تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 439-455

ذِكْرُ الْمَعَانِي الَّتِي حَدَثَتْ فِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ بِحُدُوثِ هَذِهِ الْآيَاتِ وَالسَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أَحْدَثَهَا اللَّهُ فِيهِمْ

صفحات 439-455
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: 145] قَالَ: بِالطَّاعَةِ " وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ وَاخْتِلَافِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: 63] فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: 145] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قُلْنَا لِمُوسَى: وَأْمُرْ قَوْمَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا.
يَقُولُ: يَعْمَلُوا بِأَحْسَنِ مَا يَجِدُونَ فِيهَا كَمَا

حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: 145] بِأَحْسَنِ مَا يَجِدُونَ فِيهَا "

حَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، قَالَ: ثنا أَبُو سَعْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: 145] قَالَ: أُمِرَ مُوسَى أَنْ يَأْخُذَهَا بِأَشَدِّ مِمَّا أَمَرَ بِهِ قَوْمَهُ " فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ [الأعراف: 145] أَكَانَ مِنْ خِصَالِهِمْ تَرْكُ بَعْضِ مَا فِيهَا مِنَ الْحُسْنِ؟ قِيلَ: لَا وَلَكِنْ كَانَ فِيهَا أَمْرٌ وَنَهْي، فَأَمَرَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَعْمَلُوا بِمَا أَمَرَهُمْ بِعَمَلِهِ وَيَتْرُكُوا مَا نَهَاهُمْ عَنْهُ، فَالْعَمَلُ

بِالْمَأْمُورِ بِهِ أَحْسَنُ مِنَ الْعَمَلِ بِالْمَنْهِيِّ عَنْهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: 145] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِمُوسَى إِذْ كَتَبَ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ: خُذْهَا بِجَدٍّ فِي الْعَمَلِ بِمَا فِيهَا وَاجْتِهَادٍ، وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِ مَا فِيهَا، وَانْهَهُمْ عَنْ تَضْيِيعِهَا وَتَضْيِيعِ الْعَمَلِ بِمَا فِيهَا وَالشِّرْكِ بِي، فَإِنَّ مَنْ أَشْرَكَ بِي مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ،

فَإِنِّي سَأُرِيهِ فِي الْآخِرَةِ عِنْدَ مَصِيرِهِ إِلَيَّ دَارَ الْفَاسِقِينَ، وَهِيَ نَارُ اللَّهِ الَّتِي أَعَدَّهَا لِأَعْدَائِهِ.
وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: 145] كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِمَنْ يُخَاطِبُهُ: سَأُرِيكَ غَدًا إِلَامَ يَصِيرُ إِلَيْهِ حَالُ مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، عَلَى وَجْهِ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ لِمَنْ عَصَاهُ وَخَالَفَ أَمْرَهُ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثني عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: 145] قَالَ: مَصِيرُهُمْ فِي الْآخِرَةِ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُسْلِمٌ، قَالَ: ثنا مُبَارَكٌ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: 145] قَالَ: جَهَنَّمُ "

وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: سَأُدْخِلُكُمْ أَرْضَ الشَّامِ، فَأُرِيكُمْ مَنَازِلَ الْكَافِرِينَ الَّذِينَ هُمْ سُكَّانُهَا مِنَ الْجَبَابِرَةِ وَالْعَمَالِقَةِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: 145] مَنَازِلُهُمْ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: 145] قَالَ: مَنَازِلُهُمْ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: سَأُرِيكُمْ دَارَ قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وَهِيَ مِصْرُ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْقَوْلَ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الَّذِي قَبْلَ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: 145] أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ لِمُوسَى وَقَوْمِهِ بِالْعَمَلِ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ، فَأَوْلَى الْأُمُورِ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَخْتِمَ ذَلِكَ بِالْوَعِيدِ عَلَى مَنْ ضَيَّعَهُ وَفَرَّطَ فِي الْعَمَلِ لِلَّهِ وَحَادَ عَنْ سَبِيلِهِ، دُونَ الْخَبَرِ عَمَّا قَدِ انْقَطَعَ الْخَبَرُ عَنْهُ أَوْ عَمَّا لَمْ يَجُزْ لَهُ ذِكْرٌ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: 146] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ

بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: سَأَنْزِعُ

عَنْهُمْ فَهْمَ الْكِتَابِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنْصُورٍ الْمَرْوَزِيُّ، قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَكْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ، يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ: " ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: 146] قَالَ: يَقُولُ: أَنْزِعُ عَنْهُمْ فَهْمَ الْقُرْآنِ، وَأَصْرِفُهُمْ عَنْ آيَاتِيَ " وَتَأْوِيلُ ابْنِ عُيَيْنَةَ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ كَانَ عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَعِيدًا لِأَهْلِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ مِمَّنْ بُعِثَ إِلَيْهِمْ نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ قَوْمِ مُوسَى؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ إِنَّمَا أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ: مَعْنَاهُ: سَأَصْرِفُهُمْ عَنِ الِاعْتِبَارِ بِالْحُجَجِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: " ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ﴾ [الأعراف: 146] عَنْ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْآيَاتِ فِيهَا، سَأَصْرِفُهُمْ عَنْ أَنْ يَتَفَكَّرُوا فِيهَا وَيَعْتَبِرُوا " وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ سَيَصْرِفُ عَنْ آيَاتِهِ، وَهِيَ أَدِلَّتُهُ وَأَعْلَامُهُ عَلَى حَقِّيَّةِ مَا أَمَرَ بِهِ عِبَادَهُ وَفَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ طَاعَتِهِ فِي تَوْحِيدِهِ وَعَدْلِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ فَرَائِضِهِ، وَالسَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَكُلُّ مَوْجُودٍ مِنْ خَلْقِهِ فَمَنْ آيَاتِهِ، وَالْقُرْآنُ أَيْضًا مِنْ آيَاتِهِ.
وَقَدْ عَمَّ بِالْخَبَرِ

أَنَّهُ يَصْرِفُ عَنْ آيَاتِهِ الْمُتَكَبِّرِينَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَهُمُ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللَّهِ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، فَهُمْ عَنْ فَهْمِ جَمِيعِ آيَاتِهِ وَالِاعْتِبَارِ وَالِادِّكَارِ بِهَا مَصْرُوفُونَ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ وُفِّقُوا لِفَهْمِ بَعْضِ ذَلِكَ فَهُدُوا لِلِاعْتِبَارِ بِهِ اتَّعَظُوا وَأَنَابُوا إِلَى الْحَقِّ، وَذَلِكَ غَيْرُ كَائِنٍ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ [الأنعام: 25] فَلَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: 146] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ.
وَتَكَبُّرُهُمْ فِيهَا بِغَيْرِ الْحَقِّ:

تَجَبُّرُهُمْ فِيهَا، وَاسْتِكْبَارُهُمْ عَنِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْإِذْعَانِ لَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَهُمْ لِلَّهِ عُبَيْدٌ يَغْذُوهُمْ بِنِعْمَتِهِ وَيُرِيحُ عَلَيْهِمْ رِزْقَهُ بُكْرَةً وَعَشِيًّا.
﴿كُلَّ آيَةٍ﴾ [الأنعام: 25] يَقُولُ: كُلَّ حُجَّةٍ لِلَّهِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ، وَكُلَّ دَلَالَةٍ عَلَى أَنَّهُ لَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ خَالِصَةً دُونَ غَيْرِهِ.
﴿لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ [الأنعام: 25] يَقُولُ: لَا يُصَدِّقُوا بِتِلْكَ الْآيَةِ أَنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى مَا هِيَ فِيهِ حُجَّةٌ، وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: هِيَ سِحْرٌ وَكَذِبٌ.
﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: 146] يَقُولُ: وَإِنَّ يَرَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ طَرِيقَ الْهُدَى وَالسَّدَادِ الَّذِي إِنْ سَلَكُوهُ نَجَوْا مِنَ الْهَلَكَةِ وَالْعَطَبِ وَصَارُوا إِلَى نَعِيمِ الْأَبَدِ لَا يَسْلُكُوهُ وَلَا يَتَّخِذُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ طَرِيقًا؛ جَهْلًا مِنْهُمْ وَحِيرَةً.
﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ﴾ [الأعراف: 146] يَقُولُ: وَإِنْ يَرَوْا طَرِيقَ الْهَلَاكِ الَّذِي إِنْ سَلَكُوهُ ضَلُّوا وَهَلَكُوا.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْغَيِّ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: 146] يَقُولُ: يَسْلُكُوهُ وَيَجْعَلُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ طَرِيقًا لِصَرْفِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ

عَنْ آيَاتِهِ وَطَبْعِهِ عَلَى قُلُوبِهِمْ، فَهُمْ لَا يُفْلِحُونَ وَلَا يَنْجَحُونَ.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: 146] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: صَرَفْنَاهُمْ عَنْ آيَاتِنَا أَنْ يَعْقِلُوهَا وَيَفْهَمُوهَا، فَيَعْتَبِرُوا بِهَا وَيَذَّكَرُوا فيُنِيبُوا؛ عُقُوبَةً مِنَّا لَهُمْ عَلَى تَكْذِيبِهِمْ بِآيَاتِنَا، ﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: 136] يَقُولُ: وَكَانُوا عَنْ آيَاتِنَا وَأَدِلَّتِنَا الشَّاهِدَةِ عَلَى حَقِّيَّةِ مَا أَمَرْنَاهُمْ بِهِ وَنَهَيْنَاهُمْ عَنْهُ غَافِلِينَ لَا يَتَفَكَّرُونَ فِيهَا، لَاهِينَ عَنْهَا لَا يَعْتَبِرُونَ بِهَا، فَحَقَّ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ قَوْلُ رَبِّنَا، فَعَطَبُوا.
وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿الرُّشْدِ﴾ [البقرة: 256] فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ الْمَكِّيِّينَ وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ: ﴿الرُّشْدِ﴾ [البقرة: 256] بِضَمِّ الرَّاءِ وَتَسْكِينِ الشِّينِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَبَعْضُ الْمَكِّيِّينَ: (الرَّشَدِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالشِّينِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا ضُمَّتْ رَاؤُهُ وَسَكَنَتْ شِينُهُ، وَفِيهِ إِذَا فُتِحَتَا جَمِيعًا.
فَذُكِرَ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَعْنَاهُ إِذَا ضُمَّتْ رَاؤُهُ وَسَكَنَتْ شِينُهُ: الصَّلَاحُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: 6] بِمَعْنَى: صَلَاحًا وَكَذَلِكَ كَانَ يَقْرَؤُهُ هُوَ وَمَعْنَاهُ إِذَا فُتِحَتْ رَاؤُهُ وَشِينُهُ: الرَّشَدُ فِي الدِّينِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: (تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا) بِمَعْنَى الِاسْتِقَامَةِ وَالصَّوَابِ فِي الدِّينِ.
وَكَانَ الْكِسَائِيُّ يَقُولُ: هُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، مِثْلُ: السَّقَمُ وَالسُّقْمُ، وَالْحَزَنُ وَالْحُزْنُ، وَكَذَلِكَ الرَّشَدُ وَالرُّشْدُ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَةٌ الْقِرَاءَةُ

بِهِمَا فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى، فَبِأيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ الصَّوَابَ بِهَا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 147] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَؤُلَاءِ الْمُسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَكُلُّ مُكَذِّبٍ حُجَجَ اللَّهِ وَرُسُلَهُ وَآيَاتِهِ، وَجَاحِدٌ أَنَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَبْعُوثٌ بَعْدَ مَمَاتِهِ، وَمُنْكِرٌ لِقَاءَ اللَّهِ فِي

آخِرَتِهِ، ذَهَبَتْ أَعْمَالُهُمْ فَبَطُلَتْ، وَحَصُلَتْ لَهُمْ أَوْزَارُهَا فَثَبَتَتْ؛ لِأَنَّهُمْ عَمِلُوا لِغَيْرِ اللَّهِ وَأَتْعَبُوا أَنْفُسَهُمْ فِي غَيْرِ مَا يَرْضَى اللَّهُ، فَصَارَتْ أَعْمَالُهُمْ عَلَيْهِمْ وَبَالًا، يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 147] يَقُولُ: هَلْ يَنَالُونَ إِلَّا ثَوَابَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، فَصَارَ ثَوَابُ أَعْمَالِهِمُ الْخُلُودَ فِي نَارٍ أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا؛ إِذْ كَانَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ دُونَ طَاعَةِ الرَّحْمَنِ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْحُبُوطِ وَالْجَزَاءِ وَالْآخِرَةِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: 148] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاتَّخَذَ بَنُو إِسْرَائِيلَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِ مَا فَارَقَهُمْ مُوسَى مَاضِيًا إِلَى رَبِّهِ؛ لِمُنَاجَاتِهِ وَوَفَاءً لِلْوَعْدِ الَّذِي كَانَ

رَبُّهُ وَعَدَهُ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا وَهُوَ وَلَدُ الْبَقَرَةِ، فعَبَدُوهُ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَا ذَلِكَ الْعِجْلُ فَقَالَ

: ﴿جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف: 148] وَالْخُوارُ: صَوْتُ الْبَقَرِ.
يُخْبِرُ جَلَّ ذِكْرُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ ضَلُّوا بِمَا لَا يَضِلُّ بِمِثْلِهِ أَهْلُ الْعَقْلِ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّبَّ جَلَّ جَلَالُهُ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمُدَبِّرُ ذَلِكَ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ، لَا يُكَلِّمُ أَحَدًا وَلَا يُرْشِدُ إِلَى خَيْرٍ.
وَقَالَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَصَّ اللَّهُ قَصَصَهُمْ لِذَلِكَ هَذَا إِلَهُنَا وَإِلَهُ مُوسَى، فَعَكَفُوا عَلَيْهِ يَعْبُدُونَهُ جَهْلًا مِنْهُمْ وَذَهَابًا عَنِ اللَّهِ وَضَلَالًا.
وَقَدْ بَيَّنَّا سَبَبَ عِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُ وَكَيْفَ كَانَ اتِّخَاذُ مَنِ اتَّخَذَ مِنْهُمُ الْعِجْلَ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَفِي الْحُلِيِّ لُغَتَانِ: ضَمُّ الْحَاءِ وَهُوَ الْأَصْلُ، وَكَسْرُهَا، وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَا شَاكَلَهُ مِنْ مِثْلِ صِلِيٍّ وَجِثِيٍّ وَعِتِيٍّ.
وَبِأَيَّتِهَمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ الصَّوَابَ، لِاسْتِفَاضَةِ الْقِرَاءَةِ بِهِمَا فِي الْقِرَاءَةِ، وَلِاتِّفَاقِ مَعْنَيَيْهِمَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: 148] يَقُولُ: أَلَمْ يَرَ الَّذِينَ عَكَفُوا عَلَى الْعِجْلِ الَّذِي اتَّخَذُوهُ مِنْ حُلِيِّهِمْ يَعْبُدُونَهُ أَنَّ الْعِجْلَ ﴿لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيِهِمْ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: 148] يَقُولُ: وَلَا يُرْشِدُهُمْ إِلَى طَرِيقٍ.
وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ رَبِّهِمُ الَّذِي لَهُ الْعِبَادَةُ حَقًّا، بَلْ صِفَتُهُ أَنَّهُ يُكَلِّمُ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ، وَيُرْشِدُ خَلْقَهُ إِلَى سَبِيلِ الْخَيْرِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ سَبِيلِ الْمَهَالِكِ وَالرَّدَى.
يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿اتَّخَذُوهُ﴾ [الأعراف: 148] أَيِ: اتَّخَذُوا الْعِجْلَ إِلَاهًا.
﴿وَكَانُوا﴾ [البقرة: 61] بِاتِّخَاذِهِمْ إِيَّاهُ رِبًّا مَعْبُودًا ﴿ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: 5] لِأَنْفُسِهِمْ، لِعِبَادَتِهِمْ غَيْرَ مَنْ لَهُ الْعِبَادَةُ، وَإضَافَتِهِمُ الْأُلُوهَةَ إِلَى غَيْرِ الَّذِي لَهُ الْأُلُوهَةُ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الظُّلْمِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 149] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: 149] وَلَمَّا نَدِمَ الَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ الَّذِي وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ صِفَتَهُ عِنْدَ رُجُوعِ مُوسَى إِلَيْهِمْ، وَاسْتَسْلَمُوا لِمُوسَى

وَحُكْمِهِ فِيهِمْ.
وَكَذَلِكَ تَقُولُ الْعَرَبُ لِكُلِّ نَادِمٍ عَلَى أَمْرٍ فَاتَ مِنْهُ أَوْ سَلَفَ وَعَاجِزٌ عَنْ شَيْءٍ: قَدْ سُقِطَ فِي يَدَيْهِ، وأُسْقِطَ لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الِاسْتِئْسَارِ، وَذَلِكَ أَنْ يَضْرِبَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ أَوْ يَصْرَعَهُ، فَيَرْمِيَ بِهِ مِنْ يَدَيْهِ إِلَى الْأَرْضِ لِيَأْسِرَهُ فَيُكَتِّفَهُ، فَالْمَرْمِيُّ بِهِ مَسْقُوطٌ فِي يَدَيِ السَّاقِطِ بِهِ، فَقِيلَ لِكُلِّ عَاجِزٍ عَنْ شَيْءٍ وَمُصَارَعٍ لِعَجْزِهِ مُتَنَدِّمٍ عَلَى مَا فَاتَهُ: سُقِطَ فِي يَدَيْهِ وَأُسْقِطَ.
وَعَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا﴾ [الأعراف: 149] وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ جَارُوا عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ وَذَهَبُوا عَنْ دَيْنِ اللَّهِ، وَكَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، قَالُوا تَائِبِينَ إِلَى اللَّهِ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ مِنْ كُفْرِهِمْ بِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 149] ثُمَّ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ: «لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا» بِالرَّفْعِ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ: (لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنَا رَبَّنَا) بِالنَّصْبِ بِتَأْوِيلِ لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنَا يَا رَبَّنَا، عَلَى وَجْهِ الْخَطَّابِ مِنْهُمْ لِرَبِّهِمْ.
وَاعْتَلَّ

قَارِئُو ذَلِكَ كَذَلِكَ بِأَنَّهُ فِي إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ: (قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنَا رَبَّنَا وَتَغْفِرْ لَنَا) وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى الْخَطَّابِ.
وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ الْقِرَاءَةُ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ بِالْيَاءِ فِي ﴿يَرْحَمْنَا﴾ [الأعراف: 149] وَبِالرَّفْعِ فِي قَوْلِهِ ﴿رَبُّنَا﴾ [البقرة: 127] ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذَلِكَ مَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ مُوَجَّهًا إِلَى الْخَطَّابِ.
وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي حُكِيَتْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قِرَاءَتِها: (قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَرْحَمْنَا رَبَّنَا) لَا نَعْرِفُ صِحَّتَهَا مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ إِلَيْهِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا﴾ [الأعراف: 149] لَئِنْ لَمْ يَتَعَطَّفْ عَلَيْنَا رَبُّنَا بِالتَّوْبَةِ بِرَحْمَتِهِ، وَيَتَغَمَّدْ بِهَا ذُنُوبَنَا، لَنَكُونَنَّ مِنَ الْهَالِكِينَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَال بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاءَ وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: 150] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ:

وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، رَجَعَ غَضْبَانَ أَسِفًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ كَانَ قَدْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدْ فَتَنَ قَوْمَهُ، وَأَنَّ السَّامِرِيَّ قَدْ أَضَلَّهُمْ، فَكَانَ رُجُوعُهُ غَضْبَانَ أَسِفًا لِذَلِكَ.
وَالْأَسَفُ: شِدَّةُ الْغَضَبِ وَالتَّغَيُّظُ بِهِ عَلَى مَنْ أَغْضَبَهُ

كَمَا حَدَّثَنِي عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ الْكَلَاعِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَضْرَمِيُّ، قَالَ: ثني شُرَيْحُ بْنُ يَزِيدَ، قَالَ: سَمِعْتُ نَصْرَ بْنَ عَلْقَمَةَ، يَقُولُ: قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: قَوْلُ اللَّهِ: " ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف: 150] قَالَ: الْأَسَفُ: مَنْزِلَةٌ وَرَاءَ الْغَضَبِ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ، وَتَفْسِيرُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: ذَهَبَ إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ، وَذَهَبَ أَسِفًا " وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ مَا

حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، " ﴿أَسِفًا﴾ [الأعراف: 150] قَالَ: حَزِينًا "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف: 150] يَقُولُ: أَسِفًا حَزِينًا وَقَالَ فِي الزُّخْرُفِ ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف: 55] يَقُولُ: أَغْضَبُونَا.
وَالْأَسَفُ عَلَى وَجْهَيْنِ: الْغَضَبُ وَالْحُزْنُ "

حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: ثنا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ: غَضْبَانَ حَزِينًا " وَقَوْلُهُ قَالَ: بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي يَقُولُ: بِئْسَ الْفِعْلُ فَعَلْتُمْ بَعْدَ فِرَاقِي إِيَّاكُمْ وَأَوْلَيْتُمُوني فِيمَنْ خَلَّفْتُ مِنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي فِيكُمْ وَدِينِي الَّذِي أَمَرَكُمْ بِهِ

رَبُّكُمْ.
يُقَالُ مِنْهُ: خَلَفَهُ بِخَيْرٍ وَخَلَفَهُ بِشْرٍ إِذَا أَوْلَاهُ فِي أَهْلِهِ أَوْ قَوْمِهِ وَمَنْ كَانَ مِنْهُ بِسَبِيلٍ مِنْ بَعْدِ شُخُوصِهِ عَنْهُمْ خَيْرًا أَوْ شَرًّا.
وَقَوْلُهُ: أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ يَقُولُ: أَسَبَقْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ فِي نُفُوسِكُمْ، وَذَهَبْتُمْ عَنْهُ؟ يُقَالُ مِنْهُ: عَجِلَ فُلَانٌ هَذَا الْأَمْرَ: إِذَا سَبَقَهُ، وَعَجِلَ فُلَانٌ فُلَانًا إِذَا سَبَقَهُ، وَلَا تَعْجِلْنِي يَا فُلَانُ لَا تَذْهَبْ عَنِّي وَتَدَعَنِي، وَأَعْجَلْتُهُ: اسْتَحْثَثْتُهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنُ أُمِّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ [الأعراف: 150] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَلْقَى مُوسَى الْأَلْوَاحَ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي سَبَبِ إِلْقَائِهِ إِيَّاهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَلْقَاهَا غَضَبًا عَلَى قَوْمِهِ الَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا تَمِيمُ بْنُ الْمُنْتَصِرِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْأَصْبَغُ بْنُ زَيْدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، قَالَ: ثني سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف: 150] فَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ، وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ مِنَ الْغَضَبِ "

وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو سَعْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " لَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ، وَكَانَ قَرِيبًا مِنْهُمْ،

سَمِعَ أَصْوَاتَهُمْ فَقَالَ: إِنِّي لَأَسْمَعُ أَصْوَاتَ قَوْمٍ لَاهِينَ.
فَلَمَّا عَايَنَهُمْ وَقَدْ عَكَفُوا عَلَى الْعِجْلِ أَلْقَى الْأَلْوَاحَ فَكَسَرَهَا، وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ "

حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " أَخَذَ مُوسَى الْأَلْوَاحَ ثُمَّ رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا، فَقَالَ: ﴿يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ [طه: 86] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ [طه: 87] ﴿وَألْقَى﴾ [الأعراف: 150] مُوسَى ﴿الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَا: " لَمَّا انْتَهَى مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ فَرَأَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، أَلْقَى الْأَلْوَاحَ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ أَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ وَلِحْيَتِهِ يَقُولُ: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: 93] " وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا أَلْقَى مُوسَى الْأَلْوَاحَ لِفَضَائِلَ أَصَابَهَا فِيهَا لِغَيْرِ قَوْمِهِ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ [الأعراف: 154] قَالَ: رَبِّ إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً، خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ.
قَالَ: رَبِّ إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً هُمُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ: أَيْ: آخِرُونَ فِي الْخَلْقِ، سَابِقُونَ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، رَبِّ اجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ.
قَالَ: رَبِّ إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً أَنَاجِيلُهُمْ

فِي صُدُورِهِمْ يَقْرَءُونَهَا، وَكَانَ مَنْ قَبْلَهُمْ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ نَظَرًا حَتَّى إِذَا رَفَعُوهَا لَمْ يَحْفَظُوا شَيْئًا وَلَمْ يَعْرِفُوهُ - قَالَ قَتَادَةُ: وَإِنَّ اللَّهَ أَعْطَاكُمْ أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ مِنَ الْحِفْظِ شَيْئًا لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا مِنَ الْأُمَمِ - قَالَ: رَبِّ اجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ.
قَالَ: رَبِّ إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً يُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ وَبِالْكِتَابِ الْآخِرِ، وَيُقَاتِلُونَ فُصَولَ الضَّلَالَةِ حَتَّى يُقَاتِلُوا الْأَعْوَرَ الْكَذَّابَ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ.
قَالَ: رَبِّ إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً صَدَقَاتُهُمْ يَأْكُلُونَهَا فِي بُطُونِهِمْ ثُمَّ يُؤْجَرُونَ عَلَيْهَا، وَكَانَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ إِذَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَقُبِلَتْ مِنْهُ، بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهَا نَارًا فَأَكَلَتْهَا، وَإِنْ رُدَّتْ عَلَيْهِ تُرِكَتْ تَأْكُلُهَا الطَّيْرُ وَالسِّبَاعُ، قَالَ: وَإِنَّ اللَّهَ أَخَذَ صَدَقَاتِكُمْ مِنْ غَنِيِّكُمْ لِفَقِيرِكُمْ، قَالَ: رَبِّ اجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ.
قَالَ: رَبِّ إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً إِذَا هَمَّ أَحَدُهُمْ بِحَسَنَةٍ ثُمَّ لَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرَ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَةٍ، رَبِّ اجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ.
قَالَ: رَبِّ إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً إِذَا هَمَّ أَحَدُهُمْ بِسَيِّئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِذَا عَمِلَهَا كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةً وَاحِدَةً، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ.
قَالَ: رَبِّ إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً هُمُ الْمُسْتَجِيبُونَ وَالْمُسْتَجَابُ لَهُمْ فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ.
قَالَ: رَبِّ إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً هُمُ الْمُشَفَّعُونَ وَالْمَشْفُوعُ لَهُمْ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ.
قَالَ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ نَبَذَ الْأَلْوَاحَ وَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أُمَّةِ أَحْمَدَ، قَالَ: فَأُعْطِيَ نَبِيُّ اللَّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ثِنْتَيْنِ لَمْ يُعْطَهُمَا نَبِيُّ، قَالَ اللَّهُ: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: 144] قَالَ: فَرَضِيَ نَبِيُّ اللَّهِ.
ثُمَّ أُعْطِيَ الثَّانِيَةَ: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: 159] قَالَ: فَرَضِيَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ الرِّضَا "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: " لَمَّا أَخَذَ مُوسَى الْأَلْوَاحَ، قَالَ: يَا رَبِّ إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً هُمْ خَيْرُ الْأُمَمِ، يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ.
قَالَ: يَا رَبِّ إِنِّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمَّةً هُمُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَاجْعَلْهُمْ أُمَّتِي، قَالَ: تِلْكَ أُمَّةُ أَحْمَدَ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ بِشْرِ بْنِ مُعَاذٍ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَأَلْقَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ الْأَلْوَاحَ وَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ إِلْقَاءِ مُوسَى الْأَلْوَاحَ كَانَ مِنْ أَجْلِ غَضَبِهِ عَلَى قَوْمِهِ لِعِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف: 150] وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا كَتَبَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْأَلْوَاحِ التَّوْرَاةَ، أَدْنَاهُ مِنْهُ حَتَّى سَمِعَ صَرِيفَ الْقَلَمِ.

جارٍ التحميل