تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 550-562

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 37] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: زِيَادَةُ كُفْرٍ بِالنَّسِيءِ إِلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ. وَقِيلَ: ابْتِدَاعُهُمُ النَّسِيءَ

صفحات 550-562
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

وَكَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ مَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67] نَسُوا مِنَ الْخَيْرِ، وَلَمْ يَنْسُوا مِنَ الشَّرِّ " قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: 67] يَقُولُ: إِنَّ الَّذِينَ يُخَادِعُونَ

الْمُؤْمِنِينَ بِإِظْهَارِهِمْ لَهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمُ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ، وَهُمْ لِلْكُفْرِ مُسْتَبْطِنُونَ، هُمُ الْمُفَارِقُونَ طَاعَةَ اللَّهِ الْخَارِجُونَ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ [التوبة: 68] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ﴾ [التوبة: 68] بِاللَّهِ ﴿نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: 35] أَنْ يُصْلِيهِمُوهَا جَمِيعًا.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البقرة: 162] يَقُولُ: مَاكِثِينَ فِيهَا أَبَدًا،

لَا يَحْيَوْنَ فِيهَا وَلَا يَمُوتُونَ.
﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ [التوبة: 68] يَقُولُ: هِيَ كَافِيَتُهُمْ عِقَابًا وَثَوَابًا عَلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ.
﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: 68] يَقُولُ: وَأَبْعَدَهُمُ اللَّهُ وَأَسْحَقَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: 37] يَقُولُ: وَلِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، يَعْنِي مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ وَالْكُفْرِ عِنْدَ اللَّهِ، عَذَابٌ مُقِيمٌ دَائِمٌ، لَا يَزُولُ وَلَا يَبِيدُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [التوبة: 69] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ: أَبِاللَّهِ وَآيَاتِ كِتَابِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ فَعَلُوا فِعْلَكُمْ فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ، وَعَجَّلَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا الْخِزْيَ مَعَ مَا أَعَدَّ لَهُمْ مِنَ الْعُقُوبَةِ وَالنَّكَالِ فِي الْآخِرَةِ؟ يَقُولُ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَاحْذَرُوا أَنْ يَحِلَّ بِكُمْ مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ مِثْلُ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَشَدَّ

مِنْكُمْ قُوَّةً وَبَطْشًا، وَأَكْثَرَ مِنْكُمْ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا.
﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾ [التوبة: 69] يَقُولُ: فَتَمَتَّعُوا بِنَصِيبِهِمْ وَحَظِّهِمْ مِنْ دُنْيَاهُمْ وَدِينِهِمْ، وَرَضُوا بِذَلِكَ مِنْ نَصِيبِهِمْ فِي الدُّنْيَا عِوَضًا مِنْ نَصِيبِهِمْ فِي الْآخِرَةِ.
وَقَدْ سَلَكْتُمْ أَيُّهَا الْمُنَافِقُونَ سَبِيلَهُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِخَلَاقِكُمْ، يَقُولُ: فَعَلْتُمْ بِدِينِكُمْ وَدُنْيَاكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الْأُمَمُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِكُمُ الَّذِينَ أَهْلَكْتُهُمْ بِخَلَافِهِمْ أَمْرِي بِخَلَاقِهِمْ، يَقُولُ: كَمَا فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِنَصِيبِهِمْ مِنْ دُنْيَاهُمْ وَدِينِهِمْ، وَخُضْتُمْ فِي الْكَذِبِ وَالْبَاطِلِ عَلَى اللَّهِ كَالَّذِي خَاضُوا، يَقُولُ: وَخُضْتُمْ أَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُنَافِقُونَ كَخَوْضِ تِلْكَ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَتَأْخُذُنَّ كَمَا أَخَذَ الْأُمَمُ مِنْ قَبْلِكُمْ، ذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، وَشِبْرًا بِشِبْرٍ، وَبَاعًا بِبَاعٍ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدًا مِنْ أُولَئِكَ دَخَلَ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ» . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمُ الْقُرْآنَ: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: 69] قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَمَا صَنَعَتْ فَارِسُ وَالرُّومُ؟ قَالَ: «فَهَلِ النَّاسُ إِلَّا هُمْ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [التوبة: 69] الْآيَةَ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا أَشْبَهُ اللَّيْلَةِ بِالْبَارِحَةِ ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [التوبة: 69] هَؤُلَاءِ بَنُو إِسْرَائِيلَ شُبِّهْنَا بِهِمْ، لَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَتَّبِعُنَّهُمْ حَتَّى لَوْ دَخَلَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ "

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، وَبَاعًا بِبَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ» قَالُوا: وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَهْلُ الْكِتَابِ؟ قَالَ: «فَمَهْ؟»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: " إِنَّهُ قَالَ: فَمَنْ؟ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ

الْحَسَنِ: " ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾ [التوبة: 69] قَالَ: بِدِينِهِمْ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حِذْرَكُمْ أَنْ تُحْدِثُوا فِي الْإِسْلَامِ حَدَثًا» وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ سَيَفْعَلُ ذَلِكَ أَقْوَامٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَقَالَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: 69] وَإِنَّمَا حَسِبُوا أَنْ لَا يَقَعَ بِهِمْ مِنَ الْفِتْنَةِ مَا وَقَعَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ قَبْلَهُمْ، وَإِنَّ الْفِتْنَةَ عَائِدَةٌ كَمَا بَدَتْ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [التوبة: 17] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، وَفَعَلُوا فِي ذَلِكَ فِعْلَ الْهَالِكِينَ مِنَ الْأُمَمِ قَبْلَهُمْ.
﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: 217] يَقُولُ: ذَهَبَتْ أَعْمَالُهُمْ بَاطِلًا، فَلَا ثَوَابَ لَهَا إِلَّا النَّارُ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِيمَا يُسْخِطُ اللَّهَ وَيَكْرَهُهُ.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [التوبة: 69] يَقُولُ:

وَأُولَئِكَ هُمُ الْمَغْبُونُونَ صِفْقَتُهُمْ بِبَيْعِهِمْ نَعِيمَ الْآخِرَةِ بِخَلَاقِهِمْ مِنَ الدُّنْيَا الْيَسِيرِ الزَّهِيدِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [التوبة: 70] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَلَمْ يَأْتِ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يُسِرُّونَ الْكُفْرَ بِاللَّهِ، وَيَنْهَوْنَ

عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ ﴿نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهُمْ﴾ [التوبة: 70] يَقُولُ: خَبَرُ الْأُمَمِ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهُمْ حِينَ عَصَوْا رُسُلَنَا، وَخَالَفُوا أَمْرَنَا مَاذَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ عُقُوبَتِنَا؟ ثُمَّ بَيَّنَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَنْ أُولَئِكَ الْأُمَمُ الَّتِي قَالَ لِهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَؤُهُمْ، فَقَالَ: ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: 69] وَلِذَلِكَ خَفَضَ الْقَوْمَ لِأَنَّهُ تَرْجَمَ بِهِنَّ عَنِ الَّذِينَ، وَالَّذِينَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: أَلَمْ يَأْتِ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ خَبَرُ قَوْمِ نُوحٍ وَصَنِيعِي بِهِمْ؛ إِذْ كَذَّبُوا رَسُولِي نُوحًا وَخَالَفُوا أَمْرِي، أَلَمْ أُغْرِقْهُمْ بِالطُّوفَانِ؟ ﴿وَعَادٍ﴾ [التوبة: 70] يَقُولُ: وَخَبَرُ عَادٍ إِذْ عَصَوْا رَسُولِي هُودًا، أَلَمْ أُهْلِكْهُمْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ؟ وَخَبَرُ ثَمُودَ إِذْ عَصَوْا رَسُولِي صَالِحًا، أَلَمْ أُهْلِكْهُمْ بِالرَّجْفَةِ، فَأَتْرُكْهُمْ بِأَفْنِيَتِهِمْ خُمُودًا؟ وَخَبَرُ قَوْمِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ عَصَوْهُ، وَرَدُّوا عَلَيْهِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الْحَقِّ، أَلَمْ أَسْلُبْهُمُ النِّعْمَةَ وَأُهْلِكْ مَلِكَهُمْ نُمْرُوذَ؟ وَخَبَرُ أَصْحَابِ مَدْيَنَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أَلَمْ أُهْلِكْهُمْ بِعَذَابِ يَوْمِ الظُّلَّةِ؛ إِذْ كَذَّبُوا رَسُولِي شُعَيْبًا؟ وَخَبَرُ الْمُنْقَلِبَةِ بِهِمْ أَرْضُهُمْ، فَصَارَ أَعْلَاهَا أَسْفَلَهَا؛ إِذْ عَصَوْا رَسُولِي لُوطًا وَكَذَّبُوا مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِي مِنَ الْحَقِّ.
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَفَأَمِنَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ يَسْتَهْزِئُونَ بِاللَّهِ وَبِآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ، أَنْ يُسْلَكَ بِهِمْ فِي الِانْتِقَامِ مِنْهُمْ وَتَعْجِيلِ الْخِزْيِ وَالنَّكَالِ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا سَبِيلُ أَسْلَافِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ، وَيَحِلَّ بِهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا حَلَّ بِهِمْ فِي تَكْذِيبِهِمْ رُسُلَنَا؛ إِذْ أَتَتْهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ [التوبة: 70] قَالَ: قَوْمُ لُوطٍ انْقَلَبَتْ بِهِمْ أَرْضُهُمْ، فَجُعِلَ عَالِيهَا سَافِلَهَا "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ [التوبة: 70] قَالَ: هُمْ قَوْمُ لُوطٍ " فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنْ كَانَ عَنَى بِالْمُؤْتَفِكَاتِ قَوْمَ لُوطٍ، فَكَيْفَ قِيلَ: الْمُؤْتَفِكَاتِ، فَجُمِعَتْ وَلَمْ تُوَحَّدْ؟ قِيلَ: إِنَّهَا كَانَتْ قَرْيَاتٍ ثَلَاثًا، فَجُمِعَتْ لِذَلِكَ، وَلِذَلِكَ جُمِعَتْ بِالتَّاءِ عَلَى قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم: 53] . فَإِنْ قَالَ: وَكَيْفَ قِيلَ: أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ، وَإِنَّمَا كَانَ الْمُرْسَلُ إِلَيْهِمْ وَاحِدًا؟ قِيلَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَتَى كُلَّ قَرْيَةٍ مِنَ الْمُؤْتَفِكَاتِ رَسُولٌ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَتَكُونُ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ إِلَيْهِمْ لِلدُّعَاءِ إِلَى اللَّهِ عَنْ رِسَالَتِهِ رُسُلًا إِلَيْهِمْ، كَمَا قَالَتِ الْعَرَبُ لِقَوْمٍ نُسِبُوا إِلَى أَبِي فُدَيْكٍ الْخَارِجِيِّ: الْفُدَيْكَاتُ، وَأَبُو فُدَيْكٍ وَاحِدٌ، وَلَكِنَّ أَصْحَابَهُ لَمَّا نُسِبُوا إِلَيْهِ وَهُوَ رَئِيسُهُمْ دُعُوا بِذَلِكَ وَنُسِبُوا إِلَى رَئِيسِهِمْ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [التوبة: 70]

وَقَدْ يُحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَتَتْ قَوْمَ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَسَائِرِ الْأُمَمِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ رُسُلُهُمْ مِنَ اللَّهِ بِالْبَيِّنَاتِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ [التوبة: 70] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَمَا أَهْلَكَ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَمَ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهُ أَهْلَكَهَا إِلَّا بِإِجْرَامِهَا وَظُلْمِهَا أَنْفُسَهَا وَاسْتِحْقَاقِهَا مِنَ اللَّهِ عَظِيمَ الْعِقَابِ، لَا ظُلْمًا مِنَ اللَّهِ لَهُمْ وَلَا وَضْعًا مِنْهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عُقُوبَةً فِي غَيْرِ مَنْ هُوَ لَهَا أَهْلٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ حَكِيمٌ، لَا خَلَلَ فِي تَدْبِيرِهِ وَلَا خَطَأَ فِي تَقْدِيرِهِ، وَلَكِنَّ الْقَوْمَ الَّذِينَ أَهْلَكَهُمْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ وَتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُ حَتَّى أَسْخَطُوا عَلَيْهِمْ رَبَّهُمْ فَحَقَّ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ فَعُذِّبُوا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 71] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ، وَهُمُ الْمُصَدِّقُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ

وَآيَاتِ كِتَابِهِ، فَإِنَّ صِفَتَهُمْ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَنْصَارُ بَعْضٍ وَأَعْوَانُهُمْ.
﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة: 71] يَقُولُ: يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 3] يَقُولُ: وَيُؤَدُّونَ الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [المائدة: 55] يَقُولُ: وَيُعْطُونَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ أَهْلَهَا.
﴿وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [التوبة: 71] فَيَأْتَمِرُونَ لِأَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَيَنْتَهُونَ عَمَّا نَهَيْنَاهُمْ عَنْهُ.
﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: 71] يَقُولُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهُمُ الَّذِينَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ، فَيُنْقِذُهُمْ

مِنْ عَذَابِهِ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّتَهُ، لَا أَهْلُ النِّفَاقِ وَالتَّكْذِيبِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، النَّاهُونَ عَنِ الْمَعْرُوفِ، الْآمِرُونَ بِالْمُنْكَرِ، الْقَابِضُونَ أَيْدِيَهُمْ عَنْ أَدَاءِ حَقِّ اللَّهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 220] يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ ذُو عِزَّةٍ فِي انْتِقَامِهِ مِمَّنِ انْتَقَمَ مِنْ خَلْقِهِ عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَكُفْرِهِ بِهِ، لَا يَمْنَعُهُ مِنَ الِانْتِقَامِ مِنْهُ مَانِعٌ وَلَا يَنْصُرُهُ مِنْهُ نَاصِرٌ، حَكِيمٌ فِي انْتِقَامِهِ مِنْهُمْ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ: " كُلُّ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ: دُعَاءٌ مِنَ الشِّرْكِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَالنَّهْي عَنِ الْمُنْكَرِ: النَّهْي عَنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالشَّيَاطِينِ "

قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [التوبة: 71] قَالَ: الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 72] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَأَقَرُّوا بِهِ

وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: 25] يَقُولُ: بَسَاتِينَ تَجْرِي تَحْتَ أَشْجَارِهَا الْأَنْهَارُ.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البقرة: 162] يَقُولُ: لَابِثِينَ فِيهَا أَبَدًا مُقِيمِينَ لَا يَزُولُ عَنْهُمْ نَعِيمُهَا.
وَلَا يَبِيدُ.
﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ [التوبة: 72] يَقُولُ: وَمَنَازِلَ يَسْكُنُونَهَا طَيِّبَةً.
وَ «طِيبُهَا»

كَمَا: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: سَأَلْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ عَنْ آيَةٍ، فِي كِتَابِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: 72] فَقَالَا: عَلَى الْخَبِيرِ سَقَطْتَ، سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «قَصْرٌ فِي الْجَنَّةِ مِنْ لُؤْلُؤٍ، فِيهِ سَبْعُونَ دَارًا مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، فِي كُلِّ دَارٍ سَبْعُونَ بَيْتًا مِنْ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيرًا»

حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، قَالَ: ثنا قُرَّةُ بْنُ حَبِيبٍ، عَنْ جَسْرِ بْنِ فَرْقَدٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَا: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: 72] قَالَ: «قَصْرٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ، فِي ذَلِكَ الْقَصْرِ سَبْعُونَ دَارًا مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، فِي كُلِّ دَارٍ سَبْعُونَ بَيْتًا مِنْ زَبَرْجَدَةٍ خَضْرَاءَ، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيرًا، عَلَى كُلِّ سَرِيرٍ فِرَاشًا مِنْ كُلِّ لَوْنٍ، عَلَى كُلِّ فِرَاشٍ زَوْجَةٌ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ مَائِدَةً، عَلَى كُلِّ مَائِدَةٍ سَبْعُونَ لَوْنًا مِنْ طَعَامٍ، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ وَصِيفَةً، وَيُعْطَى الْمُؤْمِنُ مِنَ الْقُوَّةِ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ مَا يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ أَجْمَعَ» وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: 72] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَهَذِهِ الْمَسَاكِنُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي وَصَفَهَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَفِي مِنْ صِلَةِ مَسَاكِنَ.
وَقِيلَ: جَنَّاتُ عَدْنٍ؛ لِأَنَّهَا بَسَاتِينُ خُلْدٍ وَإِقَامَةٍ لَا يَظْعَنُ مِنْهَا أَحَدٌ.
وَقِيلَ: إِنَّمَا قِيلَ لَهَا جَنَّاتُ عَدْنٍ؛ لِأَنَّهَا دَارُ اللَّهِ الَّتِي اسْتَخْلَصَهَا لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: عَدْنُ فُلَانٍ بِأَرْضِ كَذَا، إِذَا أَقَامَ بِهَا وَخَلَدَ بِهَا، وَمِنْهُ الْمَعْدِنُ، وَيُقَالُ: هُوَ فِي مَعْدِنِ صَدْقٍ، يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ فِي أَصْلٍ ثَابِتٍ، وَقَدْ أَنْشَدَ بَعْضُ الرُّوَاةِ بَيْتَ الْأَعْشَى: [البحر المتقارب]

وَإِنْ تَسْتَضِيفُوا إِلَى حُكْمِهِ ... تُضَافُوا إِلَى رَاجِحٍ قَدْ عَدَنْ وَيُنْشَدُ: «قَدْ وَزَنْ» . وَكَالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ مَعَهُ

فِيمَا ذُكِرَ يَتَأَوَّلُونَهُ.

حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، قَالَ: ثنا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: 72] قَالَ: مَعْدِنُ الرَّجُلِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: ثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ زِيَادَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللَّهَ يَفْتَحُ الذِّكْرَ فِي ثَلَاثِ سَاعَاتٍ يَبْقَيْنَ مِنَ اللَّيْلِ: فِي السَّاعَةِ الْأُولَى مِنْهُنَّ يَنْظُرُ فِي الْكِتَابِ الَّذِي لَا يَنْظُرُ فِيهِ أَحَدٌ غَيْرُهُ فَيَمْحُوَ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ، ثُمَّ يَنْزِلُ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى جَنَّةِ عَدْنٍ، وَهِيَ دَارُهُ الَّتِي لَمْ تَرَهَا عَيْنٌ وَلَمْ تَخْطِرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، وَهِيَ مَسْكَنُهُ، وَلَا يَسْكُنُ مَعَهُ مِنْ بَنِي آدَمَ غَيْرُ ثَلَاثَةٍ: النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ، ثُمَّ يَقُولُ: طُوبَى لِمَنْ دَخَلَكِ ". وَذَكَرَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ

حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: ثنا آدَمُ، قَالَ: ثنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثنا زِيَادَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَدْنٌ دَارُهُ» يَعْنِي دَارَ اللَّهِ " الَّتِي لَمْ تَرَهَا عَيْنٌ وَلَمْ تَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، وَهِيَ مَسْكَنُهُ، وَلَا يَسْكُنُهَا مَعَهُ مِنْ بَنِي آدَمَ غَيْرُ ثَلَاثٍ: النَّبِيِّينَ، وَالصِّدِّيقِينَ، وَالشُّهَدَاءِ، يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: طُوبَى لِمَنْ دَخَلَكِ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: 72] جَنَّاتِ أَعْنَابٍ وَكُرُومٍ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ الرَّازِيُّ، قَالَ: ثنا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سَأَلَ كَعْبًا عَنْ ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: 72] ، فَقَالَ: «هِيَ الْكُرُومُ وَالْأَعْنَابُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ» وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ اسْمٌ لِبُطْنَانِ الْجَنَّةِ وَوَسَطِهَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: " عَدْنٌ: بُطْنَانُ الْجَنَّةِ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سُفْيَانَ، وَشُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: 72] قَالَ: بُطْنَانُ الْجَنَّةِ.
قَالَ ابْنُ بَشَّارٍ فِي حَدِيثِهِ: فَقُلْتُ: مَا بُطْنَانُهَا؟ وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى، فِي حَدِيثِهِ: فَقُلْتُ لِلْأَعْمَشِ: مَا بُطْنَانُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: وَسَطُهَا "

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ وَأَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: " ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: 72] قَالَ: بُطْنَانُ الْجَنَّةِ ".

قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، بِمِثْلِهِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنْهُمَا جَمِيعًا، أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: " ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: 72] قَالَ: بُطْنَانُ الْجَنَّةِ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ: " ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: 72] قَالَ: بُطْنَانُ الْجَنَّةِ " وَقَالَ آخَرُونَ: عَدْنٌ: اسْمٌ لِقَصْرٍ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدَةُ أَبُو غَسَّانَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ مُوسَى الْكِنَانِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «جَنَّاتُ عَدْنٍ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا جَنَّاتُ عَدْنٍ، قَصْرٌ مِنْ ذَهَبٍ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا نَبِيُّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ أَوْ حَكَمٌ عَدْلٌ.
وَرَفَعَ بِهِ صَوْتَهُ»

جارٍ التحميل