سُورَةُ الْقِيَامَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
مَكِّيَّةٌ وَآيَاتُهَا أَرْبَعُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: 2] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: 1] فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ [القيامة: 1] لَا مَفْصُولَةٌ مِنْ أُقْسِمُ، سِوَى الْحَسَنِ
وَالْأَعْرَجِ، فَإِنَّهُ ذُكِرَ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا كَانَا يَقْرَآنِ ذَلِكَ: ﴿لَأُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ بِمَعْنَى: أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ أُدْخِلَتْ عَلَيْهَا لَامُ الْقَسَمِ.
وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا أَسْتَجِيزُ غَيْرَهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَا مَفْصُولَةٌ، أُقْسِمُ مُبْتَدَأةٌ عَلَى مَا عَلَيْهِ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي اخْتَرْنَا قِرَاءَتَهُ فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا صِلَةٌ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ، قَالَ: ثنا ابْنُ يَمَانٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ يَنَّاقٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: 1] قَالَ: أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرِ ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ [القيامة: 1] قَالَ: أُقْسِمُ وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بَلْ دَخَلَتْ لَا تَوْكِيدًا لِلْكَلَامِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ سَمِعْتُ أَبَا هِشَامٍ الرِّفَاعِيَّ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَيَّاشٍ، يَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ [القيامة: 1] تَوْكِيدٌ لِلْقَسَمِ كَقَوْلِهِ: لَا وَاللَّهِ وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ، لَا رَدَّ لِكَلَامٍ قَدْ مَضَى مِنْ كَلَامِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَانُوا يُنْكِرُونَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ، ثُمَّ ابْتُدِئُ الْقَسَمُ، فَقِيلَ: أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَكَانَ يَقُولُ: كُلُّ يَمِينٍ قَبْلَهَا رَدٌّ لِكَلَامٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ لَا قَبْلَهَا، لَيُفَرَّقَ بِذَلِكَ بَيْنَ الْيَمِينِ الَّتِي تَكُونُ جَحْدًا، وَالْيَمِينِ الَّتِي تَسْتَأْنِفُ، وَيَقُولُ: أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ مُبْتَدِئًا: وَاللَّهِ إِنَّ الرَّسُولَ لَحَقٌّ؛ وَإِذَا قُلْتَ: لَا وَاللَّهِ إِنَّ الرَّسُولَ لَحَقٌّ فَكَأَنَّكَ أَكْذَبْتَ قَوْمًا أَنْكَرُوهُ.
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي ذَلِكَ، هَلْ هُوَ قَسَمٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ قَسَمٌ أَقْسَمَ رَبُّنَا بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَبِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَقَالَ: أَيُّهُمْ؟ فَقُلْتُ: مِنْ بَنِي أَسَدٍ، فَقَالَ: مِنْ حَرِيبِهِمْ، أَوْ مِمَّنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؟ فَقُلْتُ: لَا بَلْ مِمَّنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي: سَلْ، فَقُلْتُ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: 1] ، فَقَالَ: يُقْسِمُ رَبُّكَ بِمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2] قَالَ: أُقْسِمُ بِهِمَا جَمِيعًا وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَمْ يُقْسِمْ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ.
وَقَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2] وَلَسْتُ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ:
أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَمْ يُقْسِمْ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَقْسَمَ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَبِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ، وَجَعَلَ لَا رَدًّا لِكَلَامٍ قَدْ كَانَ تَقَدَّمَهُ مِنْ قَوْمٍ، وَجَوَابًا لَهُمْ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ، لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ فِي مُحَاوَرَاتِهِمْ إِذَا قَالَ أَحَدُهُمْ: لَا وَاللَّهِ، لَا فَعَلْتُ كَذَا، أَنَّهُ يَقْصِدُ بِلَا رَدَّ الْكَلَامِ، وَبِقَوْلِهِ: وَاللَّهِ، ابْتِدَاءُ يَمِينٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: لَا أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَا فَعَلْتُ كَذَا؛ فَإِذَا كَانَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَعْنَى ذَلِكَ مَا وَصَفْنَا، فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ سَائِرُ مَا جَاءَ مِنْ نَظَائِرِهِ جَارِيًا مَجْرَاهُ، مَا لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَنِ الْمَعْرُوفِ بِمَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ.
وَبَعْدُ، فَإِنَّ الْجَمِيعَ مِنَ الْحُجَّةِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: 1] قَسَمٌ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2] إِلَّا أَنْ تَأْتِيَ حُجَّةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا قَسَمٌ وَالْآخَرَ خَبَرٌ.
وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ الْحَرْفَ الْأَوَّلَ لَأُقْسِمُ بِوَصْلِ اللَّامِ بِأُقْسِمُ قِرَاءَةٌ غَيْرُ جَائِزَةٍ بِخِلَافِهَا مَا عَلَيْهِ الْحُجَّةُ مُجْمِعَةٌ، فتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا: لَا، مَا الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُونَ أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَبْعَثُ عِبَادَهُ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ أَحْيَاءً، أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَكَانَتْ جَمَاعَةٌ تَقُولُ: قِيَامَةُ كُلُّ نَفْسٍ مَوْتِهَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ وَمِسْعَرٍ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ، عَنِ
الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، قَالَ: يَقُولُونَ: الْقِيَامَةُ الْقِيَامَةُ، وَإِنَّمَا قِيَامَةُ أَحَدِهِمْ: مَوْتُهُ
قَالَ ثنا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ وَسُفْيَانَ، عَنْ أَبِي قُبَيْسٍ، قَالَ: شَهِدْتُ جَنَازَةً فِيهَا عَلْقَمَةُ، فَلَمَّا دُفِنَ قَالَ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ الَّتِي تَلُومُ عَلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُؤَمَّلٌ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2] قَالَ: تَلُومُ عَلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2] قَالَ: تَلُومُ عَلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2] قَالَ: هِيَ النَّفْسُ اللَّؤُومُ
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهَا تَلُومُ عَلَى مَا فَاتَ وَتَنْدَمُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2] قَالَ: تَنْدَمُ عَلَى مَا فَاتَ وَتَلُومُ عَلَيْهِ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ اللَّوَّامَةُ: الْفَاجِرَةُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2] أَيِ الْفَاجِرَةُ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هِيَ الْمَذْمُومَةُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2] يَقُولُ: الْمَذْمُومَةُ وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَمَّنْ ذَكَرْنَاهَا عَنْهُ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ بِهَا أَلْفَاظُ قَائِلِيهَا، فَمُتَقَارِبَاتُ الْمَعَانِي، وَأَشْبَهُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ أَنَّهَا
تَلُومُ صَاحِبَهَا عَلَى الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَتَنْدَمُ عَلَى مَا فَاتَ، وَالْقُرَّاءُ كُلُّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى قِرَاءَةِ هَذِهِ بِفَصْلِ لَا مِنْ أُقْسِمُ
وَقَوْلُهُ: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَيَظُنُّ ابْنُ آدَمَ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَى جَمْعِ عِظَامِهِ بَعْدَ تَفَرُّقِهَا، بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ، أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ، وَهِيَ أَصَابِعُ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَنَجْعَلَهَا شَيْئًا وَاحِدًا كَخُفِّ الْبَعِيرِ، أَوْ حَافِرِ الْحِمَارِ، فَكَانَ لَا يَأْخُذُ مَا يَأْكُلُ إِلَّا
بِفِيهِ كَسَائِرِ الْبَهَائِمِ، وَلَكِنَّهُ فَرَّقَ أَصَابِعَ يَدَيْهِ يَأْخُذُ بِهَا، وَيَتَنَاوَلُ وَيَقْبِضُ إِذَا شَاءَ وَيَبْسُطُ، فَحَسَّنَ خَلْقَهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: سَلْ، فَقُلْتُ: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: 4] قَالَ: لَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ خُفًّا أَوْ حَافِرًا
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: 4] قَالَ: أَنَا قَادِرٌ عَلَى أَنْ أَجْعَلَ كَفَّهُ مُجَمَّرَةً مِثْلَ خُفِّ الْبَعِيرِ
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ عَطِيَّةَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: 4] قَالَ: نَجْعَلُهُ خُفًّا أَوْ حَافِرًا
قَالَ ثنا وَكِيعٌ، عَنِ النَّضْرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: 4] قَالَ: عَلَى أَنْ نَجْعَلَهُ مِثْلَ خُفِّ الْبَعِيرِ، أَوْ حَافِرِ الْحِمَارِ
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: 4] قَالَ: جَعَلَهَا يَدًا، وَجَعَلَهَا أَصَابِعَ يَقْبِضُهُنُّ وَيَبْسُطُهُنَّ، وَلَوْ شَاءَ لَجَمَعَهُنَّ، فَاتَّقَيْتَ الْأَرْضَ بِفِيكَ، وَلَكِنْ سَوَّاكَ خَلْقًا حَسَنًا.
قَالَ أَبُو رَجَاءٍ: وَسُئِلَ عِكْرِمَةُ فَقَالَ: لَوْ شَاءَ لَجَعَلَهَا كَخُفِّ الْبَعِيرِ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: 4] رِجْلَيْهِ، قَالَ: كَخُفِّ الْبَعِيرِ فَلَا يَعْمَلُ بِهِمَا شَيْئًا
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: 4] قَادِرٌ وَاللَّهِ عَلَى أَنْ يَجْعَلَ بَنَانَهُ كَحَافِرِ الدَّابَّةِ، أَوْ كَخُفِّ الْبَعِيرِ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ كَذَلِكَ، فَإِنَّمَا يُنَقِّي طَعَامَهُ بِفِيهِ
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: 4] قَالَ: لَوْ شَاءَ جَعَلَ بَنَانَهُ مِثْلَ خُفِّ الْبَعِيرِ، أَوْ حَافِرِ الدَّابَّةِ
حُدِّثْتُ، عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: ثنا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمَعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: 4] قَالَ: الْبَنَانُ: الْأَصَابِعُ، يَقُولُ: نَحْنُ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ نَجْعَلَ بَنَانَهُ مِثْلَ خُفِّ الْبَعِيرِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ نَصْبِ ﴿قَادِرِينَ﴾ [القيامة: 4] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نُصِبَ لِأَنَّهُ وَاقِعٌ مَوْقِعَ نَفْعَلُ، فَلَمَّا رُدَّ إِلَى فَاعِلٍ نُصِبَ، وَقَالُوا: مَعْنَى الْكَلَامِ: أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ بَلَى نَقْدِرُ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ؛ ثُمَّ صُرِفَ نَقْدِرُ إِلَى قَادِرِينَ.
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّ الْكُوفَةِ يَقُولُ: نُصِبَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ نَجْمَعُ، كَأَنَّهُ قِيلَ فِي الْكَلَامِ: أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ نَقْوَى عَلَيْهِ؟ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَقْوَى مِنْكَ.
يُرِيدُ: بَلَى نَقْوَى مُقْتَدِرِينَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَا.
وَقَالَ: قَوْلُ النَّاسِ بَلَى نَقْدِرُ، فَلَمَّا صُرِفَتْ إِلَى قَادِرِينَ نُصِبَتْ خَطَأً، لِأَنَّ الْفِعْلَ لَا يُنْصَبُ بِتَحْوِيلِهِ مِنْ يَفْعَلُ إِلَى فَاعِلٍ.
أَلَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ: أَتَقُومُ إِلَيْنَا، فَإِنْ حَوَّلْتَهَا إِلَى فَاعِلٍ قُلْتَ: أَقَائِمٌ، وَكَانَ خَطَأً أَنْ تَقُولَ قَائِمًا؛ قَالَ: وَقَدْ كَانُوا يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ الْفَرَزْدَقِ:
عَلَى قَسَمٍ لَا أَشْتُمُ الدَّهْرَ مُسْلِمًا ... وَلَا خَارِجًا مِنْ فِيَّ زُورُ كَلَامِ
فَقَالُوا: إِنَّمَا أَرَادَ: لَا أَشْتُمُ وَلَا يَخْرُجُ، فَلَمَّا صَرَفَهَا إِلَى خَارِجٍ نَصَبَهَا، وَإِنَّمَا نُصِبَ لِأَنَّهُ أَرَادَ: عَاهَدْتُ رَبِّي لَا شَاتِمًا أَحَدًا، وَلَا خَارِجًا مِنْ فِيَّ زُورُ كَلَامِ؛ وَقَوْلُهُ: لَا أَشْتُمُ، فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ.
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّ الْبَصْرَةِ يَقُولُ: نُصِبَ عَلَى نَجْمَعُ: أَيْ بَلْ نَجْمَعُهَا قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ، وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي أَشْبَهُ بِالصِّحَّةِ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ وَخَسَفَ الْقَمَرُ وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ كَلَّا لَا وَزَرَ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ [القيامة: 6] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا يَجْهَلُ ابْنُ آدَمَ أَنَّ رَبَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَجْمَعَ عِظَامَهُ،
وَلَكِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَمْضِيَ أَمَامَهُ قُدُمًا فِي مَعَاصِي اللَّهِ، لَا يُثْنِيهِ عَنْهَا شَيْءٌ، وَلَا يَتُوبُ مِنْهَا أَبَدًا، وَيُسَوِّفُ التَّوْبَةَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ بْنِ تَمِيمٍ الضَّبِّيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ [القيامة: 5] قَالَ: يَمْضِي قُدُمًا
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ [القيامة: 5] يَعْنِي الْأَمَلَ، يَقُولُ الْإِنْسَانُ: أَعْمَلُ ثُمَّ أَتُوبُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيُقَالُ: هُوَ الْكُفْرُ بِالْحَقِّ بَيْنَ يَدَيِ الْقِيَامَةِ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ [القيامة: 5] قَالَ: يَمْضِي أَمَامَهُ رَاكِبًا رَأْسَهُ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ
: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ [القيامة: 5] قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: لَا تَلْقَى ابْنَ آدَمَ إِلَّا تَنْزِعُ نَفْسُهُ إِلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ قُدُمًا قُدُمًا إِلَّا مَنْ قَدْ عَصَمَ اللَّهُ