وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: 44] فَإِنَّهُمْ هَالِكُونَ، مُنْقَطِعَةٌ حُجَجُهُمْ، نَادِمُونَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُمْ مِنْ تَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهُمْ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: 52] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: 53] الْآيَةَ، قَالَ: وَقَدْ قَالَ قَائِلُونَ مِنَ النَّاسِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنْ سَرَّكَ أَنْ نَتَّبِعَكَ فَاطْرُدْ عَنَّا فُلَانًا وَفُلَانًا، لِأُنَاسٍ كَانُوا دُونَهُمْ فِي الدُّنْيَا ازْدَرَاهُمُ الْمُشْرِكُونَ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ إِلَى آخِرِهَا "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: 52] : بِلَالًا وَابْنَ أُمِّ عَبْدٍ كَانَا يُجَالِسَانِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ مُحَقِّرَتَهُمَا: لَوْلَاهُمَا وَأَمْثَالُهُمَا لَجَالَسْنَاهُ، فَنُهِيَ عَنْ طَرْدِهِمْ، حَتَّى قَوْلِهِ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: 53] ، قَالَ: قُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، فِيمَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي هَذَا "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ سَعِيدٌ: " نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي سِتَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ: " كُنَّا نَسْبِقُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَدْنُو مِنْهُ وَنَسْمَعُ مِنْهُ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: يُدْنِي هَؤُلَاءِ دُونَنَا؟ فَنَزَلَتْ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: 52]
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: 51] الْآيَةَ، قَالَ: جَاءَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ وَالْحَرْثُ بْنُ نَوْفَلٍ وَقَرَظَةُ بْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلٍ فِي أَشْرَافٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ مِنَ الْكُفَّارِ إِلَى أَبِي طَالِبٍ، فَقَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ، لَوْ أَنَّ ابْنَ أَخِيكَ يَطْرُدُ عَنْهُ مَوَالِينَا وَحُلَفَاءَنَا، فَإِنَّمَا هُمْ عَبِيدُنَا وَعُسَفَاؤُنَا، كَانَ أَعْظَمَ فِي صُدُورِنَا وَأَطْوَعَ لَهُ عِنْدَنَا وَأَدْنَى لِاتِّبَاعِنَا إِيَّاهُ وَتَصْدِيقِنَا لَهُ، قَالَ: فَأَتَى أَبُو طَالِبٍ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَدَّثَهُ بِالَّذِي كَلَّمُوهُ بِهِ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ حَتَّى تَنْظُرَ مَا الَّذِي يُرِيدُونَ وَإِلَامَ يَصِيرُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيُّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: 52] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: 53] قَالَ: وَكَانُوا: بِلَالًا، وَعَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، وَسَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَصُبَيْحًا مَوْلَى أُسَيْدٍ، وَمِنَ الْحُلَفَاءِ: ابْنُ مَسْعُودٍ، وَالْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو، وَمَسْعُودُ بْنُ الْقَارِيِّ، وَوَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ
الْحَنْظَلِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ عَمْرٍو ذُو الشِّمَالَيْنِ، وَمَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ، وَأَبُو مَرْثَدٍ مِنْ عَنِيِّ حَلِيفِ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَشْبَاهُهُمْ مِنَ الْحُلَفَاءِ.
وَنَزَلَتْ فِي أَئِمَّةِ الْكُفْرِ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْمَوَالِي وَالْحُلَفَاءِ: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام: 53] الْآيَةَ، فَلَمَّا نَزَلَتْ أَقْبَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَاعْتَذَرَ مِنْ مَقَالَتِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 54] الْآيَةَ
حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي أَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أَنْ يَرَانِي مَعَ سَلْمَانَ وَبِلَالٍ وَذَوِيهِمْ، فَاطْرُدْهُمْ عَنْكَ وَجَالِسْ فُلَانًا وَفُلَانًا، قَالَ: فَنَزَلَ الْقُرْآنُ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: 52] ، فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 52] : مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ إِلَّا أَنْ تَطْرُدَهُمَ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: 53] ، ثُمَّ قَالَ: وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَمَرُوكَ أَنْ تَطْرُدَهُمْ فَأَبْلِغْهُمْ مِنِّي السَّلَامَ وَبَشِّرْهُمْ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، وَقَرَأَ: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54] ، فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: 55] ، قَالَ: لِتَعْرِفَهَا وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الدُّعَاءِ الَّذِي كَانَ هَؤُلَاءِ الرَّهْطُ الَّذِينَ نَهَى اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ طَرْدِهِمْ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ
عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: 52] يَعْنِي: " يَعْبُدُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، يَعْنِي: الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةَ "
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: 52] قَالَ: " هِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ الْفَرَائِضُ، وَلَوْ كَانَ يَقُولُ الْقُصَّاصُ: هَلَكَ مَنْ لَمْ يَجْلِسْ إِلَيْهِمْ "
حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، وَابْنُ وَكِيعٍ، قَالَا: ثنا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: 52] قَالَ: «هِيَ الصَّلَاةُ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: 52] الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ: الصُّبْحَ وَالْعَصْرَ
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكِنْدِيُّ، قَالَ: ثنا حَسَنُ الْجُعْفِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي حَمْزَةُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عِيسَى، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الْحَسَنِ فَسَأَلْتُهُ فَقُلْتُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف: 28] أَهُمْ هَؤُلَاءِ الْقُصَّاصُ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنَّهُمُ الْمُحَافِظُونَ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي الْجَمَاعَةِ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَرْثُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: 52] قَالَ: «الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ»
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: 52] قَالَ: «يَعْبُدُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، يَعْنِي الصَّلَاةَ الْمَفْرُوضَةَ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف: 28] : " هُمَا الصَّلَاتَانِ: صَلَاةُ الصُّبْحِ وَصَلَاةُ الْعَصْرِ "
حَدَّثَنِي ابْنُ الْبَرْقِيِّ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف: 28] الْآيَةَ، أَنَّهُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةَ
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَإِبْرَاهِيمَ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف: 28] ،
قَالَا: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ» حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثنا يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: 52] قَالَ: الْمُصَلِّينَ الْمُؤْمِنِينَ بِلَالًا وَابْنَ أُمِّ عَبْدٍ
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: صَلَّيْتُ الصُّبْحَ مَعَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، فَلَمَّا سَلَّمَ الْإِمَامُ ابْتَدَرَ النَّاسُ الْقَاصَّ، فَقَالَ سَعِيدٌ: " مَا أَسْرَعَهُمْ إِلَى هَذَا الْمَجْلِسِ، قَالَ مُجَاهِدٌ: فَقُلْتُ: يَتَأَوَّلُونَ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: وَمَا قَالَ؟ قُلْتُ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: 52] ، قَالَ: وَفِي هَذَا ذَا؟ إِنَّمَا ذَاكَ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي انْصَرَفْنَا عَنْهَا الْآنَ، إِنَّمَا ذَاكَ فِي الصَّلَاةِ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، قَالَ: «الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ»
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: «هِيَ الصَّلَاةُ»
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: «هِيَ الصَّلَاةُ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: 52] يَقُولُ: «صَلَاةُ الصُّبْحِ وَصَلَاةُ الْعَصْرِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: صَلَّى عَبْدُ الرَّحْمَنِ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ، فَلَمَّا صَلَّى قَامَ فَاسْتَنَدَ إِلَى حُجْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَانْثَالَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِلَيْكُمْ، فَقِيلَ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، إِنَّمَا جَاءُوا يُرِيدُونَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف: 28] ، فَقَالَ: وَهَذَا عُنِيَ بِهَذَا، إِنَّمَا هُوَ فِي الصَّلَاةِ وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ الصَّلَاةُ، وَلَكِنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَسْأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَرْدَ هَؤُلَاءِ الضُّعَفَاءِ عَنْ مَجْلِسِهِ وَلَا تَأْخِيرَهُمْ عَنْ مَجْلِسِهِ، وَإِنَّمَا سَأَلُوهُ تَأْخِيرَهُمْ عَنِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ حَتَّى يَكُونُوا وَرَاءَهُمْ فِي الصَّفِّ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: 53] الْآيَةَ "، فَهُمْ أُنَاسٌ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْفُقَرَاءِ، فَقَالَ أُنَاسٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ: نُؤْمِنُ لَكَ، وَإِذَا صَلَّيْنَا فَأَخِّرْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ مَعَكَ فَلْيُصَلُّوا خَلْفَنَا " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى دُعَائِهِمْ كَانَ ذِكْرَهُمُ اللَّهَ تَعَالَى
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، وَحَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ،
عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: 52] قَالَ: «أَهْلُ الذِّكْرِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: 52] قَالَ: «هُمْ أَهْلُ الذِّكْرِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: 52] قَالَ: «لَا تَطْرُدَهُمْ عَنِ الذِّكْرِ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ ذَلِكَ تَعَلُّمَهُمُ الْقُرْآنَ وَقِرَاءَتَهُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف: 28] قَالَ: «كَانَ يُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِدُعَائِهِمْ رَبِّهِمْ عِبَادَتَهُمْ إِيَّاهُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الأنعام: 52] قَالَ: يَعْنِي:
يَعْبُدُونَ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [غافر: 43] ، يَعْنِي: تَعْبُدُونَهُ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَى نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَطْرُدَ قَوْمًا كَانُوا يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، وَالدُّعَاءُ لِلَّهِ يَكُونُ بِذِكْرِهِ وَتَمْجِيدِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ قَوْلًا وَكَلَامًا، وَقَدْ يَكُونُ بِالْعَمَلِ لَهُ بِالْجَوَارِحِ الْأَعْمَالَ الَّتِي كَانَ عَلَيْهِمْ فَرَضَهَا وَغَيْرَهَا مِنَ النَّوَافِلِ الَّتِي تُرْضِي، وَالْعَامِلُ لَهُ عَابِدُهُ بِمَا هُوَ عَامِلٌ لَهُ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْمُ كَانُوا جَامِعِينَ هَذِهِ الْمَعَانِيَ كُلَّهَا، فَوَصَفَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ بِأَنَّهُمْ يَدَعُونَهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ سَمَّى الْعِبَادَةَ دُعَاءً، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60] . وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى خَاصٍّ مِنَ الدُّعَاءِ، وَلَا قَوْلَ أَوْلَى بِذَلِكَ بِالصِّحَّةِ مِنْ وَصْفِ الْقَوْمِ بِمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ فَيُعَمُّونَ بِالصِّفَةِ الَّتِي وَصَفَهُمْ بِهَا رَبُّهُمْ وَلَا يُخَصُّونَ مِنْهَا بِشَيْءٍ دُونَ شَيْءٍ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: يَا مُحَمَّدُ أَنْذِرِ الْقُرْآنَ الَّذِي أَنْزَلْتُهُ إِلَيْكَ، الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ مَحْشُورُونَ، فَهُمْ مِنْ خَوْفِ وُرُودِهِمْ عَلَى اللَّهِ الَّذِي لَا شَفِيعَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلَا نَصِيرَ، فِي الْعَمَلِ لَهُ دَائِبُونَ إِذْ أَعْرَضَ عَنْ إِنْذَارِكَ وَاسْتِمَاعِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْمُكَذِّبُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مِنْ قَوْمِكَ اسْتِكْبَارًا عَلَى اللَّهِ.
وَلَا تَطْرُدْهُمْ وَلَا تُقْصِهِمْ فَتَكُونَ مِمَّنْ وَضَعَ الْإِقْصَاءَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَأَقْصَى وَطَرَدَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرْدُهُ وَإِقْصَاؤُهُ، وَقَرَّبَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَقْدِيمُهُ بِقُرْبِهِ وَإِدْنَاؤُهُ، فَإِنَّ الَّذِينَ نَهَيْتُكَ عَنْ
طَرْدِهِمْ هُمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ فَيَسْأَلُونَ عَفْوَهُ وَمَغْفِرَتَهُ لِصَالِحِ أَعْمَالِهِمْ وَأَدَاءِ مَا أَلْزَمَهُمْ مِنْ فَرَائِضِهِ وَنَوَافِلِ تَطَوُّعِهِمْ وَذِكْرِهِمْ إِيَّاهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، يَلْتَمِسُونَ بِذَلِكَ الْقُرْبَةَ إِلَى اللَّهِ وَالدُّنُوَّ مِنْ رِضَاهُ.
﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 52] يَقُولُ: مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِ مَا رَزَقْتُهُمْ مِنَ الرِّزْقِ مِنْ شَيْءٍ، وَمَا عَلَيْهِمْ مِنْ حِسَابِ مَا رَزَقْتُكَ مِنَ الرِّزْقِ مِنْ شَيْءٍ، فَتَطْرُدَهُمْ حَذَارَ مُحَاسَبَتِي إِيَّاكَ بِمَا خَوَّلْتُهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ الرِّزْقِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ [الأنعام: 52] : جَوَابٌ لِقَوْلِهِ: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 52] ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: 52] جَوَابٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [الأنعام: 52]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: 53] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: 53] : وَكَذَلِكَ اخْتَبَرْنَا وَابْتَلَيْنَا
كَالَّذِي حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، وَحَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: 53] يَقُولُ: «ابْتَلَيْنَا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ» وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا عَلَى مَعْنَى الْفِتْنَةِ، وَأَنَّهَا الِاخْتِبَارُ وَالِابْتِلَاءُ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَإِنَّمَا فِتْنَةُ اللَّهِ تَعَالَى بَعْضَ خَلْقِهِ بِبَعْضٍ، مُخَالَفَتُهُ بَيْنَهُمْ فِيمَا قَسَمَ لَهُمْ مِنَ الْأَرْزَاقِ وَالْأَخْلَاقِ، فَجَعَلَ بَعْضًا غَنِيًّا وَبَعْضًا فَقِيرًا، وَبَعْضًا قَوِيًّا وَبَعْضًا ضَعِيفًا، فَأَحْوَجَ بَعْضَهُمْ إِلَى بَعْضٍ، اخْتِبَارًا مِنْهُ لَهُمْ بِذَلِكَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ [الأنعام: 53] " يَعْنِي أَنَّهُ جَعَلَ بَعْضَهُمْ أَغْنِيَاءَ وَبَعْضَهُمْ فُقَرَاءَ، فَقَالَ الْأَغْنِيَاءُ لِلْفُقَرَاءِ: أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا؟ يَعْنِي: هَدَاهُمُ اللَّهُ.
وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزَاءً وَسُخْرِيَةً " وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام: 53] ، يَقُولُ تَعَالَى: اخْتَبَرْنَا النَّاسَ بِالْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَالْعِزِّ وَالذُّلِّ، وَالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالِ، كَيْ يَقُولَ مَنْ أَضَلَّهُ اللَّهُ وَأَعْمَاهُ عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ لِلَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَوَفَّقَهُمْ: أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالْهُدَى وَالرُّشْدِ وَهُمْ فُقَرَاءُ ضُعَفَاءُ أَذِلَّاءُ مِنْ بَيْنِنَا وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ أَقْوِيَاءُ اسْتِهْزَاءً بِهِمْ، وَمَعَادَاةً لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ؟ يَقُولُ تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: 53] ، وَهَذَا مِنْهُ تَعَالَى إِجَابَةٌ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ هَدَى أَهْلَ الْمَسْكَنَةِ وَالضَّعْفِ لِلْحَقٍّ، وَخَذَلَهُمْ عَنْهُ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ، وَتَقْرِيرٌ لَهُمْ: أَنَا أَعْلَمُ بِمَنْ كَانَ مِنْ خَلْقِي شَاكِرًا نِعْمَتِي
مِمَّنْ هُوَ لَهَا كَافِرٌ، فَمَنِّي عَلَى مَنْ مَنَنْتُ عَلَيْهِ مِنْهُمْ بِالْهِدَايَةِ جَزَاءُ شُكْرِهِ إِيَّايَ عَلَى نِعْمَتِي، وَتَخَذُّلِي مَنْ خَذَلْتُ مِنْهُمْ عَنْ سَبِيلِ الرَّشَادِ عُقُوبَةُ كُفْرَانِهِ إِيَّايَ نِعْمَتِي، لَا لِغِنَى الْغَنِيِّ مِنْهُمْ، وَلَا لِفَقْرِ الْفَقِيرِ، لِأَنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ لَا يَسْتَحِقُّهُ أَحَدٌ إِلَّا جَزَاءً عَلَى عَمَلِهِ الَّذِي اكْتَسَبَهُ لَا عَلَى غِنَاهُ وَفَقْرِهِ، لِأَنَّ الْغِنَى وَالْفَقْرَ وَالْعَجْزَ وَالْقُوَّةَ لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِ خَلْقِي