تفسير الطبري = جامع البيانوَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف: 74] يَقُولُ: لَقَدْ جِئْتَ بِشَيْءٍ مُنْكَرٍ، وَفَعَلْتَ فِعْلًا غَيْرَ مَعْرُوفٍ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ:

وَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف: 74] يَقُولُ: لَقَدْ جِئْتَ بِشَيْءٍ مُنْكَرٍ، وَفَعَلْتَ فِعْلًا غَيْرَ مَعْرُوفٍ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ:

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف: 74] وَالنُّكْرُ أَشَدُّ مِنَ الْإِمْرِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف: 76]

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ الْعَالِمُ لِمُوسَى ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: 75] عَلَى مَا تَرَى مِنْ أَفْعَالِي الَّتِي لَمْ تُحِطْ بِهَا خُبْرًا.
قَالَ مُوسَى لَهُ: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا﴾ [الكهف: 76] يَقُولُ: بَعْدَ هَذِهِ الْمَرَّةِ ﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ [الكهف: 76] يَقُولُ: فَفَارِقْنِي، فَلَا تَكُنْ لِي مُصَاحِبًا ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف: 76] يَقُولُ: قَدْ بَلَغْتَ الْعُذْرَ فِي شَأْنِي.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: ﴿ «مِنْ لَدُنِي عُذْرًا» ﴾ [الكهف: 76] بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّ الدَّالِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ.
وَقَرَأَهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ.
وَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ بِإِشْمَامِ اللَّامِ الضَّمَ وَتَسْكِينِ الدَّالِ وَتَخْفِيفِ النُّونِ، وَكَأَنَّ الَّذِينَ شَدَّدُوا النُّونَ طَلَبُوا لِلنُّونِ الَّتِي فِي لَدُنِ السَّلَامَةَ مِنَ الْحَرَكَةِ، إِذْ كَانَتْ فِي الْأَصْلِ سَاكِنَةً، وَلَوْ لَمْ تُشَدَّدْ لَتَحَرَّكَتْ، فَشَدَّدُوهَا كَرَاهَةً مِنْهُمْ تَحْرِيكَهَا، كَمَا فَعَلُوا فِي «مِنْ، وَعَنْ» إِذْ أَضَافُوهُمَا إِلَى مَكْنِيِّ الْمُخْبِرِ عَنْ نَفْسِهِ، فَشَدَّدُوهُمَا، فَقَالُوا مِنِّي وَعَنِّي.
وَأَمَّا الَّذِينَ خَفَّفُوهَا، فَإِنَّهُمْ وَجَدُوا مَكْنِيَّ الْمُخْبِرِ عَنْ نَفْسِهِ فِي حَالِ الْخَفْضِ يَاءً وَحْدَهَا لَا نُونَ مَعَهَا، فَأَجْرَوْا ذَلِكَ مِنْ

لَدُنْ عَلَى حَسَبِ مَا جَرَى بِهِ كَلَامُهُمْ فِي ذَلِكَ مَعَ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ غَيْرِهَا.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ، قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءٌ مِنَ الْقُرَّاءِ بِالْقُرْآنِ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ، غَيْرَ أَنَّ أَعْجَبَ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ فَتَحَ اللَّامَ وَضَمَّ الدَّالَ وَشَدَّدَ النُّونَ.
لِعِلَّتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا أَنَّهَا أَشْهَرُ اللُّغَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ نَافِعٍ الْبَصْرِيَّ:

حَدَّثَنَا قَالَ: ثنا أُمَيَّةُ بْنُ خَالِدٍ، قَالَ: ثنا أَبُو الْجَارِيَةِ الْعَبْدِيُّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف: 76] مُثَقَّلَةً

حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، قَالَ: ثنا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ، وَذُكِرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلَا هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: «اسْتَحْيَا فِي اللَّهِ مُوسَى»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا بَدَلُ بْنُ الْمُحَبَّرِ، قَالَ: ثنا عَبَّادُ بْنُ رَاشِدٍ، قَالَ: ثنا دَاوُدُ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف: 76] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اسْتَحْيَا فِي اللَّهِ مُوسَى عِنْدَهَا»

حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، قَالَ: ثنا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا فَدَعَا لَهُ بَدَأَ بِنَفْسِهِ، فَقَالَ ذَاتَ يَوْمٍ: " رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى مُوسَى، لَوْ لَبِثَ مَعَ صَاحِبِهِ لَأَبْصَرَ الْعَجَبَ وَلَكِنَّهُ قَالَ: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف: 76] " مُثَقَّلَةً

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: 77] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَانْطَلَقَ مُوسَى وَالْعَالِمُ ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ [الكهف: 77] مِنَ الطَّعَامِ فَلَمْ يُطْعِمُوهُمَا

وَاسْتَضَافَاهُمْ ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: 77] يَقُولُ: وَجَدَا فِي الْقَرْيَةِ حَائِطًا يُرِيدُ أَنْ يَسْقُطَ وَيَقَعَ، يُقَالُ مِنْهُ: انْقَضَّتِ الدَّارُ: إِذَا انْهَدَمَتْ وَسَقَطَتْ، وَمِنْهُ انْقِضَاضُ الْكَوْكَبِ، وَذَلِكَ سُقُوطُهُ وَزَوَالُهُ عَنْ مَكَانِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: [البحر البسيط] فَانْقَضَّ كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ مُنْصَلِتًا

وَقَدْ رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ: «يُرِيدُ أَنْ يَنْقَاضَّ» . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ إِذَا قُرِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مِنْهُمْ: مَجَازُ يَنْقَاضُّ: أَيْ يَنْقَلِعُ مِنْ أَصْلِهِ، وَيَتَصَدَّعُ، بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمْ: قَدِ انْقَاضَّتِ السِّنُّ: أَيْ تَصَدَّعَتْ، وَتَصَدَّعَتْ مِنْ أَصْلِهَا، يُقَالُ: فِرَاقٌ كَقَيْضِ السِّنِّ: أَيْ لَا يَجْتَمِعُ أَهْلُهُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ مِنْهُمْ: الِانْقِيَاضُ: الشَّقُّ فِي طُولِ الْحَائِطِ فِي طَيِّ الْبِئْرِ وَفِي سِنِّ الرَّجُلِ، يُقَالُ: قَدِ انْقَاضَّتِ سِنَّةٌ: إِذَا انْشَقَّتْ طَوْلًا.

وَقِيلَ: إِنَّ الْقَرْيَةَ الَّتِي اسْتَطْعَمَ أَهْلَهَا مُوسَى وَصَاحِبُهُ، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا: الْآيِلَةُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الذَّارِعُ، قَالَ: ثنا عِمْرَانُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ، صَاحِبُ الْكَرَابِيسِيِّ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ أَبُو صَالِحٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: انْتَابُوا الَأَيْلَةَ، فَإِنَّهُ قَلَّ مَنْ يَأْتِيهَا فَيَرْجِعُ مِنْهَا خَائِبًا، وَهِيَ الْأَرْضُ الَّتِي أَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا، وَهِيَ أَبْعَدُ أَرْضِ اللَّهِ مِنَ السَّمَاءِ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ [الكهف: 77] وَتَلَا إِلَى قَوْلِهِ ﴿لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: 77] شَرُّ الْقُرَى الَّتِي لَا تُضِيفُ الضَّيْفَ، وَلَا تَعْرِفُ لِابْنِ السَّبِيلِ حَقَّهُ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ فِي مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: 77] فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ: لَيْسَ لِلْحَائِطِ إِرَادَةٌ وَلَا لِلْمَوَاتِ، وَلَكِنَّهُ إِذَا كَانَ فِي هَذِهِ الْحَالِ مِنْ رَثَّةٍ فَهُوَ إِرَادَتُهُ.
وَهَذَا كَقَوْلِ الْعَرَبِ فِي غَيْرِهِ: [البحر الوافر] يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أَبِي بَرَاءٍ ... وَيَرْغَبُ عَنْ دَمَاءِ بَنِي عَقِيلِ

وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ: إِنَّمَا كَلَّمَ الْقَوْمَ بِمَا يَعْقِلُونَ، قَالَ: وَذَلِكَ لَمَّا دَنَا مِنَ الِانْقِضَاضِ، جَازَ أَنْ يَقُولَ: يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ، قَالَ: وَمِثْلُهُ ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ وَقَوْلُهُمْ: إِنِّي لَأَكَادُ أَطِيرُ مِنَ الْفَرَحِ، وَأَنْتَ لَمْ تَقْرَبْ مِنْ ذَلِكَ، وَلَمْ تَهِمَّ بِهِ، وَلَكِنْ لِعَظِيمِ الْأَمْرِ عِنْدَكَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ مِنْهُمْ: مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يَقُولُوا: الْجِدَارُ يُرِيدُ أَنْ يَسْقُطَ، قَالَ: وَمِثْلُهُ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [البحر الخفيف] إِنَّ دَهْرًا يَلُفُّ شَمْلِي بِجُمْلِ ... لَزَمَانٌ يَهُمُّ بِالْإِحْسَانِ وَقَوْلُ الْآخَرِ: [البحر الرجز] يَشْكُو إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى ... صَبْرًا جَمِيلًا فِكِلَانَا مُبْتَلَى قَالَ: وَالْجَمَلُ لَمْ يَشُكَّ، إِنَّمَا تَكَلَّمَ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَكَلَّمَ لَقَالَ ذَلِكَ، قَالَ: وَكَذَلِكَ قَوْلُ عَنْتَرَةَ: [البحر الكامل] وَازْوَرَّ مِنْ وَقْعِ الْقَنَا بِلَبَانِهِ ... وَشَكَا إِلَيَّ بِعَبْرَةٍ وَتَحَمْحُمِ

قَالَ: وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ [الأعراف: 154] وَالْغَضَبُ لَا يَسْكُتُ، وَإِنَّمَا يَسْكُتُ صَاحِبُهُ.
وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: سَكَنَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ [محمد: 21] إِنَّمَا يَعْزَمُ أَهْلُهُ.
وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ: هَذَا مِنْ أَفْصَحِ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَقَالَ: إِنَّمَا إِرَادَةُ الْجِدَارِ: مَيْلُهُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا» وَإِنَّمَا هُوَ أَنْ تَكُونَ نَارَانِ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ صَاحِبَتِهَا بِمَوْضِعٍ لَوْ قَامَ فِيهِ إِنْسَانٌ رَأَى الْأُخْرَى فِي الْقُرْبِ، قَالَ: وَهُوَ كَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْأَصْنَامِ: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 198] قَالَ: وَالْعَرَبُ تَقُولُ: دَارِي تَنْظُرُ إِلَى دَارِ فُلَانٍ، تَعْنِي: قُرْبَ مَا بَيْنَهُمَا، وَاسْتُشْهِدَ بِقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ فِي وَصْفِهِ حَوْضًا أَوْ مَنْزِلًا دَارِسًا: [البحر الرجز] قَدْ كَادَ أَوْ قَدْ هَمَّ بِالْبُيُودِ قَالَ: فَجَعَلَهُ يَهِمُّ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: أَنَّهُ قَدْ تَغَيَّرَ لِلْبِلَى،

وَالَّذِي نَقُولُ بِهِ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ بِلُطْفِهِ، جَعَلَ الْكَلَامَ بَيْنَ خَلْقِهِ رَحْمَةً مِنْهُ بِهِمْ، لِيُبَيِّنَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَمَّا فِي ضَمَائِرِهِمْ.
مِمَّا لَا تَحُسُّهُ أَبْصَارُهُمْ، وَقَدْ عَقَلَتِ الْعَرَبُ مَعْنَى الْقَائِلِ:

[البحر الكامل] فِي مَهْمَهٍ قَلِقَتْ بِهِ هَامَاتُهَا ... قَلَقَ الْفُئُوسِ إِذَا أَرَدْنَ نُصُولَا وَفَهِمْتَ أَنَّ الْفُئُوسَ لَا تُوصَفُ بِمَا يُوصَفُ بِهِ بَنُو آدَمَ مِنْ ضَمَائِرِ الصُّدُورِ مَعَ وَصْفِهَا إِيَّاهُمَا بِأَنَّهَا تُرِيدُ.
وَعَلِمْتَ مَا يُرِيدُ الْقَائِلُ بِقَوْلِهِ: [البحر البسيط] كَمِثْلِ هَيْلِ النَّقَا طَافَ الْمُشَاةُ بِهِ ... يَنْهَالُ حِينًا وَيَنْهَاهُ الثَّرَى حِينَا وَإِنَّمَا لَمْ يُرِدْ أَنَّ الثَّرَى نَطَقَ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ تَلَبَّدَ بِالنَّدَى، فَمَنَعَهُ مِنَ الِانْهِيَالِ، فَكَانَ مَنْعُهُ إِيَّاهُ مِنْ ذَلِكَ كَالنَّهْيِ مِنْ ذَوِي الْمَنْطِقِ فَلَا يَنْهَالُ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: 77] قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مَعْنَاهُ: قَدْ قَارَبَ مِنْ أَنْ يَقَعَ أَوْ يَسْقُطَ، وَإِنَّمَا خَاطَبَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْقُرْآنِ مَنْ أُنْزِلَ الْوَحْي بِلِسَانِهِ، وَقَدْ عَقَلُوا مَا عَنَى بِهِ وَإِنِ اسْتَعْجَمَ عَنْ فَهْمِهِ ذَوُو الْبَلَادَةِ وَالْعَمَى، وَضَلَّ فِيهِ ذَوُو الْجَهَالَةِ وَالْغَبَا.

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: 77] ذَكَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: هَدَمَهُ ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ حَدَّثَنَا بِذَلِكَ ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: ثني ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ

وَقَالَ، آخَرُونَ فِي ذَلِكَ مَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: 77] قَالَ: رَفَعَ الْجِدَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَقَامَ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ أَخْبَرَ أَنَّ صَاحِبَ مُوسَى وَمُوسَى وَجَدَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ صَاحِبُ مُوسَى، بِمَعْنَى: عَدَلَ مَيْلَهُ حَتَّى عَادَ مُسْتَوِيًا.
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَانَ ذَلِكَ بِإِصْلَاحٍ بَعْدَ هَدْمٍ.
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَانَ بِرَفْعٍ مِنْهُ لَهُ بِيَدِهِ، فَاسْتَوَى بِقُدْرَةِ اللَّهِ، وَزَالَ عَنْهُ مَيْلُهُ بِلُطْفِهِ، وَلَا دَلَالَةَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَلَا خَبَرٍ لِلْعُذْرِ قَاطِعٌ بِأَيِّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ أَيٍّ

وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: 77] يَقُولُ: قَالَ مُوسَى لِصَاحِبِهِ: لَوْ شِئْتَ لَمْ تُقِمْ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ جِدَارَهُمْ حَتَّى يُعْطُوكَ عَلَى إِقَامَتِكَ أَجْرًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا عَنَى مُوسَى بِالْأَجْرِ الَّذِي قَالَ لَهُ ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: 77] الْقِرَى: أَيْ حَتَّى يُقْرُونَا، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُونَا.
وَقَالَ آخَرُونَ:

بَلْ عَنَى بِذَلِكَ الْعِوَضَ وَالْجَزَاءَ عَلَى إِقَامَتِهِ الْحَائِطَ الْمَائِلَ.
وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ

وَالْكُوفَةِ ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: 77] عَلَى التَّوْجِيهِ مِنْهُمْ لَهُ إِلَى أَنَّهُ لَافْتَعَلْتَ مِنَ الْأَخْذِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ (لَوْ شِئْتَ لَتَخِذْتَ) بِتَخْفِيفِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْخَاءِ، وَأَصْلُهُ: لَافْتَعَلْتَ، غَيْرَ أَنَّهُمْ جَعَلُوا التَّاءَ كَأَنَّهَا مِنْ أَصْلِ الْكَلِمَةِ، وَلَأَنَّ الْكَلَامَ عِنْدَهُمْ فِي فَعَلَ وَيَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ: تَخِذَ فُلَانٌ كَذَا يَتَّخِذُهُ تَخَذًا، وَهِيَ لُغَةٌ فِيمَا ذُكِرَ لِهُذَيْلٍ.
وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ: [البحر الطويل] وَقَدْ تَخِذَتْ رِجْلِي لَدَى جَنْبِ غَرْزِهَا ... نَسِيفًا كَأُفْحُوصِ الْقَطَاةِ الْمُطَرِّقِ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي: أَنَّهُمَا لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ مِنْ لُغَاتِ الْعَرَبِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ، غَيْرَ أَنِّي أَخْتَارُ قِرَاءَتَهُ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ عَلَى لَافْتَعَلْتَ، لِأَنَّهَا أَفْصَحُ اللُّغَتَيْنِ وَأَشْهَرُهُمَا، وَأَكْثَرُهُمَا عَلَى أَلْسُنِ الْعَرَبِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: 78]

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ صَاحِبُ مُوسَى لِمُوسَى: هَذَا الَّذِي قُلْتُهُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: 77] ﴿فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: 78] يَقُولُ: فُرْقَةٌ مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ: أَيْ مُفَرَّقِ بَيْنِي وَبَيْنَكَ.
﴿سَأُنَبِّئُكَ﴾ [الكهف: 78] يَقُولُ: سَأُخْبِرُكَ ﴿بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: 78] يَقُولُ: بِمَا يَئُولُ إِلَيْهِ عَاقِبَةُ أَفْعَالِي الَّتِي فَعَلْتُهَا، فَلَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيَّ تَرْكَ الْمَسْأَلَةِ عَنْهَا، وَعَنِ النَّكِيرِ عَلَيَّ فِيهَا صَبْرًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: 79] يَقُولُ: أَمَّا فِعْلِي مَا فَعَلْتُ بِالسَّفِينَةِ، فَلِأَنَّهَا كَانَتْ لِقَوْمٍ مَسَاكِينَ ﴿يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: 79] بِالْخَرْقِ الَّذِي خَرَقْتُهَا، كَمَا:

حَدَّثَنِي ابْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: 79] قَالَ: أَخْرِقُهَا حَدَّثَنَا الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، مِثْلَهُ

جارٍ التحميل