تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 579-590

وَقَوْلُهُ ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: 50] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَرَزَقْنَاهُمُ الثَّنَاءَ الْحَسَنَ، وَالذِّكْرَ الْجَمِيلَ مِنَ النَّاسِ

صفحات 579-590
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ، قَالَ ثني أَبِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِجَبْرَائِيلَ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا؟ فَنَزَلَتْ ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: 64]

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ ثني أَبِي، قَالَ ثني عَمِّي، قَالَ ثني أَبِي، عَنْ

أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: 64] . . إِلَى ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64] قَالَ: احْتَبَسَ جَبْرَائِيلُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ وَحَزِنَ، فَأَتَاهُ جَبْرَائِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64]

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: لَبِثَ جَبْرَائِيلُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَأَنَّ النَّبِيَّ اسْتَبْطَأَهُ، فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ لَهُ جَبْرَائِيلُ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: 64] . . الْآيَةَ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: 64] قَالَ: هَذَا قَوْلُ جَبْرَائِيلَ، احْتَبَسَ جَبْرَائِيلُ فِي بَعْضِ الْوَحْيِ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا جِئْتَ حَتَّى اشْتَقْتُ إِلَيْكَ» فَقَالَ لَهُ جَبْرَائِيلُ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: 64]

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: 64] قَالَ: قَوْلُ الْمَلَائِكَةِ حِينَ اسْتَرَاثَهُمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَالَّتِي فِي الضُّحَى

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: لَبِثَ جَبْرَائِيلُ عَنْ مُحَمَّدٍ، اثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَيَقُولُونَ: قُلِيَ، فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ: «أَيْ جَبْرَائِيلُ لَقَدْ رِثْتَ عَلَيَّ حَتَّى لَقَدْ ظَنَّ الْمُشْرِكُونَ كُلَّ ظَنٍّ» فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64]

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: ثنا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: 64] احْتُبِسَ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَكَلَّمَ الْمُشْرِكُونَ فِي ذَلِكَ، وَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ، فَأَتَاهُ جَبْرَائِيلُ، فَقَالَ: اشْتَدَّ عَلَيْكَ احْتِبَاسُنَا عَنْكَ، وَتَكَلَّمَ فِي ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ، وَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، إِذَا أَمَرَنِي بِأَمْرٍ أَطَعْتُهُ ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: 64] يَقُولُ: بِقَوْلِ رَبِّكَ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [مريم: 64] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ [مريم: 64] مِنَ الدُّنْيَا، وَبِقَوْلِهِ

: ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: 64] الْآخِرَةَ ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [مريم: 64] النَّفْخَتَيْنِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ [مريم: 64] يَعْنِي الدُّنْيَا ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: 64] الْآخِرَةَ ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [مريم: 64] النَّفْخَتَيْنِ

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةَ، قَالَ ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ [مريم: 64] مِنَ الدُّنْيَا ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: 64] مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [مريم: 64] مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ وَقَالَ آخَرُونَ: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ [مريم: 64] الْآخِرَةُ ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: 64] الدُّنْيَا ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [مريم: 64] مَا بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ [مريم: 64] الْآخِرَةُ ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: 64] مِنَ الدُّنْيَا

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ [مريم: 64] مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: 64] مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [مريم: 64] مَا

بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64]

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ [مريم: 64] مِنَ الْآخِرَةِ ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: 64] مِنَ الدُّنْيَا ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [مريم: 64] مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ [مريم: 64] مِنَ الْآخِرَةِ ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: 64] مِنَ الدُّنْيَا وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا:

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ [مريم: 64] قَالَ: مَا مَضَى أَمَامَنَا مِنَ الدُّنْيَا ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: 64] مَا يَكُونُ بَعْدَنَا مِنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [مريم: 64] قَالَ: مَا بَيْنَ مَا مَضَى أَمَامَهُمْ، وَبَيْنَ مَا يَكُونُ بَعْدَهُمْ وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ [مريم: 64] قَبْلَ أَنْ نُخْلَقَ ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ [مريم: 64] بَعْدَ الْفِنَاءِ ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [مريم: 64] حِينَ كُنَّا.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَجِئْ وَهُوَ جَاءٍ، فَهُوَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَإِنَّ الْأَغْلَبَ فِي اسْتِعْمَالِ النَّاسِ إِذَا قَالُوا: هَذَا الْأَمْرَ بَيْنَ يَدَيْكَ، أَنَّهُمْ يَعْنُونَ بِهِ مَا لَمْ يَجِئْ، وَأَنَّهُ جَاءٍ، فَلِذَلِكَ قُلْنَا: ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ.
وَمَا خَلْفَنَا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا،

وَذَلِكَ مَا قَدْ خَلَّفُوهُ فَمَضَى، فَصَارَ خَلْفَهُمْ بِتَخْلِيفِهِمْ إِيَّاهُ، وَكَذَلِكَ تَقُولُ الْعَرَبُ لِمَا قَدْ جَاوَزَهُ الْمَرْءُ وَخَلَّفَهُ هُوَ خَلْفَهُ، وَوَرَاءَهُ وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ: مَا بَيْنَ مَا لَمْ يَمْضِ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا إِلَى الْآخِرَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي بَيْنَ ذَيْنِكَ الْوَقْتَيْنِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الظَّاهِرُ الْأَغْلَبُ، وَإِنَّمَا يُحْمَلُ تَأْوِيلُ الْقُرْآنِ عَلَى الْأَغْلَبِ مِنْ مَعَانِيهِ، مَا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ مَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ.
فَتَأَمَّلِ الْكَلَامَ إِذَنْ: فَلَا تَسْتَبْطِئْنَا يَا مُحَمَّدُ فِي تَخَلُّفِنَا عَنْكَ، فَإِنَّا لَا نَتَنَزَّلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَنَا بِالنُّزُولِ إِلَيْهَا، لِلَّهِ مَا هُوَ حَادِثٌ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ الَّتِي لَمْ تَأْتِ وَهِيَ آتِيَةٌ، وَمَا قَدْ مَضَى فَخَلَّفْنَاهُ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وَمَا بَيْنَ وَقْتِنَا هَذَا إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ.
بِيَدِهِ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَهُوَ مَالِكُهُ وَمُصَرِّفُهُ، لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ غَيْرُهُ، فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نُحْدِثَ فِي سُلْطَانِهِ أَمْرًا إِلَّا بِأَمْرِهِ إِيَّانَا بِهِ.
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64] يَقُولُ: وَلَمْ يَكُنْ رَبُّكَ ذَا نِسْيَانٍ، فَيَتَأَخَّرُ نُزُولِي إِلَيْكَ بِنِسْيَانِهِ إِيَّاكَ بَلْ هُوَ الَّذِي لَا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ فِي السَّمَاءِ وَلَا فِي الْأَرْضِ فَتَبَارَكَ وَتَعَالَى وَلَكِنَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُدَبِّرُ وَيَقْضِي فِي خَلْقِهِ.
جَلَّ ثَنَاؤُهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64] قَالَ: مَا نَسِيَكَ رَبُّكَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا نَسِيًّا، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَسِيًّا لَمْ يَسْتَقِمْ ذَلِكَ، وَلَهَلَكَ لَوْلَا حِفْظُهُ إِيَّاهُ، فَالرَّبُّ مَرْفُوعٌ رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ ﴿رَبُّكَ﴾

[البقرة: 30] وَقَوْلُهُ: ﴿فَاعْبُدْهُ﴾ [هود: 123] يَقُولُ: فَالْزَمْ طَاعَتَهُ، وَذِلَّ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ﴿وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ [مريم: 65] يَقُولُ: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ عَلَى النُّفُوذِ لِأَمْرِهِ وَنَهْيهِ، وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ، تَفُزْ بِرِضَاهُ عَنْكَ، فَإِنَّهُ الْإِلَهُ الَّذِي لَا مِثْلَ لَهُ وَلَا عَدْلَ وَلَا شَبِيهَ فِي جُودِهِ وَكَرَمِهِ وَفَضْلِهِ.
﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65] يَقُولُ: هَلْ تَعْلَمُ يَا مُحَمَّدُ لِرَبِّكَ هَذَا الَّذِي أَمَرْنَاكَ بِعِبَادَتِهِ، وَالصَّبْرِ عَلَى طَاعَتِهِ مِثْلًا فِي كَرَمِهِ وَجُوُدِهِ، فَتَعْبُدُهُ رَجَاءَ فَضْلِهِ وَطَوْلِهِ دُونَهُ؟ كَلَّا، مَا ذَلِكَ بِمَوْجُودٍ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65] يَقُولُ: هَلْ تَعْلَمُ لِلرَّبِّ مِثْلًا أَوْ شَبِيهًا

حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ التَّنُوخِيُّ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ

عَوَّامٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65] قَالَ: شَبِيهًا

حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَسْعُودِيُّ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65] قَالَ: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ شَبِيهًا، هَلْ تَعْلَمُ لَهُ مِثْلًا تَبَارَكَ وَتَعَالَى

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65] لَا سَمِيَّ لِلَّهِ وَلَا عِدْلَ لَهُ، كُلُّ خَلْقِهِ يُقِرُّ لَهُ، وَيَعْتَرِفُ أَنَّهُ خَالِقُهُ، وَيَعْرِفُ ذَلِكَ، ثَمَّ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولَنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: 87]

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65] قَالَ: يَقُولُ: لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا مِثْلَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجَ حَيًّا أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: 67] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ﴾ [مريم: 66] الْكَافِرُ الَّذِي لَا يُصَدِّقُ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ: أُخْرَجُ حَيًّا، فَأُبْعَثُ بَعْدَ الْمَمَاتِ وَبَعْدَ الْبَلَاءِ وَالْفَنَاءِ إِنْكَارًا مِنْهُ ذَلِكَ.

يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾ [مريم: 67] الْمُتَعَجِّبُ مِنْ ذَلِكَ الْمُنْكِرُ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى إِحْيَائِهِ بَعْدَ فَنَائِهِ، وَإِيجَادِهِ بَعْدَ عَدَمِهِ فِي خَلْقِ نَفْسِهِ، أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ مِنْ قَبْلِ مَمَاتِهِ، فَأَنْشَأَهُ بَشَرًا سَوِيًّا مِنْ

غَيْرِ شَيْءٍ ﴿وَلَمْ يَكُ﴾ [النحل: 120] مِنْ قَبْلِ إِنْشَائِهِ إِيَّاهُ ﴿شَيْئًا﴾ [البقرة: 48] فَيَعْتَبِرُ بِذَلِكَ وَيَعْلَمُ أَنَّ مَنْ أَنْشَأَهُ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ لَا يَعْجَزُ عَنْ إِحْيَائِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ، وَإِيجَادِهِ بَعْدَ فَنَائِهِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾ [مريم: 67] فَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ﴾ [مريم: 67] بِتَخْفِيفِ الذَّالِ، وَقَدْ قَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْحِجَازِ: (أَوَلَا يَذَّكَّرُ) بِتَشْدِيدِ الذَّالِ وَالْكَافِ، بِمَعْنَى: أَوَلَا يَتَذَكَّرُ، وَالتَّشْدِيدُ أَعْجَبُ إِلَيَّ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى جَائِزَةً، لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: أَوَلَا يَتَفَكَّرُ فَيَعْتَبِرُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: 68] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَوَرَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ لَنَحْشُرَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ: أَئِذَا مِتْنَا لَسَوْفَ نُخْرَجُ أَحْيَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ قُبُورِهِمْ، مُقْرَنِينَ بِأَوْلِيَائِهِمْ مِنَ الشَّيَاطِينِ ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: 68] وَالْجِثِيُّ: جَمْعُ الْجَاثِي

كَمَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: 68] يَعْنِي: الْقُعُودَ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية: 28]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: 69]

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ، ثُمَّ لَنَأْخُذَنَّ مِنْ كُلِّ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ أَشَدَّهُمْ عَلَى اللَّهِ عُتُوًّا وَتَمَرُّدًا فَلَنَبْدَأُ بِهِمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْأَقْمَرِ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: 69] قَالَ: نَبْدَأُ بِالْأَكَابِرِ فَالْأَكَابِرِ جُرْمًا

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: 69] يَقُولُ: أَيُّهُمْ أَشَدُّ لِلرَّحْمَنِ مَعْصِيَةً، وَهِيَ مَعْصِيَتُهُ فِي الشِّرْكِ

حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: 69] يَقُولُ: عِصِيًّا

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ،

قَوْلُهُ: ﴿مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ [مريم: 69] قَالَ: أُمَّةٌ وَقَوْلُهُ ﴿عِتِيًّا﴾ [مريم: 8] قَالَ: كُفْرًا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ، وَزَادَ فِيهِ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَلَنَبْدَأَنَّ بِهِمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالشِّيعَةُ هُمُ الْجَمَاعَةُ الْمُتَعَاوِنُونَ عَلَى الْأَمْرِ مِنَ الْأُمُورِ، يُقَالُ مِنْ ذَلِكَ: تَشَايَعَ الْقَوْمُ: إِذَا تَعَاوَنُوا، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ لِلرَّجُلِ الشُّجَاعِ: إِنَّهُ لَمُشَيَّعٌ: أَيْ مُعَانٌ، فَمَعْنَى الْكَلَامِ: ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ جَمَاعَةٍ تَشَايَعَتْ عَلَى الْكُفْرِ بِاللَّهِ، أَشَدَّهُمْ عَلَى اللَّهِ عُتُوًّا، فَلَنَبْدَأَنَّ بِإِصْلَائِهِ جَهَنَّمَ.
وَالتَّشَايُعُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ: التَّفَرُّقُ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: 159] يَعْنِي: فِرَقًا، وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَوْ سَعْدٍ.
إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَقُولُ: شَيَّعْتَ بَيْنَ أُمَّتِي، بِمَعْنَى: فَرَّقْتَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ [مريم: 70] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَنْزِعُهُمْ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَوْلَاهُمْ بِشِدَّةِ الْعَذَابِ، وَأَحَقُّهُمْ بِعَظِيمِ الْعُقُوبَةِ.
وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ:

مَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، {ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى

بِهَا صِلِيًّا} [مريم: 70] قَالَ: أَوْلَى بِالْخُلُودِ فِي جَهَنَّمَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَوْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ أَنَّ الَّذِينَ يِنْزِعُهُمْ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ مِنَ الْكَفَرَةِ أَشَدُّهُمْ كُفْرًا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا كَافِرَ بِاللَّهِ إِلَّا مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ، فَلَا وَجْهَ، وَجَمِيعُهُمْ مُخَلَّدُونَ فِي جَهَنَّمَ، لَأَنْ يُقَالَ: ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَحَقُّ بِالْخُلُودِ مَنْ هَؤُلَاءِ الْمُخَلَّدِينَ، وَلَكِنِ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِبَعْضِ طَبَقَاتِ جَهَنَّمَ صِلِيًّا.
وَالصِّلِيُّ: مَصْدَرُ صَلَّيْتُ تَصْلِي صِلِيًّا، وَالصِّلِيُّ: فَعُولٌ، وَلَكِنْ وَاوُهَا انْقَلَبَتْ يَاءً فَأُدْغِمَتْ فِي الْيَاءِ الَّتِي بَعْدَهَا الَّتِي هِيَ لَامُ الْفِعْلِ، فَصَارَتْ يَاءً مُشَدَّدَةً

جارٍ التحميل