مَا قَالُوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: 138] بَلْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنْ هَذَا الَّذِي جِئْتَنَا بِهِ يَا هُودُ إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ، وَمَا لَنَا مِنْ مُعَذِّبٍ يُعَذِّبُنَا، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا مُقِرِّينَ بِالصَّانِعِ، وَيَعْبُدُونَ الْآلِهَةَ، عَلَى نَحْوِ مَا كَانَ مُشْرِكُو الْعَرَبِ يَعْبُدُونَهَا، وَيَقُولُونَ: إِنَّهَا تُقَرِّبُنَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، فَلِذَلِكَ قَالُوا لِهُودٍ وَهُمْ مُنْكَرُونَ نُبُوَّتَهُ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ [الشعراء: 136] ثُمَّ قَالُوا لَهُ: مَا هَذَا الَّذِي نَفْعَلُهُ إِلَّا عَادَةُ مَنْ قَبْلَنَا وَأَخْلَاقُهُمْ، وَمَا اللَّهُ مُعَذِّبَنَا عَلَيْهِ، كَمَا أَخْبَرَنَا تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنِ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ قَبْلَنَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ لِرُسُلِهِمْ: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: 140] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَكَذَّبَتْ عَادٌ رَسُولَ رَبِّهِمْ هُودًا، وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ [الأعراف: 64] مِنْ ذِكْرِ هُودٍ.
﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ [الأنعام: 6] يَقُولُ: فَأَهْلَكْنَا عَادًا بِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَنَا.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾

[البقرة: 248] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ فِي إِهْلَاكِنَا عَادًا بِتَكْذِيبِهَا رَسُولَهَا لَعِبْرَةً وَمَوْعِظَةً لِقَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ الْمُكَذِّبِيكَ فِيمَا أَتَيْتُهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 8] يَقُولُ: وَمَا كَانَ أَكْثَرُ مَنْ أَهْلَكْنَا بِالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ فِي سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ [الشعراء: 9] فِي انْتِقَامِهِ مِنْ أَعْدَائِهِ، ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الفاتحة: 1] بِالْمُؤْمِنِينَ بِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ , إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ

صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ.
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ.
وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ، إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء: 142] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كَذَّبَتْ ثَمُودُ رُسُلَ اللَّهِ، إِذْ دَعَاهُمْ صَالِحٌ أَخُوهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَلَا تَتَّقُونَ عِقَابَ اللَّهِ يَا قَوْمِ عَلَى مَعْصِيَتِكُمْ إِيَّاهُ، وَخِلَافِكُمْ أَمْرَهُ، بِطَاعَتِكُمْ أَمْرَ الْمُفْسِدِينَ فِي أَرْضِ اللَّهِ.
﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ﴾ [الشعراء: 107] مِنَ اللَّهِ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ بِتَحْذِيرِكُمْ عُقُوبَتَهُ عَلَى خِلَافِكُمْ أَمْرَهُ ﴿أَمِينٌ﴾ [الأعراف: 68] عَلَى رِسَالَتِهِ الَّتِي أَرْسَلَهَا مَعِي إِلَيْكُمْ.
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: 50] أَيُّهَا الْقَوْمُ، وَاحْذَرُوا عِقَابَهُ ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ [آل عمران: 50] فِي تَحْذِيرِي إِيَّاكُمْ، وَأَمْرِ رَبِّكُمْ بِاتِّبَاعِ طَاعَتِهِ.
﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعراء: 109] يَقُولُ: وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَى نُصْحِي إِيَّاكُمْ وَإِنْذَارِكُمْ مِنْ جَزَاءٍ وَلَا ثَوَابٍ.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 109] يَقُولُ: إِنْ جَزَائِي وَثَوَابِي إِلَّا عَلَى رَبِّ جَمِيعِ مَا فِي السَّمَوَاتِ، وَمَا فِي الْأَرْضِ، وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ خَلْقٍ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ.
فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ.
وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ.
وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: 147] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ صَالِحٍ لِقَوْمِهِ مِنْ ثَمُودَ: أَيَتْرُكُكُمْ يَا قَوْمِ رَبُّكُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا آمِنِينَ، لَا تَخَافُونَ

شَيْئًا.
﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الحجر: 45] يَقُولُ: فِي بَسَاتِينَ وَعُيُونِ مَاءٍ.
﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: 148] يَعْنِي بِالطَّلْعِ: الْكُفُرَّى.

وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ﴿هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: 148] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ الْيَانِعُ النَّضِيجُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: " ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: 148] يَقُولُ: أَيْنَعَ وَبَلَغَ فَهُوَ هَضِيمٌ ". وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ الْمُتَهَشِّمُ الْمُتَفَتِّتُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: 148] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو فِي حَدِيثِهِ: تَهَشَّمَ هَشِيمًا.
وَقَالَ الْحَارِثُ: تَهَشَّمَ تَهَشُّمًا "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الْكَرِيمِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: 148] قَالَ: حِينَ تَطْلُعُ يَقْبِضُ عَلَيْهِ فَيَهْضِمُهُ "

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ مُجَاهِدٌ: "

إِذَا مُسَّ تَهَشَّمَ وَتَفَتَّتَ، قَالَ: هُوَ مِنَ الرُّطَبِ هَضِيمٌ تَقْبِضُ عَلَيْهِ فَتَهْضِمُهُ ". وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ الرَّطْبُ اللَّيِّنُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَوْلَهُ: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: 148] قَالَ: " الْهَضِيمُ: الرَّطْبُ اللَّيِّنُ ". وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ الرَّاكِبُ بَعْضُهُ بَعْضًا.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء: 148] «إِذَا كَثُرَ حِمْلُ النَّخْلَةِ فَرَكِبَ بَعْضُهَا بَعْضًا، حَتَّى نَقَصَ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَهُوَ حِينَئِذٍ هَضِيمٌ» . وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: الْهَضِيمُ: هُوَ الْمُتَكَسِّرُ مِنْ لِينِهِ وَرُطُوبَتِهِ، وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: هَضَمَ فُلَانٌ حَقَّهُ: إِذَا انْتَقَصَهُ وَتَحَيَّفَهُ، فَكَذَلِكَ الْهَضْمُ فِي الطَّلْعِ، إِنَّمَا هُوَ التَّنَقُّصُ مِنْهُ مِنْ رُطُوبَتِهِ وَلِينِهِ إِمَّا بِمَسِّ الْأَيْدِي، وَإِمَّا بِرُكُوبِ بَعْضِهِ بَعْضًا، وَأَصْلُهُ مَفْعُولٌ صُرِفَ إِلَى فَعِيلٍ.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: 149] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَتَتَّخِذُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا.
فَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ ﴿فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: 149] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ: ﴿فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: 149] بِمَعْنَى: حَاذِقِينَ بِنَحْتِهَا.
وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: (فَرِهِينَ) ، بِغَيْرِ أَلْفٍ، بِمَعْنَى:

أَشِرِينَ بَطِرِينَ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ عَلَى نَحْوِ اخْتِلَافِ الْقُرَّاءِ فِي قِرَاءَتِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ﴿فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: 149] : حَاذِقِينَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا عَثَّامٌ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ: " ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: 149] قَالَ أَحَدُهُمَا: حَاذِقِينَ، وَقَالَ الْآخَرُ: يَتَجَبَّرُونَ "

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا مَرْوَانٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ: " ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: 149] قَالَ: حَاذِقِينَ بِنَحْتِهَا "

حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: " ﴿فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: 149] يَقُولُ: حَاذِقِينَ ".

وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى فَارِهِينَ مُسْتَفْرِهِينَ مُتَجَبِّرِينَ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، فِي قَوْلِهِ: (فَرِهِينَ) ، قَالَ: يَتَجَبَّرُونَ ". قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ: ﴿فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: 149] . وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ قَرَأَهُ ﴿فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: 149] : مَعْنَى ذَلِكَ: كَيِّسِينَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: 149] قَالَ: كَيِّسِينَ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ أَنَّهُ قَرَأَ " ﴿فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: 149] قَالَ: كَيِّسِينَ ". وَقَالَ آخَرُونَ: فَرِهِينَ: أَشِرِينَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: 149] يَقُولُ: أَشِرِينَ، وَيُقَالُ: كَيِّسِينَ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: (بُيُوتًا فَرِهِينَ) ، قَالَ: شَرِهِينَ ". حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، بِمِثْلِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَقْوِيَاءُ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ) ، قَالَ: الْفَرِهُ: الْقَوِيُّ "

وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " (فَرِهِينَ) ، قَالَ: مُعْجَبِينَ بِصَنِيعِكُمْ ". وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَهَا ﴿فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: 149] ، وَقِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ (فَرِهِينَ) ، قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ مُسْتَفِيضَةُ الْقِرَاءَةِ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا فِي عُلَمَاءِ الْقُرَّاءِ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ.

وَمَعْنَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ﴿فَارِهِينَ﴾ [الشعراء: 149] حَاذِقِينَ بِنَحْتِهَا، مُتَخَبِّرِينَ لِمَوَاضِعِ نَحْتِهَا، كَيِّسِينَ، مِنَ الْفَرَاهَةِ.
وَمَعْنَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ (فَرِهِينَ) : مَرِحِينَ أَشِرِينَ.
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى فَارِهٍ وَفَرِهٍ وَاحِدًا، فَيَكُونَ فَارِهٌ مَبْنِيًّا عَلَى بِنَائِهِ، وَأَصْلُهُ مِنْ فَعَلَ يَفْعَلُ، وَيَكُونُ فَرِهٌ صِفَةً، كَمَا يُقَالُ: فُلَانٌ حَاذِقٌ بِهَذَا الْأَمْرِ وَحَذِقٌ.
وَمِنَ الْفَارِهِ بِمَعْنَى الْمَرِحِ قَوْلُ الشَّاعِرِ عَدِيِّ بْنِ وَادْعٍ الْعَوْفِيِّ مِنَ الْأَزْدِ: [البحر البسيط] لَا أَسْتَكِينُ إِذَا مَا أَزْمَةٌ أَزَمَتْ ... وَلَنْ تَرَانِي بِخَيْرٍ فَارِهَ الطَّلَبِ أَيْ مِرِحِ الطَّلَبِ

جارٍ التحميل