يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ [البقرة: 205] وَإِذَا أَدْبَرَ هَذَا الْمُنَافِقُ مِنْ عِنْدِكَ يَا مُحَمَّدُ مُنْصَرِفًا عَنْكَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: ثنا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: " حَمَلَ هِشَامُ بْنُ عَامِرٍ، عَلَى الصَّفِّ حَتَّى شَقَّهُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 207] "
حَدَّثَنَا سَوَّارُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَنْبَرِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: ثنا حِزَامُ بْنُ أَبِي حَزْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ، قَرَأَ: " ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ أَتَدْرُونَ فِيمَ أُنْزِلَتْ؟ نَزَلَتْ فِي أَنَّ الْمُسْلِمَ لَقِيَ الْكَافِرَ فَقَالَ لَهُ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قُلْتَهَا عَصَمْتَ دَمَكَ، وَمَالَكَ إِلَّا بِحَقِّهِمَا.
فَأَبَى أَنْ يَقُولَهَا، فَقَالَ الْمُسْلِمُ: وَاللَّهِ لَأَشْرِيَنَّ نَفْسِي لِلَّهِ.
فَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ "
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، ثنا زِيَادُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ، قَالَ: سَمِعَ عُمَرُ، إِنْسَانًا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: " ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 207] قَالَ: اسْتَرْجَعَ عُمَرُ فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ
رَاجِعُونَ، قَامَ رَجُلٌ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَقُتِلَ " وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ التَّأْوِيلِ، مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، مِنْ أَنْ يَكُونَ عَنَى بِهَا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِيَ عَنِ الْمُنْكَرِ.
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَصَفَ صِفَةَ فَرِيقَيْنِ: أَحَدُهُمَا مُنَافِقٌ يَقُولُ بِلِسَانِهِ خِلَافَ مَا فِي نَفْسِهِ وَإِذَا اقْتَدَرَ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ رَكِبَهَا وَإِذَا لَمْ يَقْتَدِرْ رَامَهَا وَإِذَا نُهِيَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ بِمَا هُوَ بِهِ آثِمٌ، وَالْآخَرُ مِنْهُمَا بَائِعٌ نَفْسَهُ طَالِبٌ مِنَ اللَّهِ رِضَا اللَّهِ.
فَكَانَ الظَّاهِرُ مِنَ التَّأْوِيلِ أَنَّ الْفَرِيقَ الْمَوْصُوفَ بِأَنَّهُ شَرَى نَفْسَهُ لِلَّهِ وَطَلَبَ رِضَاهُ، إِنَّمَا شَرَاهَا لِلْوُثُوبِ بِالْفَرِيقِ الْفَاجِرِ طَلَبَ رِضَا اللَّهِ.
فَهَذَا هُوَ الْأَغْلَبُ الْأَظْهَرُ مِنْ تَأْوِيلِ الْآيَةِ.
وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ نُزُولِ الْآيَةِ فِي أَمْرِ صُهَيْبٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ، إِذْ كَانَ غَيْرَ مَدْفُوعٍ جَوَازُ نُزُولِ آيَةٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبَبٍ مِنَ الْأَسْبَابِ، وَالْمَعْنِيُّ بِهَا كُلُّ مَنْ شَمَلَهُ ظَاهِرُهَا.
فَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ وَصَفَ شَارِبًا نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ، فَكُلُّ مَنْ بَاعَ نَفْسَهُ فِي طَاعَتِهِ حَتَّى قُتِلَ فِيهَا أَوِ اسْتَقْتَلَ وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ، فَمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 207] فِي جِهَادِ عَدُوِّ الْمُسْلِمِينَ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ أَوْ فِي أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْي عَنْ مُنْكَرٍ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾
قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى الرَّأْفَةِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَأَنَّهَا رِقَّةُ الرَّحْمَةِ؛ فَمَعْنَى ذَلِكَ: وَاللَّهُ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ بِعَبْدِهِ الَّذِي يَشْرِي نَفْسَهُ لَهُ فِي جِهَادِ مَنْ حَادَّهُ فِي أَمْرِهِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَالْفُسُوقِ، وَبِغَيْرِهِ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي عَاجِلِهِمْ وَآجِلِ مَعَادِهِمْ، فَيُنْجِزُ لَهُمُ الثَّوَابَ عَلَى مَا أَبْلَوْا فِي طَاعَتِهِ فِي الدُّنْيَا، وَيُسْكِنُهُمْ جَنَّاتَهُ عَلَى مَا عَمِلُوا فِيهَا مِنْ مَرْضَاتِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [البقرة: 208] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى السَّلَمِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: الْإِسْلَامُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: " ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ [البقرة: 208] قَالَ: ادْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: " ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ [البقرة: 208] قَالَ: ادْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ
أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: 208] قَالَ: السِّلْمُ: الْإِسْلَامُ "
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ [البقرة: 208] يَقُولُ: فِي الْإِسْلَامِ "
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ، عَنْ مُجَاهِدٍ: «ادْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: " ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ [البقرة: 208] قَالَ: السِّلْمُ: الْإِسْلَامُ "
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ فَرَجٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ الْفَضْلَ بْنَ خَالِدٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ: " ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ [البقرة: 208] فِي الْإِسْلَامِ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: ادْخُلُوا فِي الطَّاعَةِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: " ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ [البقرة: 208] يَقُولُ: ادْخُلُوا فِي الطَّاعَةِ " وَقَدِ اخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْحِجَازِ: (ادْخُلُوا فِي السَّلْمِ) بِفَتْحِ السِّينِ.
وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ بِكَسْرِ السِّينِ.
فَأَمَّا الَّذِينَ فَتَحُوا السِّينَ مِنَ «السَّلْمِ» ، فَإِنَّهُمْ وَجَّهُوا تَأْوِيلَهَا إِلَى الْمُسَالَمَةِ، بِمَعْنَى: ادْخُلُوا فِي الصُّلْحِ وَالْمُسَاوَمَةِ وَتَرْكِ الْحَرْبِ وَإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ.
وَأَمَّا الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ بِالْكَسْرِ مِنَ السِّينِ فَإِنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي تَأْوِيلِهِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يُوَجِّهُهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، بِمَعْنَى ادْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ كَافَّةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُوَجِّهُهُ إِلَى الصُّلْحِ، بِمَعْنَى: ادْخُلُوا فِي الصُّلْحِ، وَيَسْتَشْهِدُ عَلَى أَنَّ السِّينَ تُكْسَرُ، وَهِيَ بِمَعْنَى الصُّلْحِ بِقَوْلِ زُهَيْرِ ابْنِ أَبِي سُلْمَى:
[البحر الطويل]
وَقَدْ قُلْتُمَا إِنْ نُدْرِكِ السِّلْمَ وَاسِعًا ... بِمَالٍ وَمَعْرُوفٍ مِنَ الْأَمْرِ نَسْلَمِ
وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِقَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ [البقرة: 208] قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: ادْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ كَافَّةً وَأَمَّا الَّذِي هُوَ أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ بِكَسْرِ السِّينِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَحْتَمِلُ مَعْنَى الصُّلْحِ، فَإِنَّ مَعْنَى الْإِسْلَامِ: وَدَوَامِ الْأَمْرِ الصَّالِحِ عِنْدَ الْعَرَبِ أَغْلَبُ عَلَيْهِ مِنَ الصُّلْحِ، وَالْمُسَالَمَةِ، وَيُنْشِدُ بَيْتَ أَخِي كِنْدَةَ:
[البحر الوافر]
دَعَوْتُ عَشِيرَتِي لِلسِّلْمِ ... لَمَّا رَأَيْتُهُمُ تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَا
بِكَسْرِ السِّينِ، بِمَعْنَى: دَعْوَتَهُمْ لِلْإِسْلَامِ لَمَّا ارْتَدُّوا، وَكَانَ ذَلِكَ حِينَ ارْتَدَّتْ كِنْدَةُ مَعَ الْأَشْعَثِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَدْ كَانَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ، يَقْرَأُ سَائِرَ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ (السَّلْمِ) بِالْفَتْحِ سِوَى هَذِهِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَخُصُّهَا بِكَسْرِ سِينِهَا تَوْجِيهًا مِنْهُ لِمَعْنَاهَا إِلَى الْإِسْلَامِ دُونَ مَا سِوَاهَا.
وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا مَا اخْتَرْنَا مِنَ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ [البقرة: 208] وَصَرَفْنَا مَعْنَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ الْآيَةَ مُخَاطَبٌ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ، فَلَنْ يَعْدُوَ الْخِطَابُ إِذْ كَانَ خِطَابًا لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ الْمُصَدِّقِينَ بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ، فَإِنْ يَكُنْ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَلَا مَعْنَى أَنْ يُقَالَ لَهُمْ وَهُمْ أَهْلُ الْإِيمَانِ: ادْخُلُوا فِي صُلْحِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمُسَالَمَتِهِمْ، لِأَنَّ الْمُسَالَمَةَ، وَالْمُصَالَحَةَ إِنَّمَا يُؤْمَرُ بِهَا مَنْ كَانَ حَرْبًا بِتَرْكِ الْحَرْبِ.
فَأَمَّا الْمَوَالِي فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لَهُ: صَالِحْ فُلَانًا، وَلَا حَرْبَ بَيْنَهُمَا، وَلَا عَدَاوَةَ.
أَوْ يَكُونَ خِطَابًا لِأَهْلِ الْإِيمَانِ بِمَنْ قَبْلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الْمُصَدِّقِينَ بِهِمْ، وَبِمَا جَاءُوا بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْمُنْكِرِينَ مُحَمَّدًا، وَنُبُوَّتَهُ، فَقِيلَ لَهُمُ: ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ؛ يَعْنِي بِهِ الْإِسْلَامَ لَا الصُّلْحَ.
لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا أَمَرَ عِبَادَهُ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَبِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ، وَإِلَى ذَلِكَ دَعَاهُمْ دُونَ الْمُسَالَمَةِ، وَالْمُصَالَحَةِ؛ بَلْ نَهَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ عَنْ دُعَاءِ أَهْلِ الْكُفْرِ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: 35] وَإِنَّمَا أَبَاحَ لَهُ فصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بَعْضِ الْأَحْوَالِ إِذَا دَعُوهُ إِلَى الصُّلْحِ ابْتِدَاءَ الْمُصَالَحَةِ، فَقَالَ لَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: 61] فَأَمَّا دُعَاؤُهُمْ إِلَى الصُّلْحِ ابْتِدَاءً فَغَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الْقُرْآنِ، فَيَجُوزُ
تَوْجِيهُ قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ﴾ [البقرة: 208] إِلَى ذَلِكَ.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَأَيُّ هَذَيْنِ الْفَرِيقَيْنِ دُعِيَ إِلَى الْإِسْلَامِ كَافَّةً؟ قِيلَ قَدِ اخْتُلِفَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: دُعِيَ إِلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا جَاءَ بِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: قِيلَ: دُعِيَ إِلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ بِمَنْ قَبْلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الْمُكَذِّبُونَ بِمُحَمَّدٍ.
فَإِنْ قَالَ: فَمَا وَجْهُ دُعَاءِ الْمُؤْمِنِ بِمُحَمَّدٍ وَبِمَا جَاءَ بِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ؟ قِيلَ: وَجْهُ دُعَائِهِ إِلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ لَهُ بِالْعَمَلِ بِجَمِيعِ شَرَائِعِهِ، وَإِقَامَةِ جَمِيعِ أَحْكَامِهِ، وَحُدُودِهِ، دُونَ تَضْيِيعِ بَعْضِهِ وَالْعَمَلِ بِبَعْضِهِ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ، كَانَ قَوْلُهُ ﴿كَافَّةً﴾ [البقرة: 208] مِنْ صِفَةِ السَّلْمِ، وَيَكُونُ تَأْوِيلُهُ: ادْخُلُوا فِي الْعَمَلِ بِجَمِيعِ مَعَانِي السَّلْمِ، وَلَا تُضَيِّعُوا شَيْئًا مِنْهُ يَا أَهْلَ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ وَمَا جَاءَ بِهِ.
وَبِنَحْوِ هَذَا الْمَعْنَى كَانَ يَقُولُ عِكْرِمَةُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَوْلَهُ: " ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: 208] قَالَ: نَزَلَتْ فِي ثَعْلَبَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَّامٍ، وَابْنِ يَامِينَ، وَأَسَدٍ، وَأُسَيْدٍ ابْنَيْ كَعْبٍ، وَشُعْبَةَ بْنِ عَمْرٍو، وَقَيْسِ بْنِ زَيْدٍ،
كُلُّهُمْ مِنْ يَهُودَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَوْمَ السَّبْتِ يَوْمَ كُنَّا نُعَظِّمُهُ فَدَعْنَا فَلْنُسْبِتْ فِيهِ، وَإِنَّ التَّوْرَاةَ كِتَابُ اللَّهِ، فَدَعْنَا فَلْنَقُمْ بِهَا بِاللَّيْلَ فَنَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: 208] " فَقَدْ صَرَّحَ عِكْرِمَةُ، بِمَعْنَى مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ مِنْ أَنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ دُعَاءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إِلَى رَفْضِ جَمِيعِ الْمَعَانِي الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَالْعَمَلُ بِجَمِيعِ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، وَالنَّهْي عَنْ تَضْيِيعِ شَيْءٍ مِنْ حُدُودِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْفَرِيقُ الَّذِي دُعِيَ إِلَى السِّلْمِ فَقِيلَ لَهُمُ ادْخُلُوا فِيهِ بِهَذِهِ الْآيَةِ هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ، أُمِرُوا بِالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: " ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: 208] يَعْنِي أَهْلَ الْكِتَابِ "
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ الْفَضْلَ بْنَ خَالِدٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: " ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: 208] قَالَ: يَعْنِي أَهْلَ الْكِتَابِ " وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَمَرَ الَّذِينَ
آمَنُوا بِالدُّخُولِ فِي الْعَمَلِ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ كُلِّهَا، وَقَدْ يَدْخُلُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا الْمُصَدِّقُونَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ، وَالْمُصَدِّقُونَ بِمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَالرُّسُلِ، وَمَا جَاءُوا بِهِ، وَقَدْ دَعَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ إِلَى الْعَمَلِ بِشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، وَحُدُودِهِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى فَرَائِضِهِ الَّتِي فَرَضَهَا، وَنَهَاهُمْ عَنْ تَضْيِيعِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَالْآيَةُ عَامَّةٌ لِكُلِّ مَنْ شَمَلَهُ اسْمُ الْإِيمَانِ، فَلَا وَجْهَ لِخُصُوصِ بَعْضٍ بِهَا دُونَ بَعْضٍ.
وبِمِثْلِ التَّأْوِيلَ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ كَانَ مُجَاهِدٌ، يَقُولُ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: " ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: 208] قَالَ: ادْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ كَافَّةً، ادْخُلُوا فِي الْأَعْمَالِ كَافَّةً "