تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 344-352

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: 3] فَإِنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ

صفحات 344-352
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: 5] وَهِيَ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي عَدَدْتُ لَكَ، يَعْنِي عِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمَ وَصَفَرَ وَرَبِيعًا الْأَوَّلَ وَعَشْرًا مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ " وَقَالَ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ: قِيلَ لِهَذِهِ الْأَشْهُرِ: الْحُرُمُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَرَّمَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِيهَا دِمَاءَ الْمُشْرِكِينَ وَالْعَرْضَ لَهُمْ إِلَّا بِسَبِيلِ خَيْرٍ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: 5] أَنَّهَا الْأَرْبَعَةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [التوبة: 2] قَالَ: هِيَ الْحُرُمُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ أُومِنُوا فِيهَا حَتَّى يَسِيحُوهَا "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: 2] قَالَ: ضُرِبَ لَهُمْ أَجَلٌ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وَتَبَرَّأَ مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ، ثُمَّ أَمَرَ إِذَا انْسَلَخَتْ تِلْكَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: 5] لَا تَتْرُكُوهُمْ يَضْرِبُونَ فِي الْبِلَادِ، وَلَا يَخْرُجُونَ لِلتِّجَارَةِ، ضَيِّقُوا عَلَيْهِمْ، بَعْدَهَا أَمَرَ بِالْعَفْوِ: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 5] "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: " ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ [التوبة: 5] يَعْنِي الْأَرْبَعَةَ الَّتِي ضَرَبَ اللَّهُ لَهُمْ أَجَلًا لِأَهْلِ الْعَهْدِ الْعَامِّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: 5] الْآيَةَ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 6] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ: وَإِنِ اسْتَأْمَنَكَ يَا مُحَمَّدُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَمَرْتُكَ بِقِتَالِهِمْ وَقَتْلِهِمْ بَعْدَ انْسِلَاخِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَحَدٌ لِيَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ مِنْكَ،

وَهُوَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ﴿فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة: 6] يَقُولُ: فَأَمِّنْهُ ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6] وَتَتْلُوهُ عَلَيْهِ.
﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: 6] يَقُولُ: ثُمَّ رُدَّهُ بَعْدَ سَمَاعِهِ كَلَامَ اللَّهِ إِنْ هُوَ أَبَى أَنْ يُسْلِمَ وَلَمْ يَتَّعِظْ لِمَا تَلَوْتَهُ عَلَيْهِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ فَيُؤْمِنَ، إِلَى مَأْمَنِهِ، يَقُولُ: إِلَى حَيْثُ يَأْمَنُ مِنْكَ وَمِمَّنْ فِي طَاعَتِكَ حَتَّى يَلْحَقَ بِدَارِهِ وَقَوْمِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ

قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ} [التوبة: 6] يَقُولُ: تَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِمْ مِنْ إِعْطَائِكَ إِيَّاهُمُ الْأَمَانَ، لِيَسْمَعُوا الْقُرْآنَ، وَرَدِّكَ إِيَّاهُمْ إِذَا أَبَوْا الْإِسْلَامَ إِلَى مَأْمَنِهِمْ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ قَوْمٌ جَهَلَةٌ لَا يَفْقَهُونَ عَنِ اللَّهِ حُجَّةً وَلَا يَعْلَمُونَ مَا لَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ لَوْ آمَنُوا وَمَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْوِزْرِ وَالْإِثْمِ بِتَرْكِهِمُ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: " ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: 6] أَيْ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَمَرْتُكَ بِقِتَالِهِمْ ﴿فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة: 6] "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6] أَمَّا كَلَامُ اللَّهِ: فَالْقُرْآنُ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة: 6] قَالَ: إِنْسَانٌ يَأْتِيكَ فَيَسْمَعُ مَا تَقُولُ وَيَسْمَعُ مَا أُنْزِلَ عَلَيْكَ، فَهُوَ آمِنٌ حَتَّى يَأْتِيَكَ فَيَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ، وَحَتَّى يَبْلُغَ مَأْمَنَهُ حَيْثُ جَاءَ ". حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، بِنَحْوِهِ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَعْقُوبُ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، قَالَ: " خَرَجَ

رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَازِيًا، فَلَقِيَ الْعَدُوَّ، وَأَخْرَجَ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَأَشْرَعُوا فِيهِ الْأَسِنَّةَ، فَقَالَ الرَّجُلُ ارْفَعُوا عَنِّي سِلَاحَكُمْ، وَأَسْمِعُونِي كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالُوا: تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَتَخْلَعُ الْأَنْدَادَ وَتَتَبَرَّأُ مِنَ اللَّاتِ وَالْعُزَّى؟ فَقَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ فَعَلْتُ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: 6] قَالَ: إِنْ لَمْ يُوَافِقْهُ مَا تَقُولُ عَلَيْهِ وَتُحَدِّثُهُ، فَأَبْلِغْهُ.
قَالَ: وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْسُوخٍ " وَاخْتُلِفَ فِي حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَهَلْ هُوَ مَنْسُوخٌ أَوْ هُوَ غَيْرُ مَنْسُوخٍ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ غَيْرُ مَنْسُوخٍ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا قَوْلَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ مَنْسُوخٌ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ: " ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] نَسَخَتْهَا: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: 4] " قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ السُّدِّيِّ، مِثْلَهُ.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَسْخَ قَوْلُهُ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 5] قَوْلَهُ: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ﴾ [محمد: 4]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: 4] نَسَخَهَا قَوْلُهُ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ "[التوبة: 5] وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِمَنْسُوخٍ، وَقَدْ دَلَلْنَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى النَّسْخِ هُوَ نَفْي حُكْمٍ قَدْ كَانَ ثَبَتَ بِحُكْمٍ آخَرَ غَيْرِهِ، وَلَمْ تَصِحَّ حُجَّةٌ بِوُجُوبِ حُكْمِ اللَّهِ فِي الْمُشْرِكِينَ بِالْقَتْلِ بِكُلِّ حَالٍ ثُمَّ نَسَخَهُ بِتَرْكِ قَتْلِهِمْ عَلَى أَخْذِ الْفِدَاءِ وَلَا عَلَى وَجْهِ الْمَنِّ عَلَيْهِمْ.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَكَانَ الْفِدَاءُ وَالْمَنُّ وَالْقَتْلُ لَمْ يَزَلْ مِنْ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ مِنْ أَوَّلِ حَرْبٍ حَارَبَهُمْ، وَذَلِكَ مِنْ يَوْمِ بَدْرٍ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ، وَخُذُوهُمْ لِلْقَتْلِ أَوِ الْمَنِّ أَوِ الْفِدَاءِ وَاحْصُرُوهُمْ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ صَحَّ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 7] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَنَّى يَكُونُ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَبِأَيِّ مَعْنًى

يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ بِرَبِّهِمْ عَهْدٌ وَذِمَّةٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ، يُوَفَّى لَهُمْ بِهِ، وَيُتْرَكُوا مِنْ أَجْلِهِ آمِنِينَ يَتَصَرَّفُونَ فِي الْبِلَادِ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: لَا عَهْدَ لَهُمْ، وَأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ قَتْلُهُمْ حَيْثُ وَجَدُوهُمْ إِلَّا الَّذِينَ أُعْطُوا الْعَهْدَ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْوَفَاءِ لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَالِاسْتِقَامَةِ لَهُمْ عَلَيْهِ، مَا دَامُوا عَلَيْهِ لِلْمُؤْمِنِينَ مُسْتَقِيمِينَ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ عُنُوا بِقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: 7] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمْ قَوْمٌ مِنْ جَذِيمَةَ بْنِ الدِّيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: 7] هُمْ بَنُو جَذِيمَةَ بْنِ الدِّيلِ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَوْلُهُ: " ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 4] قَالَ: هُمْ

جَذِيمَةُ بَكْرٍ مِنْ كِنَانَةَ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: " ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 7] الَّذِينَ كَانُوا وَأَنْتُمْ عَلَى الْعَهْدِ الْعَامِّ بِأَنْ لَا تَمْنَعُوهُمْ وَلَا يَمْنَعُوكُمْ مِنَ الْحَرَمِ وَلَا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ ﴿عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: 7] وَهِيَ قَبَائِلُ بَنِي بَكْرٍ الَّذِينَ كَانُوا دَخَلُوا فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ وَعَقَدْتُمْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ إِلَى الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ، فَلَمْ يَكُنْ نَقَضَهَا إِلَّا هَذَا الْحَيُّ مِنْ قُرَيْشٍ وَبَنُو الدِّيلِ مِنْ بَكْرٍ، فَأُمِرَ بِإِتْمَامِ الْعَهْدِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ نَقَضَ عَهْدَهُ مِنْ بَنِي بَكْرٍ إِلَى مُدَّتِهِ ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ﴾ [التوبة: 7] الْآيَةَ " وَقَالَ آخَرُونَ: هُمْ قُرَيْشٌ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: 7] هُمْ قُرَيْشٌ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: 7] يَعْنِي: أَهْلَ مَكَّةَ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: 7] يَقُولُ: هُمْ قَوْمٌ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُدَّةٌ، وَلَا يَنْبَغِي لِمُشْرِكٍ أَنْ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَلَا مَنْ يُعْطِي الْمُسْلِمَ الْجِزْيَةَ "

جارٍ التحميل