الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمُسَوَّمَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الرَّاعِيَةُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: 45] يَعْنِي بِقَوْلِهِ ﴿وَجِيهًا﴾ [آل عمران: 45] : ذَا وَجْهٍ وَمَنْزِلَةٍ عَالِيَةٍ عِنْدَ اللَّهِ وَشَرَفٍ وَكَرَامَةٍ، وَمِنْهُ يُقَالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يَشْرُفُ وَتُعَظِّمُهُ الْمُلُوكُ وَالنَّاسُ: وَجِيهٌ؛ يُقَالُ مِنْهُ: مَا كَانَ فُلَانٌ وَجِيهًا، وَلَقَدْ وَجُهَ وِجَاهَةً، وَإِنَّ لَهُ لَوَجْهًا عِنْدَ السُّلْطَانِ، وَجَاهًا
وَوَجَاهَةً.
وَالْجَاهُ: مَقْلُوبٌ قُلِبَتْ وَاوُهُ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى مَوْضِعِ الْعَيْنِ مِنْهُ، فَقِيلَ جَاهٌ، وَإِنَّمَا هُوَ وَجْهٌ وَفَعْلٌ مِنَ الْجَاهِ: جَاهَ يَجُوهُ، مَسْمُوعٌ مِنَ الْعَرَبِ: أَخَافُ أَنْ يَجُوهَنِي بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا، بِمَعْنَى: أَنْ يَسْتَقْبِلَنِيَ فِي وَجْهِي بِأَعْظَمَ مِنْهُ، وَأَمَّا نَصِيبُ الْوَجِيهِ فَعَلَى الْقَطْعِ مِنْ عِيسَى، لِأَنَّ عِيسَى مَعْرِفَةٌ، وَوَجِيهٌ نَكِرَةٌ، وَهُوَ مِنْ نَعْتِهِ، وَلَوْ كَانَ مَخْفُوضًا عَلَى الرَّدِّ عَلَى الْكَلِمَةِ كَانَ جَائِزًا.
وَكَمَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عِنْدَ اللَّهِ، قَالَ فِيمَا بَلَّغَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ﴿وَجِيهًا﴾ [آل عمران: 45] قَالَ: «وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عِنْدَ اللَّهِ»
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: 45] فَإِنَّهُ يَعْنِي: أَنَّهُ مِمَّنْ يُقَرِّبُهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُسْكِنَهُ فِي جِوَارِهِ، وَيُدْنِيهِ مِنْهُ
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: 45] يَقُولُ: «مِنَ الْمُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: 45] يَقُولُ: «مِنَ الْمُقَرَّبِينَ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، مِثْلَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 46] أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ [آل عمران: 46] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَجِيهًا عِنْدَ اللَّهِ، وُمَكَلِّمًا النَّاسَ فِي الْمَهْدِ، فَ «يُكَلِّمُ» وَإِنْ كَانَ مَرْفُوعًا، لِأَنَّهُ فِي صُورَةِ «يُفَعِّلُ»
بِالسَّلَامَةِ مِنَ الْعَوَامِلِ فِيهِ، فَإِنَّهُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِ الشَّاعِرِ: [البحر الرجز]
بِتُّ أُعَشِّيهَا بِعَضْبٍ بَاتِرٍ ... يَقْصِدُ فِي أَسْوُقِهَا وَجَائِرِ وَأَمَّا الْمَهْدُ: فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ مَضْجَعَ الصَّبِيِّ فِي رَضَاعِهِ
كَمَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ [آل عمران: 46] قَالَ: «مَضْجَعُ الصَّبِيِّ فِي رَضَاعِهِ» وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: 46] فَإِنَّهُ وَمَحْتُنِكًا فَوْقَ الْغُلُومَةِ وَدُونَ الشَّيْخُوخَةِ، يُقَالُ مِنْهُ: رَجُلٌ كَهْلٌ، وَامْرَأَةٌ كَهْلَةٌ، كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ:
[البحر الرجز]
وَلَا أَعُودُ بَعْدَهَا كَرِيَّا ... أُمَارِسُ الْكَهْلَةَ وَالصَّبِيَّا
وَإِنَّمَا عَنَى جَلَّ ثناؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: 46] وَيُكَلِّمُ النَّاسَ طِفْلًا فِي الْمَهْدِ، دَلَالَةً عَلَى بَرَاءَةِ أُمِّهِ مِمَّا قَذَفَهَا بِهِ الْمُفْتَرُونَ عَلَيْهَا، وَحُجَّةً لَهُ عَلَى نُبُوَّتِهِ، وَبَالِغًا كَبِيرًا بَعْدَ احْتِنَاكِهِ بِوَحْي اللَّهِ الَّذِي يُوحِيهِ إِلَيْهِ، وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَمَا تَقُولُ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابِهِ.
وَإِنَّمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادَهُ بِذَلِكَ مِنْ أَمْرِ الْمَسِيحِ، وَأَنَّهُ كَذَلِكَ كَانَ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ أَنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ كُهُولًا وَشُيُوخًا، احْتِجَاجًا بِهِ عَلَى الْقَائِلِينَ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ مِنَ النَّصَارَى بِالْبَاطِلِ، وَأَنَّهُ
كَانَ فِي مُعَانَاةِ أَشْيَاءَ مَوْلُودًا طِفْلًا، ثُمَّ كَهْلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْأَحْدَاثِ، وَيَتَغَيَّرُ بِمُرُورِ الْأَزْمِنَةِ عَلَيْهِ وَالْأَيَّامِ مِنْ صِغَرٍ إِلَى كِبَرٍ وَمِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَمَا قَالَ الْمُلْحِدُونَ فِيهِ، كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ جَائِزٍ عَلَيْهِ، فَكَذَّبَ بِذَلِكَ مَا قَالَهُ الْوَفْدُ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ، الَّذِينَ حَاجُّوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ، وَاحْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِمْ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ كَانَ كَسَائِرِ بَنِي آدَمَ، إِلَّا مَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْكَرَامَةِ الَّتِي أَبَانَهُ بِهَا مِنْهُمْ
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمَنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 46] «يُخْبِرُهُمْ بِحَالَاتِهِ الَّتِي يَتَقَلَّبُ بِهَا فِي عُمُرِهِ كَتَقَلُّبِ بَنِي آدَمَ فِي أَعْمَارِهِمْ صِغَارًا وَكِبَارًا، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ خَصَّهُ بِالْكَلَامِ فِي مَهْدِهِ آيَةً لِنُبُوَّتِهِ، وَتَعْرِيًفا لِلْعِبَادِ مَوَاقِعَ قُدْرَتِهِ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 46] يَقُولُ: «يُكَلِّمُهُمْ صَغِيرًا وَكَبِيرًا»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: 46] قَالَ: «يُكَلِّمُهُمْ صَغِيرًا وَكَبِيرًا»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 46] قَالَ: " الْكَهْلُ: الْحَلِيمُ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: «كَلَّمَهُمْ صَغِيرًا وَكَبِيرًا وَكَهْلًا» وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: " الْكَهْلُ: الْحَلِيمُ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، عَنْ عَبَّادٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُكَلِّمَ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: 46] قَالَ: «كَلَّمَهُمْ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، وَكَلَّمَهُمْ كَبِيرًا» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: 46] أَنَّهُ سَيُكَلِّمُهُمْ إِذَا ظَهَرَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: 46] قَالَ: «قَدْ كَلَّمَهُمْ عِيسَى فِي الْمَهْدِ، وَسَيُكَلِّمُهُمْ إِذَا قَتَلَ الدَّجَّالَ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ كَهْلٌ» وَنَصَبَ كَهْلًا عَطَفَا عَلَى مَوْضِعِ: وَيُكَلِّمُ النَّاسَ، وَأَمَّا قَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 46] فَإِنَّهُ يَعْنِي: مِنْ عِدَادِهِمْ وَأَوْلِيَائِهِمْ لِأَنَّ أَهْلَ الصَّلَاحِ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فِي الدِّينِ وَالْفَضْلِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 47] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: قَالَتْ مَرْيَمُ إِذْ قَالَتْ لَهَا الْمَلَائِكَةُ: إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ: رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ: مِنْ أَيِّ وَجْهٍ يَكُونُ لِي وَلَدٌ؟
أَمِنْ قِبَلِ زَوْجٍ أَتَزَوَّجُهُ وَبَعْلٍ أَنْكَحُهُ؟ أَوْ تَبْتَدِئُ فِي خَلْقِهِ مِنْ غَيْرِ بَعْلٍ وَلَا فَحْلٍ، وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّنِي بِشَرٌ؟ فَقَالَ اللَّهُ لَهَا: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: 47] يَعْنِي: هَكَذَا يَخْلُقُ اللَّهُ مِنْكِ وَلَدًا لَكِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّكِ بِشَرٌ، فَيَجْعَلُهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَعِبْرَةً، فَإِنَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ، وَيَصْنَعُ مَا يُرِيدُ، فَيُعْطِي الْوَلَدَ مَنْ شَاءَ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ وَمِنْ فَحْلٍ، وَيَحْرِمُ ذَلِكَ مَنْ يَشَاءُ مِنَ النِّسَاءِ وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ بَعْلٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ خَلْقُ شَيْءٍ أَرَادَ خَلْقَهُ، إِنَّمَا هُوَ أَنْ يَأْمُرَ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا مَا أَرَادَ، فَيَقُولُ لَهُ: «كُنْ» فَيَكُونُ مَا شَاءَ مِمَّا يَشَاءُ، وَكَيْفَ شَاءَ
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: 47] " يَصْنَعُ مَا أَرَادَ وَيَخْلُقُ مَا يَشَاءُ مِنْ بَشَرٍ أَوْ غَيْرِ بَشَرٍ: أَيْ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ: «كُنْ» فَيَكُونُ، مِمَّا يَشَاءُ، وَكَيْفَ يَشَاءُ، فَيَكُونُ مَا أَرَادَ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: 48] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْمَدِينَةِ وَبَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: ﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾ [آل عمران: 48] بِالْيَاءِ رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران
: 47] , ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: 48] فَأَلْحَقُوا الْخَبَرَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾ [آل عمران: 48] بِنَظِيرِ الْخَبَرِ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران: 47] وَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: 117] وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ: (وَنُعَلِّمُهُ) بِالنُّونِ عَطْفًا بِهِ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: 44] كَأَنَّهُ قَالَ: ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ، وَنُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ، وَقَالُوا: مَا بَعْدَ ﴿نُوحِيهِ﴾ [آل عمران: 44] فِي صِلَتِهِ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: 117] ، ثُمَّ عَطَفَ بِقَوْلِهِ: (وَنُعَلِّمُهُ) عَلَيْهِ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا، أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ غَيْرُ مُخْتَلِفَتَيِ الْمَعَانِي، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَهُوَ مُصِيبُ الصَّوَابِ فِي ذَلِكَ لِاتِّفَاقِ مَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي أَنَّهُ خَبَرٌ عَنِ اللَّهِ بِأَنَّهُ يُعَلِّمُ عِيسَى الْكِتَابَ، وَمَا ذَكَرَ أَنَّهُ يُعَلِّمُهُ، وَهَذَا ابْتِدَاءُ خَبَرٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لِمَرْيَمَ مَا هُوَ فَاعِلٌ بِالْوَلَدِ الَّذِي بَشَّرَهَا بِهِ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَرِفْعَةِ الْمَنْزِلَةِ وَالْفَضِيلَةِ، فَقَالَ: كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مِنْكِ وَلَدًا، مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ وَلَا بَعْلٍ، فَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ، وَهُوَ الْخَطُّ الَّذِي يُخُطُّهُ بِيَدِهِ، وَالْحِكْمَةُ: وَهِيَ السُّنَّةُ الَّتِي نُوحِيهَا إِلَيْهِ فِي غَيْرِ كِتَابٍ، وَالتَّوْرَاةُ: وَهِيَ التَّوْرَاةُ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى، كَانَتْ فِيهِمْ مِنْ عَهْدِ مُوسَى، وَالْإِنْجِيلُ: إِنْجِيلُ عِيسَى، وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ مَرْيَمَ قَبْلَ خَلْقِ عِيسَى أَنَّهُ مُوحِيهِ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَهَا بِذَلِكَ، فَسَمَّاهُ لَهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ كَانَتْ عَلِمَتْ فِيمَا نَزَلَ مِنَ الْكُتُبِ أَنَّ اللَّهَ بَاعِثٌ نَبِيًّا يُوحِي إِلَيْهِ كِتَابًا اسْمُهُ الْإِنْجِيلُ، فَأَخْبَرَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي سَمِعَتْ بِصِفَتِهِ الَّذِي وَعَدَ أَنْبِيَاءَهُ مِنْ قَبْلُ أَنَّهُ مُنْزِلٌ عَلَيْهِ الْكِتَابَ الَّذِي يُسَمَّى إِنْجِيلًا هُوَ الْوَلَدُ الَّذِي وَهَبَهُ لَهَا، وَبَشَّرَهَا بِهِ.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: (وَنُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ) قَالَ: «بِيَدِهِ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: (وَنُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) قَالَ: " الْحِكْمَةُ: السُّنَّةُ "
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: (وَنُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ) قَالَ: " الْحِكْمَةُ: السُّنَّةُ "، ﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: 48] قَالَ: «كَانَ عِيسَى يَقْرَأُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: (وَنُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) قَالَ: " الْحِكْمَةُ: السُّنَّةُ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: أَخْبَرَهَا يَعْنِي: أَخْبَرَ اللَّهُ مَرْيَمَ مَا يُرِيدُ بِهِ فَقَالَ: (وَنُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ) الَّتِي كَانَتْ فِيهِمْ مِنْ عَهْدِ مُوسَى ﴿وَالْإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران: 3] كِتَابًا آخَرَ أُحْدِثُهُ إِلَيْهِ، لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ عِلْمُهُ إِلَّا ذِكْرُهُ أَنَّهُ كَائِنٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 49] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿وَرَسُولًا﴾ [آل عمران: 49] وَنَجْعَلُهُ رَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَتَرَكَ ذِكْرَ «وَنَجْعَلُهُ» ، لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الكامل] وَرَأَيْتِ زَوْجَكِ فِي الْوَغَى ... مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحَا وَقَوْلُهُ: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 49] بِمَعْنَى: وَنَجْعَلُهُ رَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنَّهُ نَبِيٌّ وَبَشِيرٌ وَنَذِيرٌ؛ وَحُجَّتِي عَنْ صِدْقِي عَلَى ذَلِكَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، يَعْنِي بِعَلَامَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ تُحَقِّقُ قُولِي وَتُصَدِّقُ خَبَرِي، أَنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّكُمْ إِلَيْكُمْ
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 49] «أَيْ تُحَقِّقُ بِهَا نُبُوَّتِي، وَأَنِّي رَسُولٌ مِنْهُ إِلَيْكُمْ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 49] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، ثُمَّ بَيَّنَ عَنِ الْآيَةِ مَا هِيَ، فَقَالَ: ﴿أَنِّي أَخْلِقُ لَكُمْ﴾ [آل عمران: 49]
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ بِأَنْ أُخْلَقَ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، وَالطَّيْرُ جَمْعُ طَائِرٍ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْحِجَازِ: (كَهَيْئَةِ الطَّائِرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَائِرًا) ، عَلَى التَّوْحِيدِ، وَقَرَأَهُ آخَرُونَ: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا﴾ [آل عمران: 49] عَلَى الْجِمَاعِ كِلَيْهِمَا.
وَأَعْجَبُ الْقِرَاءَاتِ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا﴾ [آل عمران: 49] عَلَى الْجِمَاعِ فِيهِمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ صِفَةِ عِيسَى أَنَّهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِخَطِّ الْمُصْحَفِ، وَاتِّبَاعُ خَطِّ الْمُصْحَفِ مَعَ صِحَّةِ الْمَعْنَى وَاسْتِفَاضَةِ الْقِرَاءَةِ بِهِ أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنْ خِلَافِ الْمُصْحَفِ.
وَكَانَ خَلْقُ عِيسَى: مَا كَانَ يَخْلُقُ مِنَ الطَّيْرِ
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِسْحَاقَ " أَنَّ عِيسَى، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، جَلَسَ يَوْمًا مَعَ غِلْمَانٍ مِنَ الْكُتَّابِ، فَأَخَذَ طِينًا، ثُمَّ قَالَ: أَجْعَلُ لَكُمْ مِنْ هَذَا الطِّينِ طَائِرًا؟ قَالُوا: وَتَسْتَطِيعُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ بِإِذْنِ رَبِّي، ثُمَّ هَيَّأَهُ حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ فِي هَيْئَةِ الطَّائِرِ نَفَخَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: كُنْ طَائِرًا بِإِذْنِ اللَّهِ فَخَرَجَ يَطِيرُ بَيْنَ كَفَّيْهِ، فَخَرَجَ الْغِلْمَانُ بِذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ فَذَكَرُوهُ لِمُعَلِّمِهِمْ، فَأَفْشُوهُ فِي النَّاسِ، وَتَرَعْرَعَ.
فَهَمَّتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ، فَلَمَّا خَافَتْ أُمُّهُ عَلَيْهِ حَمَلَتْهُ عَلَى حَمِيرٍ لَهَا ثُمَّ خَرَجَتْ بِهِ هَارِبَةً "
وَذُكِرَ أَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ الطَّيْرَ مِنَ الطِّينِ سَأَلَهُمْ: أَيُّ الطَّيْرِ أَشَدُّ خَلْقًا؟ فَقِيلَ لَهُ الْخُفَّاشُ
كَمَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَوْلُهُ: ﴿أَنِّي أَخْلِقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [آل عمران: 49] قَالَ: «أَيُّ الطَّيْرِ أَشَدُّ خَلْقًا» ؟ قَالُوا: الْخُفَّاشُ إِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ، قَالَ فَفَعَلَ " فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ [آل عمران: 49] وَقَدْ قِيلَ: ﴿أَنِّي أُخْلَقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [آل عمران: 49] ؟ قِيلَ: لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: فَأَنْفُخُ فِي الطَّيْرِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ: فَأَنْفُخُ فِيهَا، كَانَ صَحِيحًا جَائِزًا، كَمَا قَالَ فِي الْمَائِدَةِ: ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ [آل عمران: 49] يُرِيدُ: فَأَنْفُخُ فِي الْهَيْئَةِ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ: «فَأَنْفُخُهَا» بِغَيْرِ «فِي» ، وَقَدْ تَفْعَلُ الْعَرَبُ مِثْلَ ذَلِكَ فَتَقُولُ: رُبَّ لَيْلَةٍ قَدْ بَتُّهَا وَبِتُّ فِيهَا، قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر البسيط] مَا شُقَّ جَيْبٌ وَلَا قَامَتْكَ نَائِحَةٌ ... وَلَا بَكَتْكَ جِيَادٌ عِنْدَ أَسْلَابِ . بِمَعْنَى: وَلَا قَامَتْ عَلَيْكَ، وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ: [البحر البسيط] إِحْدَى بَنِي عَيِّذِ اللَّهِ اسْتَمَرَّ بِهَا ... حُلْوُ الْعُصَارَةِ حَتَّى يُنْفَخَ الصُّورُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكَمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ [آل عمران: 49] يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَأُبْرِئُ﴾ [آل عمران: 49] وَأُشْفِي، يُقَالُ مِنْهُ: أَبْرَأَ اللَّهُ الْمَرِيضَ: إِذَا شَفَاهُ مِنْهُ،
فَهُوَ يُبْرِئُهُ إِبْرَاءً، وَبَرَأَ الْمَرِيضُ فَهُوَ يَبْرَأُ بُرْءًا، وَقَدْ يُقَالُ أَيْضًا: بَرِئَ الْمَرِيضُ فَهُوَ يَبْرَأُ، لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْأَكْمَهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الَّذِي لَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ، وَيُبْصِرُ بِالنَّهَارِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ﴾ [آل عمران: 49] قَالَ: " الْأَكْمَهُ: الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَّهَارِ، وَلَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ، فَهُوَ يَتَكَمَّهُ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ الْأَعْمَى الَّذِي وَلَدَتْهُ أُمُّهُ كَذَلِكَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّ الْأَكْمَهَ، الَّذِي وُلِدَ وَهُوَ أَعْمَى مَضُمُومُ الْعَيْنَيْنِ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ،
فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ [آل عمران: 49] قَالَ: «كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّ الْأَكْمَهَ الَّذِي وُلِدَ وَهُوَ أَعْمَى مَضْمُومُ الْعَيْنَيْنِ»
حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ، قَالَ: ثنا بِشْرٌ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " الْأَكْمَهُ: الَّذِي يُولَدُ وَهُوَ أَعْمَى " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ الْأَعْمَى