تفسير الطبري = جامع البيانالْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللًّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللًّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

[البقرة: 149]

يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ [البقرة: 149] وَمَنْ أَيِّ مَوْضِعٍ خَرَجْتَ إِلَى أَيِّ مَوْضِعٍ وُجِّهْتَ فَوَلِّ يَا مُحَمَّدُ وَجْهَكَ يَقُولُ: حَوِّلْ وَجْهَكَ.
وَقَدْ دَلْلَنَا عَلَى أَنَّ التَّوْلِيَةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، إِنَّمَا هِيَ الْإِقْبَالُ بِالْوَجْهِ نَحْوَهُ؛ وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الشَّطْرِ فِيمَا مَضَى

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: 149] فَإِنَّهُ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِنَّ التَّوَجُّهَ شَطْرَهُ لِلْحَقِّ " الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ، فَحَافِظُوا عَلَيْهِ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ فِي تَوَجُّهِكُمْ قِبَلَهُ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 74] فَإِنَّهُ يَقُولُ: فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَيْسَ بِسَاهٍ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَلَا بِغَافِلٍ عَنْهَا، وَلَكِنَّهُ مُحْصِيهَا لَكُمْ حَتَّى يُجَازِيَكُمْ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾

[البقرة: 150]

يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 149] مِنْ أَيِّ مَكَانٍ وَبُقْعَةٍ شَخَصْتَ فَخَرَجْتَ يَا مُحَمَّدُ، فَوَلِّ وَجْهَكَ تِلْقَاءَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؛ وَهُوَ شَطْرَهُ

وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: 144] وَأَيْنَمَا كُنْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ أَرْضِ اللَّهِ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ فِي صَلَاتِكُمْ تِجَاهَهُ وَقِبَلَهُ وَقَصْدَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: 150] فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلَ: عَنَى اللَّهُ تَعَالَى بِالنَّاسِ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 150] أَهْلِ الْكِتَابِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلِهِ ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ [البقرة: 150] يَعْنِي بِذَلِكَ أَهْلَ الْكِتَابِ، قَالُوا حِينَ صُرِفَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْكَعْبَةِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ: اشْتَاقَ الرَّجُلُ إِلَى بَيْتِ أَبِيهِ وَدِينِ قَوْمِهِ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ [البقرة: 150] «يَعْنِي بِذَلِكَ أَهْلَ الْكِتَابِ، قَالُوا حِينَ صُرِفَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْكَعْبَةِ اشْتَاقَ الرَّجُلُ إِلَى بَيْتِ أَبِيهِ وَدِينِ قَوْمِهِ» فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَأَيَّةُ حُجَّةٍ كَانَتْ لِأَهْلِ الْكِتَابِ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ؟ قِيلَ: قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ، قِيلَ إِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: مَا دَرَى مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ أَيْنَ قِبْلَتُهُمْ حَتَّى هَدَيْنَاهُمْ نَحْنُ، وَقَوْلُهُمْ: يُخَالِفُنَا مُحَمَّدٌ فِي دِينِنَا وَيَتَّبِعُ قِبْلَتَنَا فَهِيَ الْحُجَّةُ الَّتِي كَانُوا يَحْتَجُّونَ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ عَلَى وَجْهِ الْخُصُومَةِ مِنْهُمْ لَهُمْ وَالتَّمْوِيهِ مِنْهُمْ بِهَا عَلَى الْجُهَّالِ وَأَهْلِ الْعِنَادِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ مَعْنَى حِجَاجِ الْقَوْمِ إِيَّاهُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي كِتَابِهِ إِنَّمَا هِيَ الْخُصُومَاتُ وَالْجِدَالُ، فَقَطَعَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذَلِكَ مِنْ حُجَّتِهِمْ وَحَسْمِهِ بِتَحْوِيلِ قِبْلَةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ قِبْلَةِ الْيَهُودِ إِلَى قِبْلَةِ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ [البقرة: 150] يَعْنِي بِالنَّاسِ: الَّذِينَ كَانُوا يَحْتَجُّونَ عَلَيْهِمْ بِمَا وَصَفْتُ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 150] فَإِنَّهُمْ مُشْرِكُو الْعَرَبِ مِنْ قُرَيْشٍ فِيمَا تَأَوَّلَهُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 150] قَوْمُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "

حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ «هُمُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 150] يَعْنِي مُشْرِكِي قُرَيْشٍ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ " ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 150] قَالَ: هُمْ مُشْرِكُو الْعَرَبِ "

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلِهِ " ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 150] وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مُشْرِكُو قُرَيْشٍ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ، «هُمْ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ» قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِ عَطَاءٍ

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَأَيَّةُ حُجَّةٍ كَانَتْ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ فِي تَوَجُّهِهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ إِلَى الْكَعْبَةِ؟ وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حُجَّةٌ فِيمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِهِ أَوْ نَهَاهُمْ عَنْهُ؟ قِيلَ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا تَوَهَّمْتُ وَذَهَبْتُ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْخُصُومَةُ وَالْجِدَالُ.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: لِئَلَّا يَكُونَ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ عَلَيْكُمْ خُصُومَةٌ وَدَعْوَى بَاطِلَةٌ غَيْرَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، فَإِنَّ لَهُمْ عَلَيْكُمْ دَعْوَى بَاطِلَةً وَخُصُومَةً بِغَيْرِ حَقٍّ بِقِيلِهِمْ لَكُمْ: رَجَعَ مُحَمَّدٌ إِلَى قِبْلَتِنَا وَسَيَرْجُعُ إِلَى دِينِنَا.
فَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ، وَأَمَانِيهِمُ الْبَاطِلَةُ هِيَ الْحُجَّةُ الَّتِي كَانَتْ لِقُرَيْشٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ؛ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ اسْتَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ غَيْرِهِمْ، إِذْ نَفَى أَنْ يَكُونَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ فِي قِبْلَتِهِمُ الَّتِي وَجَّهَهُمْ إِلَيْهَا حُجَّةٌ وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 150] قَوْمُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «, قَالَ مُجَاهِدٌ، يَقُولُ» حُجَّتُهُمْ قَوْلُهُمْ: قَدْ رَاجَعْتَ قِبْلَتَنَا "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ؛ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ قَوْلَهُمْ: قَدْ رَجَعْتَ إِلَى قِبْلَتِنَا "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: ثنا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، وَابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 150] قَالَا " هُمْ مُشْرِكُو الْعَرَبِ، قَالُوا حِينَ صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْكَعْبَةِ: قَدْ رَجَعَ إِلَى قِبْلَتِكُمْ فَيُوشِكُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى دِينِكُمْ.
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: 150] "

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلِهِ ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 150] وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، يَقُولُ: إِنَّهُمْ سَيَحْتَجُّونَ عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ فَكَانَتْ حُجَّتُهُمْ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِانْصِرَافِهِ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ أَنَّهُمْ قَالُوا: سَيَرْجِعُ إِلَى دِينِنَا كَمَا رَجَعَ إِلَى قِبْلَتِنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ " حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِيمَا

يَذْكُرُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا " لَمَّا صُرِفَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ بَعْدَ صَلَاتِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: تَحَيَّرَ عَلَى مُحَمَّدٍ دِينُهُ، فَتَوَجَّهَ بِقِبْلَتِهِ إِلَيْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ أَهْدَى مِنْهُ سَبِيلًا، وَيُوشِكُ أَنْ يَدْخُلَ فِي دِينِكُمْ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيهِمْ: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: 150] "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ، قَوْلِهِ ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 150] " قَالَ: " قَالَتْ قُرَيْشٌ لَمَّا رَجَعَ إِلَى الْكَعْبَةِ وَأُمِرَ بِهَا: مَا كَانَ يَسْتَغْنِي عَنَّا قَدِ اسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا.
فَهِيَ حُجَّتُهُمْ، وَهُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا "

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا، يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِ عَطَاءٍ، فَقَالَ مُجَاهِدٌ، " حُجَّتُهُمْ: قَوْلُهُمْ رَجَعْتَ إِلَى قِبْلَتِنَا " فَقَدْ أَبَانَ تَأْوِيلُ مَنْ ذَكَرْنَا تَأْوِيلَهُ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ قَوْلَهُ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 150] عَنْ صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِهِ، وَأَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمَعْرُوفِ الَّذِي يَثْبُتُ فِيهِمْ لِمَا بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ مَا كَانَ مَنْفِيًّا عَمَّا قَبْلَهُمْ، كَمَا أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: مَا سَارَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ إِلَّا أَخُوكَ " إِثْبَاتٌ لِلْأَخِ مِنَ السَّيْرِ مَا هُوَ

مَنْفِيٌّ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 150] نَفْيٌ عَنْ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدٍ خُصُومَةٌ وَجَدَلٌ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَدَعْوَى بَاطِلَةٌ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ بِسَبَبِ تَوَجُّهِهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ قِبَلَ الْكَعْبَةِ، إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ، فَإِنَّ لَهُمْ قَبْلَهُمْ خُصُومَةً وَدَعْوَى بَاطِلَةً بِأَنْ يَقُولُوا: إِنَّمَا تَوَجُّهْتُمْ إِلَيْنَا وَإِلَى قِبْلَتِنَا؛ لِأَنَّا كُنَّا أَهْدَى مِنْكُمْ سَبِيلًا، وَأَنَّكُمْ كُنْتُمْ بِتَوَجُّهِكُمْ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَلَى ضَلَالٍ وَبَاطِلٍ.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَى الْآيَةِ بِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، فَبَيَّنَ خَطَأَ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 150] وَلَا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ، وَأَنَّ «إِلَّا» بِمَعْنَى الْوَاوِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعْنَاهُ لَكَانَ النَّفْي الْأَوَّلُ عَنْ جَمِيعِ النَّاسِ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ حُجَّةٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ فِي تَحَوُّلِهِمْ نَحْوَ الْكَعْبَةِ بِوُجُوهِهِمْ مُبَيِّنًا عَنِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذِكْرِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 150] إِلَّا التَّلْبِيسَ الَّذِي يَتَعَالَى عَنْ أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ، أَوْ يُوصَفَ بِهِ.
هَذَا مَعَ خُرُوجِ مَعْنَى الْكَلَامِ إِذَا وَجَّهْتَ «إِلَّا» إِلَى مَعْنَى الْوَاوِ، وَمَعْنَى الْعَطْفِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ إِلَّا فِي شَيْءٍ مِنْ كَلَامِهَا بِمَعْنَى الْوَاوِ إِلَّا مَعَ اسْتِثْنَاءٍ سَابِقٍ قَدْ تَقَدَّمَهَا، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: سَارَ الْقَوْمُ إِلَّا عَمْرًا إِلَّا أَخَاكَ، بِمَعْنَى: إِلَّا عَمْرًا وَأَخَاكَ، فَتَكُونُ «إِلَّا» حِينَئِذٍ مُؤَدِّيةً عَمَّا تُؤَدِّي عَنْهُ الْوَاوُ لِتَعَلُّقِ «إِلَّا»

الثَّانِيَةِ بِـ «إِلَّا» الْأُولَى، وَيُجْمَعُ فِيهَا أَيْضًا بَيْنَ «إِلَّا» وَالْوَاوِ، فَيُقَالُ: سَارَ الْقَوْمُ إِلَّا عَمْرًا وَإِلَّا أَخَاكَ، فَتُحْذَفُ إِحْدَاهُمَا فَتَنُوبُ الْأُخْرَى عَنْهَا، فَيُقَالُ: سَارَ الْقَوْمُ إِلَّا عَمْرًا وَأَخَاكَ، أَوْ إِلَّا عَمْرًا إِلَّا أَخَاكَ، لِمَا وَصَفْنَا قَبْلُ.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَغَيْرُ جَائِزٍ لِمُدَّعٍ مِنَ النَّاسِ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ «إِلَّا» فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَعْنَى الْوَاوِ الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنَى الْعَطْفِ.
وَوَاضِحٌ فَسَادُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ فِي كَلَامِهِ: النَّاسُ كُلُّهُمْ لَكَ حَامِدُونَ إِلَّا الظَّالِمَ الْمُعْتَدِيَ عَلَيْكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُعْتَدُّ بِعَدَاوَتِهِ وَلَا بِتَرْكِهِ الْحَمْدَ لِمَوْضِعِ الْعَدَاوَةِ.
وَكَذَلِكَ الظَّالِمُ لَا حَجَّةَ لَهُ، وَقَدْ سُمِّيَ ظَالِمًا؛ لِإِجْمَاعِ جَمِيعِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى تَخْطِئَةِ مَا ادَّعَى مِنَ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ.
وَكَفَى شَاهِدًا عَلَى خَطَأِ مَقَالَتِهِ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى تَخْطِئَتِهَا.
وَظَاهِرٌ بُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا هَا هُنَا نَاسٌ مِنَ الْعَرَبِ كَانُوا يَهُودًا، وَنَصَارَى، فَكَانُوا يَحْتَجُّونَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَّا سَائِرُ الْعَرَبِ فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ حُجَّةٌ، وَكَانَتْ حُجَّةُ مَنْ يَحْتَجُّ مُنْكَسِرَةً؛ لِأَنَّكَ تَقُولُ لِمَنْ تُرِيدُ أَنْ تَكْسِرَ عَلَيْهِ حُجَّتَهُ: إِنَّ لَكَ

عَلَيَّ حُجَّةً، وَلَكِنَّهَا مُنْكَسِرَةٌ، وَإِنَّكَ لَتَحْتَجُّ بِلَا حُجَّةٍ، وَحُجَّتُكَ ضَعِيفَةٌ.
وَوَجْهُ مَعْنَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 150] إِلَى مَعْنَى: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّ لَهُمْ عَلَيْكُمْ حُجَّةً وَاهِيَةً أَوْ حُجَّةً ضَعِيفَةً.
وَهِيَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: «إِلَّا» فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَعْنَى «لَكِنْ» ، وَضَعْفُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ ابْتِدَاءٌ بِمَعْنَى: إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ؛ لِأَنَّ تَأْوِيلَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ جَاءَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَبَرٌ عَنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ أَنَّهُمْ يَحْتَجُّونَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ بِمَا قَدْ ذَكَرْنَا، وَلَمْ يَقْصِدْ فِي ذَلِكَ إِلَى الْخَبَرِ عَنْ صِفَةِ حُجَّتِهِمْ بِالضَّعْفِ وَلَا بِالْقُوَّةِ وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً؛ لِأَنَّهَا بَاطِلَةٌ، وَإِنَّمَا قَصَدَ فِيهِ الْإِثْبَاتَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا قَدْ نُفِيَ عَنِ الَّذِينَ قَبْلَ حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الصِّفَةِ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ الرَّبِيعُ، «إِنَّ يَهُودِيًّا خَاصَمَ أَبَا الْعَالِيَةِ فَقَالَ» إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يُصَلِّي إِلَى صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الصَّخْرَةِ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ.
قَالَ: قَالَ: فَبَيْنِي وَبَيْنَكَ مَسْجِدٌ صَالِحٌ فَإِنَّهُ نَحَتَهُ مِنَ الْجَبَلِ.
قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: قَدْ صَلَّيْتُ فِيهِ وَقَبِلْتُهُ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ "

قَالَ الرَّبِيعُ، وَأَخْبَرَنِي أَبُو الْعَالِيَةِ، «أَنَّهُ مَرَّ عَلَى مَسْجِدِ ذِي الْقَرْنَيْنِ وَقِبْلَتُهُ إِلَى الْكَعْبَةِ»

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: 150] يَعْنِي فَلَا تَخْشَوْا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفْتُ لَكُمْ أَمْرَهُمْ مِنَ الظَّلَمَةِ فِي حُجَّتِهِمْ وَجِدَالِهِمْ، وَقَوْلُهُمْ مَا يَقُولُونَ مِنْ أَنِّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

قَدْ رَجَعَ إِلَى قِبْلَتِنَا وَسَيَرْجِعُ إِلَى دِينِنَا أَوْ أَنْ يَقْدِرُوا لَكُمْ عَلَى ضُرٍّ فِي دِينِكُمْ أَوْ صَدِّكُمْ عَمَّا هَدَاكُمُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَهُ مِنَ الْحَقِّ؛ وَلَكِنِ اخْشَوْنِي، فَخَافُوا عِقَابِي فِي خِلَافِكُمْ أَمْرِي إِنْ خَالَفْتُمُوهُ.
وَذَلِكَ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ تَقَدَّمَ إِلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحَضِّ عَلَى لُزُومِ قِبْلَتِهِمْ وَالصَّلَاةِ إِلَيْهَا، وَبِالنَّهْيِ عَنِ التَّوَجُّهِ إِلَى غَيْرِهَا.
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَاخْشَوْنِي أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي تَرْكِ طَاعَتِي فِيمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ مِنَ الصَّلَاةِ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
وَقَدْ حُكِيَ عَنِ السُّدِّيِّ فِي ذَلِكَ

مَا حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، " ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: 150] يَقُولُ: لَا تَخْشَوْا أَنْ أَرُدَّكُمْ فِي دِينِهِمْ "

جارٍ التحميل