وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿طَيِّبًا﴾ [البقرة: 168] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَلَالًا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَوَ لَيْسَ بِالطَّاعَةِ وَصَلُوا إِلَى مَا وَصَلُوا إِلَيْهِ مِنْ فَضْلِهِ؟ قِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَمْ يُطِيعُوهُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا بِفَضْلِهِ الَّذِي تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ فَهَدَاهُمْ بِهِ لِطَاعَتِهِ , فَكُلُّ ذَلِكَ فَضْلٌ مِنْهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: 70] يَقُولُ: " وَحَسْبُ الْعِبَادِ بِاللَّهِ الَّذِي خَلَقَهُمْ عَلِيمًا بِطَاعَةِ الْمُطِيعِ مِنْهُمْ وَمَعْصِيَةِ الْعَاصِي , فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ يُحْصِيهِ عَلَيْهِمْ وَيَحْفَظُهُ حَتَّى يُجَازِيَ جَمِيعَهُمْ , فَيَجْزِيَ الْمُحْسِنَ مِنْهُمْ بِالْإِحْسَانِ , وَالْمُسِيءَ مِنْهُمْ بِالْإِسَاءَةِ , وَيَعْفُو عَمَّنْ شَاءَ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: 71] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 104] صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: 71] خُذُوا جُنَّتَكُمْ وَأَسْلِحَتَكُمُ الَّتِي تَتَّقُونَ بِهَا مِنْ عَدُوِّكُمْ لِغَزْوِهِمْ وَحَرْبِهِمْ ﴿فَانْفِرُوا﴾ [النساء: 71] إِلَيْهِمْ ﴿ثُبَاتٍ﴾ [النساء: 71] : وَهِيَ جَمْعُ ثُبَةٍ
, وَالثُّبَةُ: الْعَصَبَةُ؛ وَمَعْنَى الْكَلَامِ: فَانْفِرُوا إِلَى عَدُوِّكُمْ جَمَاعَةً بَعْدَ جَمَاعَةٍ مُتَسَلِّحِينَ , وَمِنَ الثُّبَةِ قَوْلُ زُهَيْرٍ: [البحر الوافر] وَقَدْ أَغْدُو عَلَى ثُبَةٍ كِرَامٍ ... نَشَاوَى وَاجِدِينَ لِمَا نَشَاءُ
وَقَدْ تُجْمَعُ الثُّبَةُ عَلَى ثُبِينَ.
﴿أَوْ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: 71] يَقُولُ: " أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا مَعَ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقِتَالِهِمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ [النساء: 71] يَقُولُ: " عُصَبًا , يَعْنِي: سَرَايَا مُتَفَرِّقِينَ ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: 71] يَعْنِي كُلَّكُمْ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , عَنْ عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ [النساء: 71] قَالَ: «فِرَقًا قَلِيلًا قَلِيلًا»
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ [النساء: 71] قَالَ: " الثُّبَاتُ: الْفِرَقُ " حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنْ قَتَادَةَ , مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ [النساء: 71] فَهِيَ الْعُصْبَةُ , وَهِيَ الثُّبَةُ.
﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: 71] مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ , يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ , يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ [النساء: 71] يَعْنِي: «عُصَبًا مُتَفَرِّقِينَ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: 72] وَهَذَا نَعْتٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُنَافِقِينَ , نَعَتَهُمْ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَوَصَفَهُمْ بِصِفَتِهِمْ , فَقَالَ: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 72] أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ , يَعْنِي: مِنْ عِدَادِكُمْ
وَقَوْمِكُمْ وَمَنْ يَتَشَبَّهُ بِكُمْ وَيُظْهِرُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ دَعْوَتِكُمْ وَمِلَّتِكُمْ , وَهُوَ مُنَافِقٌ يُبَطِّئُ مَنْ أَطَاعَهُ مِنْكُمْ عَنْ جِهَادِ عَدُوِّكُمْ وَقِتَالِهِمْ إِذَا أَنْتُمْ نَفَرْتُمْ إِلَيْهِمْ.
﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [النساء: 72] يَقُولُ: " فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ هَزِيمَةٌ , أَوْ نَالَكُمْ قَتْلٌ أَوْ جِرَاحٌ مِنْ عَدُوِّكُمْ قَالَ: قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا , فَيُصِيبُنِي جِرَاحٌ أَوْ أَلَمٌ أَوْ قَتْلٌ , وَسَرَّهُ تَخَلُّفُهُ عَنْكُمْ شَمَاتَةً بِكُمْ , لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الشَّكِّ فِي وَعْدِ اللَّهِ الَّذِي وَعَدَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا نَالَهُمْ فِي سَبِيلِهِ مِنَ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ وَفِي وَعِيدِهِ ,
فَهُوَ غَيْرُ رَاجٍ ثَوَابًا وَلَا خَائِفٍ عِقَابًا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , عَنْ عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [النساء: 72] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 74] مَا بَيْنَ ذَلِكَ فِي الْمُنَافِقِينَ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: 72] عَنِ الْجِهَادِ وَالْغَزْوِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ: قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: 72] قَالَ: «هَذَا قَوْلُ مُكَذِّبٍ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ , قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الْمُنَافِقُ يُبَطِّئُ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْجِهَادِ , فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [النساء: 72] قَالَ: " بِقَتْلِ الْعَدُوِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: 72] قَالَ: «هَذَا قَوْلُ الشَّامِتِ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ [النساء: 72] قَالَ: «هَزِيمَةٌ» وَدَخَلَتِ اللَّامُ فِي قَوْلِهِ ﴿لَمَنْ﴾ [البقرة: 102] وَفُتِحَتْ لِأَنَّهَا اللَّامُ الَّتِي تَدْخُلُ تَوْكِيدًا لِلْخَبَرِ مَعَ إِنَّ , كَقَوْلِ الْقَائِلِ: إِنَّ فِي الدَّارِ لَمَنْ يُكْرِمُكَ , وَأَمَّا اللَّامُ الثَّانِيَةُ الَّتِي فِي: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: 72] فَدَخَلِتْ لِجَوَابِ الْقَسَمِ , كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَإِنَّ مِنْكُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ لَمَنْ وَاللَّهِ لَيُبَطِّئَنَّ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 73] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: 73] وَلَئِنْ أَظْفَرَكُمُ اللَّهُ بِعَدُوِّكُمْ , فَأَصَبْتُمْ مِنْهُمْ غَنِيمَةً ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ [النساء: 73] هَذَا الْمُبَطِّئُ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْجِهَادِ مَعَكُمْ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ الْمُنَافِقُ ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ﴾ [النساء: 73] بِمَا أُصِيبُ مَعَهُمْ مِنَ الْغَنِيمَةَ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 73] وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ أَنَّ شُهُودَهُمُ الْحَرْبَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إِنْ شَهِدُوهَا لِطَلَبِ الْغَنِيمَةِ , وَإِنْ تَخَلَّفُوا عَنْهَا فَلِلشَّكِّ الَّذِي
فِي قُلُوبِهِمْ , وَأَنَّهُمْ لَا يَرْجُونَ لِحُضُورِهَا ثَوَابًا وَلَا يَخَافُونَ بِالتَّخَلُّفِ عَنْهَا مِنَ اللَّهِ عِقَابًا.
وَكَانَ قَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيْجٍ يَقُولَانِ: إِنَّمَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ إِذَا كَانَ الظَّفَرُ لِلْمُسْلِمِينَ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ , حَسَدًا مِنْهُمْ لَهُمْ
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 73] قَالَ: «قَوْلُ حَاسِدٍ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , قَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: 73] قَالَ: " ظُهُورُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى عَدُوِّهِمْ , فَأَصَابُوا الْغَنِيمَةَ ﴿لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 73] قَالَ: «قَوْلُ الْحَاسِدِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 74] وَهَذَا حَضٌّ مِنَ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ عَلَى أَحَايِينِهِمْ غَالِبِينَ كَانُوا أَوْ مَغْلُوبِينَ , وَالتَّهَاوُنِ
بِأَحْوَالِ الْمُنَافِقِينَ فِي جِهَادِ مَنْ جَاهَدُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ , وَقَعَ جِهَادُهُمْ إِيَّاهُمْ مَغْلُوبِينَ كَانُوا أَوْ غَالِبِينَ؛ مَنْزِلَةً مِنَ اللَّهِ رَفِيعَةً.
يَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: 74] يَعْنِي: " فِي دِينِ اللَّهِ وَالدُّعَاءِ إِلَيْهِ وَالدُّخُولِ فِيمَا أَمَرَ بِهِ أَهْلَ الْكُفْرِ بِهِ ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [النساء: 74] يَعْنِي: " الَّذِينَ يَبِيعُونَ حَيَاتَهُمُ الدُّنْيَا بِثَوَابِ الْآخِرَةِ وَمَا وَعَدَ اللَّهُ أَهْلَ طَاعَتِهِ فِيهَا.
وبِيَعُهُمْ إِيَّاهَا بِهَا إِنْفَاقُهُمْ أَمْوَالَهُمْ فِي طَلَبِ رِضَا اللَّهِ , كَجِهَادِ مَنْ أَمَرَ بِجِهَادِهِ مِنْ أَعْدَائِهِ وَأَعْدَاءِ دِينِهِ , وَبَذْلِهِمْ مُهَجَهُمْ لَهُ فِي ذَلِكَ.
أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِمَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ إِذَا فَعَلُوهُ، فَقَالَ: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 74] يَقُولُ: وَمنْ يُقَاتِلْ فِي طَلَبِ إِقَامَةِ دِينِ اللَّهِ وَإِعَلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ أَعْدَاءَ اللَّهِ، ﴿فَيُقْتَلْ﴾ [النساء: 74] ، يَقُولُ: فَيَقْتُلْهُ أَعْدَاءُ اللَّهِ أَوْ يَغْلَبَهُمْ فَيَظْفَرُ بِهِمْ ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 74] يَقُولُ: فَسَوْفَ نُعْطِيهِ فِي الْآخِرَةِ ثَوَابًا وَأَجْرًا عَظِيمًا.
وَلَيْسَ لِمَا سَمَّى جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَظِيمًا مِقْدَارٌ يَعْرِفُ مَبْلَغَهُ عِبَادُ اللَّهِ، قَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ الْأَغْلَبَ عَلَى مَعْنَى شَرَيْتُ فِي كَلَامِ
الْعَرَبِ بِعْتُ بِمَا أَغْنَى.
وَقَدْ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [النساء: 74] يَقُولُ: «يَبِيعُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [النساء: 74] فَيَشْرِي: يَبِيعُ , وَيَشْرِي: يَأْخُذُ , وَإِنَّ الْحَمْقَى بَاعُوا الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَمَا لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَا تُقَاتِلُونَ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ , وَفِي الْمُسْتَضْعَفِينَ , يَقُولُ: عَنِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْكُمْ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ.
فَأَمَّا مِنَ الرِّجَالِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا قَدْ أَسْلَمُوا بِمَكَّةَ , فَغَلَبَتْهُمْ عَشَائِرُهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْقَهْرِ لَهُمْ وَآذَوْهُمْ وَنَالُوهُمْ بِالْعَذَابِ وَالْمَكَارِهِ فِي أَبْدَانِهِمْ , لِيَفْتِنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ.
فحَضَّ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى اسْتِنْقَاذِهِمْ مِنْ أَيْدِي مَنْ قَدْ غَلَبَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ , فَقَالَ لَهُمْ: وَمَا شَأْنُكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَعَنْ مُسْتَضْعَفِي أَهْلِ
دِينِكُمْ وَمِلَّتِكُمُ الَّذِينَ قَدِ اسْتَضْعَفَهُمُ الْكُفَّارُ فَاسْتَذَلُّوهُمُ ابْتِغَاءَ فِتْنَتِهِمْ وَصَدِّهِمْ عَنْ دِينِهِمْ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ؟ وَالْوِلْدَانِ جَمْعُ وَلَدٍ: وَهُمُ الصِّبْيَانُ.
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: 75] يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ يَقُولُونَ فِي دُعَائِهِمْ رَبَّهُمْ بِأَنْ يُنْجِيهِمْ مِنْ فِتْنَةِ مَنْ قَدِ اسْتَضْعَفَهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: يَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا , وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَدِينَةٍ قَرْيَةً , يَعْنِي: الَّتِي قَدْ ظَلَمَتْنَا وَأَنْفَسُهَا أَهْلُهَا.
وَهِيَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فِيمَا فَسَّرَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ مَكَّةُ وَخَفَضَ الظَّالِمَ , لِأَنَّهُ مِنْ صِفَةِ الْأَهْلِ , وَقَدْ عَادَتِ الْهَاءُ وَالْأَلِفُ اللَّتَانِ فِيهِ عَلَى الْقَرْيَةِ , وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ إِذَا تَقَدَّمَتْ صِفَةُ الِاسْمِ الَّذِي مَعَهُ عَائِدٌ لِاسْمٍ قَبْلَهَا أَتْبَعَتْ إِعْرَابَهَا إِعْرَابَ الِاسْمِ الَّذِي قَبْلَهَا كَأَنَّهَا صِفَةٌ لَهُ , فَتَقُولُ: مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ الْكَرِيمِ أَبُوهُ.
﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [النساء: 75] يَعْنِي أَنَّهُمْ يَقُولُونَ أَيْضًا فِي دُعَائِهِمْ: يَا رَبَّنَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ عِنْدِكَ وَلِيًّا يَلِي أَمْرَنَا بِالْكِفَايَةِ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ مِنْ فِتْنَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ بِكَ ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75] يَقُولُونَ: وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ عِنْدِكَ مَنْ يَنُصُرُنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا , بِصَدِّهِمْ إِيَّانَا عَنْ سَبِيلِكَ حَتَّى تُظْفِرَنَا بِهِمْ وَنُعْلِيَ دِينَكَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , عَنْ عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: 75] قَالَ: «أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُقَاتِلُوا عَنْ مُسْتَضْعَفِي الْمُؤْمِنِينَ كَانُوا بِمَكَّةَ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: 75] الصِّبْيَانُ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: 75] مَكَّةُ , أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُقَاتِلُوا عَنْ مُسْتَضْعَفِينَ مُؤْمِنِينَ كَانُوا بِمَكَّةَ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: 75] يَقُولُ: " وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفِي الْمُسْتَضْعَفِينَ , وَأَمَّا الْقَرْيَةُ: فَمَكَّةُ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ , عَنْ
عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ [النساء: 75] قَالَ: «وَفِي الْمُسْتَضْعَفِينَ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ , أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ , يَقُولُ: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: 75] قَالَ: «فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَسَبِيلِ الْمُسْتَضْعَفِينَ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنِ الْحَسَنِ , وَقَتَادَةَ , فِي قَوْلِهِ: ﴿أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: 75] قَالَا: خَرَجَ رَجُلٌ مِنَ الْقَرْيَةِ الظَّالِمَةِ إِلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ , فَأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فِي الطَّرِيقِ , فَنَأَى بِصَدْرِهِ إِلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ , فَاحْتَجَّتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ , فَأُمِرُوا أَنْ يَقْدُرُوا أَقْرَبَ الْقَرْيَتَيْنِ إِلَيْهِ , فَوَجَدُوهُ أَقْرَبَ إِلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ بِشِبْرٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَرَّبَ اللَّهُ إِلَيْهِ الْقَرْيَةَ الصَّالِحَةَ , فَتَوَفَّتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: 75] هُمْ أُنَاسٌ مُسْلِمُونَ كَانُوا بِمَكَّةَ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا لِيُهَاجِرُوا , فَعَذَرَهُمُ اللَّهُ , وَفِيهِمْ نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: 75] فَهِيَ مَكَّةُ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: 75] قَالَ: " وَمَا لَكُمْ لَا تَفْعَلُونَ , تُقَاتِلُونَ لِهَؤُلَاءِ الضُّعَفَاءِ الْمَسَاكِينِ الَّذِينَ يَدْعُونَ اللَّهَ بِأَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا , فَهُمْ لَيْسَ لَهُمْ قُوَّةٌ؟ فَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ حَتَّى يُسْلِمَ لِلَّهِ هَؤُلَاءِ وَدِينَهُمْ؟ قَالَ: وَالْقَرْيَةُ الظَّالِمُ أَهْلُهَا: مَكَّةُ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76]
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَأَيْقَنُوا بِمَوْعُودِ اللَّهِ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: 76] يَقُولُ: " فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَمِنْهَاجِ دِينِهِ وَشَرِيعَتِهِ الَّتِي شَرَعَهَا لِعِبَادِهِ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: 76] يَقُولُ: " وَالَّذِينَ جَحَدُوا وَحْدَانِيَّةَ اللَّهِ وَكَذَّبُوا رَسُولَهُ وَمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: 76] يَعْنِي: " فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ وَطَرِيقِهِ وَمِنْهَاجِهِ الَّذِي شَرَعَهُ لِأَوْلِيَائِهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ.
يَقُولُ اللَّهُ مُقَوِّيًا عَزْمَ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمُحَرِّضَهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِ وَأَعْدَاءِ دِينِهِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ بِهِ ﴿فَقَاتِلُوا﴾ [النساء: 76] أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ﴿أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ [النساء: 76] يَعْنِي بِذَلِكَ: الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَيُطِيعُونَ أَمْرَهُ فِي خِلَافِ طَاعَةِ اللَّهِ وَالتَّكْذِيبِ بِهِ وَيَنْصُرُونَهُ ﴿إِنَّ كَيَدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76] يَعْنِي بِكَيْدِهِ: مَا كَادَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ تَحْزِيبِهِ أَوْلِيَاءَهُ مِنَ الْكُفَّارِ بِاللَّهِ عَلَى رَسُولِهِ وَأَوْلِيَائِهِ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ.
يَقُولُ: فَلَا تَهَابُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ , فَإِنَّمَا هُمْ حِزْبُهُ وَأَنْصَارُهُ , وَحِزْبُ الشَّيْطَانِ أَهْلُ وَهَنٍ وَضَعْفٍ.
وَإِنَّمَا وَصَفَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالضَّعْفِ , لِأَنَّهُمْ لَا يُقَاتِلُونَ رَجَاءَ ثَوَابٍ , وَلَا يَتْرُكُونَ الْقِتَالَ خَوْفَ عِقَابٍ , وَإِنَّمَا يُقَاتِلُونَ حَمِيَّةً أَوْ حَسَدًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ , وَالْمُؤْمِنُونَ يُقَاتِلُ مَنْ قَاتَلَ مِنْهُمْ رَجَاءَ الْعَظِيمِ مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ , وَيَتْرُكُ الْقِتَالَ إِنْ تَرَكَهُ عَلَى خَوْفٍ مِنْ وَعِيدِ اللَّهِ فِي تَرْكِهِ , فَهُوَ يُقَاتِلُ عَلَى بَصِيرَةٍ بِمَا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنْ قُتِلَ , وَبِمَا لَهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ وَالظَّفَرِ إِنْ سَلِمَ.
وَالْكَافِرُ يُقَاتِلُ عَلَى حَذَرٍ مِنَ الْقَتْلِ ,
وَإِيَاسَ مِنْ مَعَادٍ , فَهُوَ ذُو ضَعْفٍ وَخَوْفٍ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: 77] ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا قَدْ آمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمُ الْجِهَادُ , وَقَدْ فُرِضَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ , وَكَانُوا يَسْأَلُونَ اللَّهَ أَنْ يَفْرِضَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالَ , فَلَمَّا فَرَضَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالَ شَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَقَالُوا مَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ فِي كِتَابِهِ.
فَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: 77] أَلَمْ تَرَ بِقَلْبِكَ يَا مُحَمَّدُ فَتَعْلَمَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ مِنْ أَصْحَابِكَ حِينَ سَأَلُوكَ أَنْ تَسْأَلَ رَبَّكَ أَنْ يَفْرِضَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالَ: كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ , فَأَمْسِكُوهَا عَنْ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ وَحَرْبِهِمْ.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 43] يَقُولُ: " وَأَدُّوا الصَّلَاةَ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ عَلَيْكُمْ بِحُدُودِهَا.
﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43] يَقُولُ: " وَأَعْطُوا الزَّكَاةَ أَهْلَهَا , الَّذِينَ جَعَلَهَا اللَّهُ لَهُمْ مِنْ أَمْوَالِكُمْ , تَطْهِيرًا لِأَبْدَانِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ؛ كَرِهُوا مَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ كَفِّ الْأَيْدِي عَنْ قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ , وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ.
﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: 246] يَقُولُ: " فَلَمَّا فُرِضَ عَلَيْهِمُ
الْقِتَالُ الَّذِي كَانُوا سَأَلُوا أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 77] يَعْنِي: " جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ [النساء: 77] يَقُولُ: " يَخَافُونَ النَّاسَ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: 77] أَوْ أَشَدَّ خَوْفًا.
وَقَالُوا: جَزَعًا مِنَ الْقِتَالِ الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ [النساء: 77] لِمَ فَرَضْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ , رُكُونًا مِنْهُمْ إِلَى الدُّنْيَا , وَإِيثَارًا لِلدَّعَةِ فِيهَا وَالْخَفْضِ , عَلَى مَكْرُوهِ لِقَاءِ الْعَدُوِّ وَمَشَقَّةِ حَرْبِهِمْ وَقِتَالِهِمْ ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا﴾ [النساء: 77] يُخْبِرُ عَنْهُمْ قَالُوا: هَلَا أَخَّرْتَنَا ﴿إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [النساء: 77] يَعْنِي إِلَى أَنْ يَمُوتُوا عَلَى فُرُشِهِمْ وَفِي مَنَازِلِهِمْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ الْآثَارِ بِذَلِكَ , وَالرِّوَايَةِ عَمَّنْ قَالَهُ: