وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأنفال: 26] يَقُولُ: وَرَزَقَكُمْ مِنْ حَلَالِ الْمَعَاشِ وَالْأَرْزَاقِ وَالْأَقْوَاتِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: 72] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ أَوْلِيَاءُ الشَّيْطَانِ مِنَ الْبَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ وَالْوَصَائِلِ، فَيُصَدِّقُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ يَقُولُ: وَبِمَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِإِحْلَالِهِ، ﴿يَكْفُرُونَ﴾ [البقرة: 61] يَقُولُ: يُنْكِرُونَ تَحْلِيلَهُ، وَيَجْحَدُونَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ أَحَلَّهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ.
فَلَا تَضْرِبُوا للَّهِ الْأَمْثَالَ، إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَعْبُدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ مِنْ دُونِهِ أَوْثَانًا لَا تَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ، لِأَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى إِنْزَالِ قَطْرٍ مِنْهَا لِإِحْيَاءِ مَوَتَانِ الْأَرَضِينَ ﴿وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: 33] يَقُولُ: وَلَا تَمْلِكُ لَهُمْ أَيْضًا رِزْقًا مِنَ الْأَرْضِ لِأَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى إِخْرَاجِ شَيْءٍ مِنْ نَبَاتِهَا وَثِمَارِهَا لَهُمْ وَلَا شَيْئًا مِمَّا عَدَّدَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِمْ ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الأعراف: 192] يَقُولُ: وَلَا تَمْلِكُ أَوْثَانُهُمْ شَيْئًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، بَلْ هِيَ وَجَمِيعُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ للَّهِ مِلْكٌ، ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الأعراف: 192] يَقُولُ: وَلَا تَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا للَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: 74] يَقُولُ: فَلَا تُمَثِّلُوا للَّهِ الْأَمْثَالَ، وَلَا تُشَبِّهُوا لَهُ الْأَشْبَاهَ، فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ وَلَا شِبْهَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: «الْأَمْثَالُ الْأَشْبَاهُ»
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا للَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: 74] " يَعْنِي اتِّخَاذَهُمُ الْأَصْنَامَ، يَقُولُ: لَا تَجْعَلُوا مَعِي إِلَهًا غَيْرِي، فَإِنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرِي "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ قَالَ: " هَذِهِ الْأَوْثَانُ الَّتِي تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، لَا تَمْلِكُ لِمَنْ يَعْبُدُهَا رِزْقًا، وَلَا ضَرًّا، وَلَا نَفْعًا، وَلَا حَيَاةً، وَلَا نُشُورًا، وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا للَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: 74] فَإِنَّهُ أَحَدٌ صَمَدٌ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ "
﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 74] يَقُولُ: وَاللَّهُ أَيُّهَا النَّاسُ يَعْلَمُ خَطَأَ مَا تُمَثِّلُونَ وَتَضْرِبُونَ مِنَ الْأَمْثَالِ وَصَوَابُهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ، وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ صَوَابَ ذَلِكَ مِنْ خَطَئِهِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي النَّاصِبِ قَوْلُهُ: «شَيْئًا» فَقَالَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ: هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الرِّزْقِ،
وَهُوَ فِي مَعْنَى: لَا يَمْلِكُونَ رِزْقًا قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا وَقَالَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ: نُصِبَ «شَيْئًا» بِوُقُوعِ الرِّزْقِ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا، أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات: 26] ، أَيْ تَكْفِتُ الْأَحْيَاءَ وَالْأَمْوَاتَ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ.
يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ.
أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: 14] ، قَالَ: وَلَوْ كَانَ الرِّزْقُ مَعَ الشَّيْءِ لَجَازَ خَفْضُهُ، لَا يَمْلِكُ لَكُمْ رِزْقَ شَيْءٍ مِنَ السَّمَاوَاتِ،
وَمِثْلُهُ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا، هَلْ يَسْتَوُونَ، الْحَمْدُ للَّهِ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 75] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَشَبَّهَ لَكُمْ شَبَهًا أَيُّهَا النَّاسُ لِلْكَافِرِ مِنْ عَبِيدِهِ، وَالْمُؤْمِنُ بِهِ مِنْهُمْ، فَأَمَّا مَثَلُ
الْكَافِرِ: فَإِنَّهُ لَا يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَلَا يَأْتِي خَيْرًا، وَلَا يُنْفِقُ فِي شَيْءٍ مِنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَالَهُ لَغَلَبَةِ خِذْلَانِ اللَّهِ عَلَيْهِ، كَالْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ فَيُنْفِقُهُ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ بِاللَّهِ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَيُنْفِقُ فِي سَبِيلِهِ مَالَهُ، كَالْحُرِّ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا، يَقُولُ: بِعِلْمٍ مِنَ النَّاسِ وَغَيْرِ عِلْمٍ ﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ [النحل: 75] يَقُولُ: هَلْ يَسْتَوِي الْعَبْدُ الَّذِي لَا يَمْلِكُ شَيْئًا وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْحُرُّ الَّذِي قَدْ رَزَقَهُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ كَمَا وَصَفَ؟ فَكَذَلِكَ لَا يَسْتَوِي الْكَافِرُ الْعَامِلُ بِمَعَاصِي اللَّهِ الْمُخَالِفُ أَمْرَهُ وَالْمُؤْمِنُ الْعَامِلُ بِطَاعَتِهِ.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: 75] " هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكَافِرِ، رَزَقَهُ مَالًا فَلَمْ يُقَدِّمْ فِيهِ خَيْرًا، وَلَمْ يَعْمَلْ فِيهِ بِطَاعَةِ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: 75] فَهَذَا الْمُؤْمِنُ أَعْطَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَعَمِلَ فِيهِ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَأَخَذَ بِالشُّكْرِ وَمَعْرِفَةِ حَقِّ اللَّهِ، فَأَثَابَهُ اللَّهُ عَلَى مَا رَزَقَهُ الرِّزْقَ الْمُقِيمَ الدَّائِمَ لِأَهْلِهِ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [هود: 24] ، وَاللَّهِ مَا يَسْتَوِيَانِ: ﴿الْحَمْدُ للَّهِ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 75] "
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: 75] قَالَ: " هُوَ الْكَافِرُ، لَا يَعْمَلُ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَلَا يُنْفِقُ خَيْرًا ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: 75] قَالَ: «الْمُؤْمِنُ يُطِيعُ اللَّهَ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: 75] يَعْنِي: الْكَافِرَ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْفِقَ نَفَقَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا، فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾ [النحل: 75] يَعْنِي الْمُؤْمِنَ، وَهَذَا الْمَثَلُ فِي النَّفَقَةِ "
وَقَوْلُهُ: ﴿الْحَمْدُ للَّهِ﴾ [الفاتحة: 2] يَقُولُ: الْحَمْدُ الْكَامِلُ للَّهِ خَالِصًا دُونَ مَا تَدْعُونَ أَيُّهَا الْقَوْمُ مِنْ دُونِهِ مِنَ الْأَوْثَانِ فَإِيَّاهُ فَاحْمَدُوا دُونَهَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 75] يَقُولُ: مَا الْأَمْرُ كَمَا تَفْعَلُونَ، وَلَا الْقَوْلُ كَمَا تَقُولُونَ، مَا لِلْأَوْثَانِ عِنْدَهُمْ مِنْ يَدٍ وَلَا مَعْرُوفٍ فَتُحْمَدُ عَلَيْهِ، إِنَّمَا الْحَمْدُ للَّهِ،
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهَا لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَهُمْ بِجَهْلِهِمْ بِمَا يَأْتُونَ وَيَذَرُونَ يَجْعَلُونَهَا للَّهِ شُرَكَاءَ فِي الْعِبَادَةِ وَالْحَمْدِ
وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ: «ضَرَبَ اللَّهُ هَذَا الْمَثَلَ، وَالْمَثَلَ الْآخَرَ بَعْدَهُ لِنَفْسِهِ، وَالْآلِهَةِ الَّتِي تُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ، أَيْنَمَا يُوَجِّهُهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ، هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: 76] وَهَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَفْسِهِ وَالْآلِهَةِ الَّتِي تُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: 76] يَعْنِي بِذَلِكَ الصَّنَمَ أَنَّهُ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا وَلَا يَنْطِقُ، لِأَنَّهُ إِمَّا خَشَبٌ مَنْحُوتٌ، وَإِمَّا نُحَاسٌ مَصْنُوعٌ، لَا يَقْدِرُ عَلَى نَفْعٍ لِمَنْ خَدَمَهُ، وَلَا دَفْعِ ضُرٍّ عَنْهُ ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ [النحل: 76] يَقُولُ: وَهُوَ عِيَالٌ عَلَى ابْنِ عَمِّهِ وَحُلَفَائِهِ وَأَهْلِ وِلَايَتِهِ، فَكَذَلِكَ الصَّنَمُ كَلٌّ عَلَى مَنْ يَعْبُدُهُ، يَحْتَاجُ أَنْ يَحْمِلَهُ وَيَضَعَهُ وَيَخْدِمَهُ، كَالْأَبْكَمِ مِنَ النَّاسِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، فَهُوَ كَلٌّ عَلَى أَوْلِيَائِهِ مِنْ بَنِي أَعْمَامِهِ
وَغَيْرِهِمْ ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهُهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ [النحل: 76] يَقُولُ: حَيْثُمَا يُوَجِّهُهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ، لِأَنَّهُ لَا يَفْهَمُ مَا يُقَالُ لَهُ، وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ نَفْسِهِ مَا يُرِيدُ، فَهُوَ لَا يَفْهَمُ وَلَا يُفْهَمُ عَنْهُ، فَكَذَلِكَ الصَّنَمُ لَا يَعْقِلُ مَا يُقَالُ لَهُ فَيَأْتَمِرُ لِأَمْرٍ مِنْ أَمْرِهِ، وَلَا يَنْطِقُ فَيَأْمُرُ وَيَنْهَى، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: 76] يَعْنِي: هَلْ يَسْتَوِي هَذَا الْأَبْكَمُ الْكَلُّ عَلَى مَوْلَاهُ الَّذِي لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ حَيْثُ تَوَجَّهَ، وَمَنْ هُوَ نَاطِقٌ مُتَكَلِّمٌ يَأْمُرُ بِالْحَقِّ وَيَدْعُو إِلَيْهِ، وَهُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، الَّذِي يَدْعُو عِبَادَهُ إِلَى تَوْحِيدِهِ وَطَاعَتِهِ؟ يَقُولُ: لَا يَسْتَوِي هُوَ تَعَالَى ذِكْرُهُ، وَالصَّنَمُ الَّذِي صِفَتُهُ مَا وَصَفَ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: 76] يَقُولُ: وَهُوَ مَعَ أَمْرِهِ بِالْعَدْلِ، عَلَى طَرِيقٍ مِنَ الْحَقِّ فِي دُعَائِهِ إِلَى الْعَدْلِ وَأَمْرُهُ بِهِ مُسْتَقِيمٌ، لَا يَعْوَجُّ عَنِ الْحَقِّ، وَلَا يَزُولُ عَنْهُ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَضْرُوبِ لَهُ هَذَا الْمَثَلُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِيهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: 75] قَالَ: " هُوَ الْوَثَنُ ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: 76] قَالَ: " اللَّهُ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: 76] ".
وَكَذَلِكَ كَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «الْمَثَلُ الْأَوَّلُ أَيْضًا ضَرَبَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ وَلِلْوَثَنِ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: 75] ﴿رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ [النحل: 76] ، ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: 76] قَالَ: «كُلُّ هَذَا مَثَلُ إِلَهِ الْحَقِّ، وَمَا يُدْعَى مِنْ دُونِهِ مِنَ الْبَاطِلِ» . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ [النحل: 76] قَالَ: «إِنَّمَا هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ» . وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كِلَا الْمَثَلَيْنِ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَذَلِكَ قَوْلٌ يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ عَنْهُ فِي الْمَثَلِ الْأَوَّلِ فِي مَوْضِعِهِ
وَأَمَّا فِي الْمَثَلِ الْآخَرِ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ [النحل: 76] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، يَعْنِي بِالْأَبْكَمِ: الَّذِي هُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ الْكَافِرِ، وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: 76] الْمُؤْمِنُ، وَهَذَا الْمَثَلُ فِي الْأَعْمَالِ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّارُ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ السَّيْلَحِينِيُّ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ [النحل: 75] قَالَ: " نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَعَبْدِهِ، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: 76] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: 76] قَالَ: «هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ» قَالَ: «وَالْأَبْكَمُ الَّذِي أَيْنَمَا يُوَجَّهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ، ذَاكَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، كَانَ عُثْمَانُ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَيَكْفُلُهُ وَيَكْفِيهِ الْمَئُونَةَ، وَكَانَ الْآخَرُ يَكْرَهُ الْإِسْلَامَ وَيَأْبَاهُ وَيَنْهَاهُ عَنِ الصَّدَقَةِ وَالْمَعْرُوفِ، فَنَزَلَتْ فِيهِمَا»
وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْقَوْلَ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ فِي الْمَثَلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَثَّلَ مَثَلَ الْكَافِرِ بِالْعَبْدِ الَّذِي وَصَفَ صِفَتَهُ، وَمَثَّلَ مَثَلَ الْمُؤْمِنِ بِالَّذِي رِزْقُهُ رِزْقًا حَسَنًا، فَهُوَ يُنْفِقُ مِمَّا رَزَقَهُ سِرًّا وَجَهْرًا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ للَّهِ مَثَلًا، إِذْ كَانَ اللَّهُ إِنَّمَا مَثَّلَ الْكَافِرَ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ بِأَنَّهُ لَمْ يَرْزُقْهُ رِزْقًا يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا، وَمَثَّلَ الْمُؤْمِنَ الَّذِي وَفَّقَهُ اللَّهُ لِطَاعَتِهِ فَهَدَاهُ لِرُشْدِهِ فَهُوَ يَعْمَلُ بِمَا يَرْضَاهُ اللَّهُ، كَالْحُرِّ الَّذِي بَسَطَ لَهُ فِي الرِّزْقِ فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا، وَاللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ هُوَ الرَّازِقُ غَيْرُ الْمَرْزُوقِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُمَثِّلَ إِفْضَالَهُ وَجُودَهُ بِإِنْفَاقِ الْمَرْزُوقِ الرِّزْقَ الْحَسَنَ، وَأَمَّا الْمَثَلُ الثَّانِي، فَإِنَّهُ تَمْثِيلٌ مِنْهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَنْ مَثَّلَهُ الْأَبْكَمَ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، وَالْكُفَّارُ لَا شَكَّ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَهُ الْأَمْوَالُ الْكَثِيرَةُ، وَمَنْ يَضُرُّ أَحْيَانًا الضُّرَّ الْعَظِيمَ بِفَسَادِهِ، فَغَيْرُ كَائِنٍ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ مَثَلًا، لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، كَانَ أَوْلَى الْمَعَانِي بِهِ تَمْثِيلُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِمَثَلِهِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، وَذَلِكَ الْوَثَنُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، بِالْأَبْكَمِ الْكَلِّ عَلَى مَوْلَاهُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ كَمَا قَالَ وَوَصَفَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلِلَّهِ أَيُّهَا النَّاسُ مُلْكُ مَا غَابَ عَنْ أَبْصَارِكُمْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ دُونَ آلِهَتِكُمُ الَّتِي تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ، وَدُونَ كُلِّ مَا سِوَاهُ، لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ
أَحَدٌ سِوَاهُ ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ [النحل: 77] يَقُولُ: وَمَا أَمْرُ قِيَامِ الْقِيَامَةِ وَالسَّاعَةِ الَّتِي تُنْشَرُ فِيهَا الْخَلْقُ لِلْوُقُوفِ فِي مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ، إِلَّا كَنَظْرَةٍ مِنَ الْبَصَرِ، لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ أَنْ يُقَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، كَمَا:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: 77] «وَالسَّاعَةُ كَلَمْحِ الْبَصَرِ، أَوْ أَقْرَبُ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ [النحل: 77] قَالَ: " هُوَ أَنْ يَقُولَ: كُنْ، فَهُوَ كَلَمْحِ الْبَصَرِ، فَأَمْرُ السَّاعَةِ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ أَقْرَبُ، يَعْنِي يَقُولُ: أَوْ هُوَ أَقْرَبُ مَنْ لَمْحِ الْبَصَرِ "
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 20] يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ عَلَى إِقَامَةِ السَّاعَةِ فِي أَقْرَبِ مَنْ لَمْحِ الْبَصَرِ قَادِرٌ، وَعَلَى مَا يَشَاءُ مِنَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَرَادَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ، وَالْأَبْصَارَ، وَالْأَفْئِدَةَ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: 78] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ مِنْ بَعْدِ مَا أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا تَعْلَمُونَ، فَرَزَقَكُمْ
عُقُولًا تَفْقَهُونَ بِهَا وَتُمَيِّزُونَ بِهَا الْخَيْرَ مِنَ الشَّرِّ، وَبَصَّرَكُمْ بِهَا مَا لَمْ تَكُونُوا تُبْصِرُونَ، وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ الَّذِي تَسْمَعُونَ بِهِ الْأَصْوَاتَ، فَيَفْقَهُ بَعْضُكُمْ عَنْ بَعْضِ مَا تَتَحَاوَرُونَ بِهِ بَيْنَكُمْ، وَالْأَبْصَارَ الَّتِي تُبْصِرُونَ بِهَا الْأَشْخَاصَ فَتَتَعَارَفُونَ بِهَا وَتُمَيِّزُونَ بِهَا بَعْضًا مِنْ بَعْضٍ ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل: 78] يَقُولُ: وَالْقُلُوبَ الَّتِي تَعْرِفُونَ بِهَا الْأَشْيَاءَ فَتَحْفَظُونَهَا وَتُفَكِّرُونَ فَتَفْقَهُونَ بِهَا ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 52] يَقُولُ: فَعَلْنَا ذَلِكَ بِكُمْ، فَاشْكُرُوا اللَّهَ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنْ ذَلِكَ، دُونَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ، فَجَعَلْتُمْ لَهُ شُرَكَاءَ فِي الشُّكْرِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ فِيمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنْ نِعَمِهِ شَرِيكٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: 78] كَلَامٌ مُتَنَاهٍ، ثُمَّ ابْتُدِئَ الْخَبَرُ، فَقِيلَ: وَجَعَلَ اللَّهُ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ جَعَلَ الْعِبَادَةَ وَالسَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ، وَإِنَّمَا أَعْطَاهُمُ الْعِلْمَ وَالْعَقْلَ بَعْدَمَا أَخْرَجَهُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي
جَوِّ السَّمَاءِ، مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 79] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ: أَلَمْ تَرَوْا أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ، يَعْنِي: فِي هَوَاءِ السَّمَاءِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَرْضِ، كَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عِمْرَانَ الْأَنْصَارِيُّ:
[البحر البسيط]
وَيْلُمِّهَا مِنْ هَوَاءِ الْجَوِّ طَالِبَةً ... وَلَا كَهَذَا الَّذِي فِي الْأَرْضِ مَطْلُوبُ
يَعْنِي: فِي هَوَاءِ السَّمَاءِ.
﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النحل: 79] يَقُولُ: مَا طَيْرَانُهَا فِي الْجَوِّ إِلَّا بِاللَّهِ وَبِتَسْخِيرِهِ إِيَّاهَا بِذَلِكَ، وَلَوْ سَلَبَهَا مَا أَعْطَاهَا مِنَ الطَّيَرَانِ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى النُّهُوضِ ارْتِفَاعًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: 79] يَقُولُ: إِنَّ فِي تَسْخِيرِ اللَّهِ الطَّيْرَ وَتَمْكِينُهُ لَهَا الطَّيَرَانَ فِي جَوِّ السَّمَاءِ، لَعَلَامَاتٌ وَدَلَالَاتٌ عَلَى أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّهُ لَا حَظَّ لِلْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ فِي الْأُلُوهَةِ ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: 99] يَعْنِي: لِقَوْمٍ يُقِرُّونَ بِوُجْدَانِ مَا تُعَايِنُهُ أَبْصَارُهُمْ، وَتَحُسُّهُ حَوَاسُّهُمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾ [النحل: 79] أَيْ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا، وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ، وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: 80] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ﴾ [النحل: 72] أَيُّهَا النَّاسُ ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ [النحل: 80] الَّتِي هِيَ مِنَ الْحَجَرِ وَالْمَدَرِ،
﴿سَكَنًا﴾ [الأنعام: 96] تَسْكُنُونَ أَيَّامَ مَقَامِكُمْ فِي دُورِكُمْ وَبِلَادِكُمْ ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ [النحل: 80] وَهِيَ الْبُيُوتُ مِنَ الْأَنْطَاعِ وَالْفَسَاطِيطِ مِنَ الشَّعْرِ وَالصُّوفِ وَالْوَبَرِ ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا﴾ [النحل: 80] يَقُولُ: تَسْتَخِفُّونَ حَمْلَهَا وَنَقْلَهَا، ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ [النحل: 80] مِنْ بِلَادِكُمْ وَأَمْصَارِكُمْ لِأَسْفَارِكُمْ، ﴿وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ [النحل: 80] فِي بِلَادِكُمْ وَأَمْصَارِكُمْ.
وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى السَّكَنِ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وَرْقَاءَ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ [النحل: 80] قَالَ: «تَسْكُنُونَ فِيهِ» .
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ.
أَمَّا الْأَشْعَارُ فَجَمْعُ شَعْرٍ تُثَقَّلُ عَيْنُهُ وَتُخَفَّفُ، وَوَاحِدُ الشَّعْرِ شَعْرَةٌ، وَأَمَّا الْأَثَاثُ فَإِنَّهُ مَتَاعُ الْبَيْتِ لَمْ يُسْمَعْ لَهُ بِوَاحِدٍ، وَهُوَ فِي أَنَّهُ لَا وَاحِدَ لَهُ مِثْلُ الْمَتَاعِ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ النَّحْوِيِّينَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: وَاحِدُ الْأَثَاثِ أَثَاثَةٌ، وَلَمْ أَرَ أَهْلَ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ.
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْأَثَاثَ هُوَ الْمَتَاعُ، قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الوافر]
أَهَاجَتْكَ الظَّعَائِنُ يَوْمَ بَانُوا ... بِذِي الرِّئْيِ الْجَمِيلِ مِنَ الْأَثَاثِ
وَيُرْوَى: «بِذِي الزِّيِّ» وَأَنَا أَرَى أَصْلَ الْأَثَاثِ اجْتِمَاعُ بَعْضِ الْمَتَاعِ إِلَى بَعْضٍ حَتَّى يَكْثُرَ، كَالشَّعْرِ الْأَثِيثِ وَهُوَ الْكَثِيرُ الْمُلْتَفُّ، يُقَالُ مِنْهُ، أَثَّ شَعْرُ فُلَانٍ يَئِثُّ أَثًّا: إِذَا كَثُرَ وَالْتَفَّ وَاجْتَمَعَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ