سُورَةُ فَاطِرٍ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
مَكِّيَّةٌ وَآيَاتُهَا خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: الشُّكْرُ الْكَامِلُ لِلْمَعْبُودِ الَّذِي لَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ لِغَيْرِهِ خَالِقِ
السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرْضِ ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: 1] إِلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَفِيمَا شَاءَ مِنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثَلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: 1] يَقُولُ أَصْحَابُ أَجْنِحَةِ: يَعْنِي مَلَائِكَةً، فَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ اثْنَانِ مِنَ الْأَجْنِحَةِ، وَمِنْهُمْ مِنْ لَهُ ثَلَاثَةُ أَجْنِحَةٍ، وَمِنْهُمْ مِنْ لَهُ أَرْبَعَةٌ
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثَلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: 1] قَالَ " بَعْضُهُمْ: لَهُ جَنَاحَانِ، وَبَعْضُهُمْ: ثَلَاثَةٌ، وَبَعْضُهُمْ أَرْبَعَةٌ " وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي عِلَّةِ تَرْكِ إِجْرَاءِ مَثْنَى وَثَلَاثَ وَرُبَاعَ، وَهِيَ تَرْجَمَةٌ عَنْ أَجْنِحَةٍ، وَأَجْنِحَةٌ نَكِرَةٌ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ تَرْكُ إِجْرَاؤُهُنَّ لَأَنَّهُنَّ مَصْرُوفَاتٌ عَنْ وُجُوهِهِنَّ، وَذَلِكَ أَنَّ مَثْنَى مَصْرُوفٌ عَنِ اثْنَيْنِ، وَثَلَاثَ عَنْ ثَلَاثَةٍ، وَرُبَاعَ عَنْ أَرْبَعَةٍ، فَصَرَفَ نَظِيرَ عُمَرَ، وَزُفَرَ، إِذْ صَرْفُ هَذَا عَنْ
عَامِرٍ إِلَى عُمَرَ، وَهَذَا عَنْ زَافِرٍ إِلَى زُفَرَ، وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ: [البحر الكامل] وَلَقَدْ قَتَلْتُكُمُ ثُنَاءً وَمَوْحَدًا ... وَتَرَكَتْ مُرَّةَ مِثْلَ أَمْسِ الْمُدْبِرِ وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ: لَمْ يَصْرِفْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُوهَمُ بِهِ الثَّلَاثَةُ وَالْأَرْبَعَةُ، قَالَ: وَهَذَا لَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي حَالِ الْعَدَدِ وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: هُنَّ مَصْرُوفَاتٌ عَنِ الْمَعَارِفِ، لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لَا تَدْخُلُهَا، وَالْإِضَافَةُ لَا تَدْخُلُهَا؛ قَالَ: وَلَوْ دَخَلَتْهَا الْإِضَافَةُ وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ لَكَانَتْ نَكِرَةً، وَهِيَ تَرْجَمَةٌ عَنِ النَّكِرَةِ؛ قَالَ: وَكَذَلِكَ مَا كَانَ فِي الْقُرْآنِ، مِثْلُ: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ [سبأ: 46] ، وَكَذَلِكَ وَحَادَ وَأَحَادَ، وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ مَصْرُوفِ الْعَدَدِ
وَقَوْلُهُ: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر: 1] وَذَلِكَ زِيَادَتُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي خَلْقِ هَذَا الْمَلَكِ مِنَ الْأَجْنِحَةِ عَلَى الْآخَرِ مَا يَشَاءُ، وَنُقْصَانِهِ عَنِ الْآخَرِ مَا أَحَبَّ، وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ خَلْقِهِ يَزِيدُ مَا يَشَاءُ فِي خَلْقِ مَا شَاءَ مِنْهُ، وَيَنْقُصُ مَا شَاءَ مِنْ خَلْقِ مَا شَاءَ، لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، وَلَهُ الْقُدْرَةُ وَالسُّلْطَانُ ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 20] يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدِيرٌ عَلَى زِيَادَةِ مَا شَاءَ مِنْ ذَلِكَ فِيمَا شَاءَ، وَنُقْصَانِ مَا شَاءَ مِنْهُ مِمَّنْ شَاءَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فِعْلُ شَيْءٍ أَرَادَهُ سُبْحَانَ هُ وَتَعَالَى
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: 2]
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَفَاتِيحُ الْخَيْرِ وَمَغَالِقُهُ كُلُّهَا بِيَدِهِ؛ فَمَا يُفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ خَيْرٍ فَلَا مُغْلِقَ لَهُ، وَلَا مُمْسِكَ عَنْهُمْ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَمْرُهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَمْرَهُ أَحَدٌ، وَكَذَلِكَ مَا يُغْلَقْ مِنْ خَيْرٍ عَنْهُمْ فَلَا يَبْسُطْهُ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَفْتَحْهُ لَهُمْ، فَلَا فَاتِحَ لَهُ سِوَاهُ، لِأَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا إِلَيْهِ وَلَهُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿مَا يُفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: 2] " أَيْ مِنْ خَيْرٍ ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: 2] فَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ حَبْسَهَا ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: 2] وَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَلَا مُمْسِكْ لَهَا﴾ [فاطر: 2] فَأَنَّثَ مَا لِذِكْرِ الرَّحْمَةِ مِنْ بَعْدِهِ، وَقَالَ: ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسَلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: 2] فَذَكَرَ لِلَفْظِ مَا؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ مُذَكَّرِ، وَلَوْ أُنِّثَ فِي مَوْضِعِ التَّذْكِيرِ لِلْمَعْنَى، وَذُكِّرَ فِي مَوْضِعِ التَّأْنِيثِ لِلَّفْظِ جَازَ، وَلَكِنَّ الْأَفْصَحَ مِنَ الْكَلَامِ التَّأْنِيثُ إِذَا ظَهَرَ بَعْدُ مَا يَدُلُّ عَلَى تَأْنِيثِهَا وَالتَّذْكِيرُ إِذَا لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمِ﴾ [إبراهيم: 4] يَقُولُ: وَهُوَ الْعَزِيزُ فِي نَقْمَتِهِ مِمَّنِ انْتَقَمَ مِنْهُ مِنْ خَلْقِهِ بِحَبْسِ رَحْمَتِهِ عَنْهُ وَخَيْرَاتِهِ، الْحَكِيمُ فِي تَدْبِيرِ خَلْقِهِ، وَفَتْحِهِ لَهُمُ الرَّحْمَةُ إِذَا كَانَ فَتْحُ ذَلِكَ صَلَاحًا، وَإِمْسَاكِهِ إِيَّاهُ عَنْهُمْ إِذَا كَانَ إِمْسَاكُهُ حِكْمَةً
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُشْرِكِينَ بِهِ مِنْ قَوْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قُرَيْشٍ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ الَّتِي أَنْعَمَهَا
﴿عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 40] بِفَتْحِهِ لَكُمْ مِنْ خَيْرَاتِهِ مَا فَتْحَ وَبَسْطِهِ لَكُمْ مِنَ الْعَيْشِ مَا بَسَطَ وَفَكَّرُوا فَانْظُرُوا هَلْ مِنْ خَالِقٍ سِوَى فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي بِيَدِهِ مَفَاتِيحُ أَرْزَاقِكُمْ وَمَغَالِقُهَا ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: 31] فَتَعْبُدُوهُ دُونَهُ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: 163] يَقُولُ: لَا مَعْبُودَ تَنْبَغِي لَهُ الْعِبَادَةُ إِلَّا الَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتَ وَالْأَرْضَ، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الَّذِي بِيَدِهِ مَفَاتِحُ الْأَشْيَاءِ وَخَزَائِنُهَا، وَمَغَالِقُ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَلَا تَعْبُدُوا أَيُّهَا النَّاسُ شَيْئًا سِوَاهُ، فَإِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى نَفْعِكُمْ وَضُرِّكُمْ سِوَاهُ، فَلَهُ فَأَخْلِصُوا الْعِبَادَةَ، وَإِيَّاهُ فَأَفْرِدُوا بِالْأُلُوهَةِ ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: 95] يَقُولُ: فَأَيُّ وَجْهٍ عَنْ خَالِقِكُمْ وَرَازِقِكُمُ الَّذِي بِيَدِهِ نَفْعُكُمْ وَضَرُّكُمْ تُصْرَفُونَ
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: 3] " يَقُولُ الرَّجُلُ: إِنَّهُ لَيَوْفِكَ عَنِّي كَذَا وَكَذَا " وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى الْإِفْكِ، وَتَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: 3] فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ الْمُغْنِيَةِ عَنْ تَكْرِيرِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ
بِاللَّهِ الْغَرُورُ} [فاطر: 5] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَإِنْ يُكَذِّبُكَ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ مِنْ قَوْمِكَ فَلَا يُحْزِنَنَّكَ ذَاكَ، وَلَا يَعْظُمُ عَلَيْكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ سُنَّةُ أَمْثَالِهِمْ مِنْ كَفَرَةِ الْأُمَمِ بِاللَّهِ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَ اللَّهِ الَّتِي أَرْسَلَهَا إِلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِكَ، وَلَنْ يَعْدُو مُشْرِكُو قَوْمِكَ أَنْ يَكُونُوا مِثْلَهُمْ، فَيَتَّبِعُوا فِي تَكْذِيبِكَ مِنْهَاجَهُمْ، وَيَسْلُكُوا سَبِيلَهُمْ ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: 210] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِلَى اللَّهِ مَرْجِعُ أَمْرِكَ وَأَمْرِهِمْ، فَمُحِلٌّ بِهِمُ الْعُقُوبَةَ، إِنْ هُمْ لَمْ يُنِيبُوا إِلَى طَاعَتِنَا فِي اتِّبَاعِكَ، وَالْإِقْرَارِ بِنُبُوَّتِكَ، وَقَبُولِ مَا دَعْوَتَهُمْ إِلَيْهِ مِنَ النَّصِيحَةِ، نَظِيرَ مَا أَحْلَلْنَا بِنَظَرَائِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ رُسُلَهَا قَبْلَكُ، وَمُنْجِيكَ وَأَتْبَاعَكَ مِنْ ذَلِكَ سُنَّتَنَا بِمَنْ قَبْلَكَ فِي رُسُلِنَا وَأَوْلِيَائِنَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر: 4] «يُعَزِّي نَبِيَّهُ كَمَا تَسْمَعُونَ»
وَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهَ حَقٌّ﴾ [فاطر: 5] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ، الْمُكَذِّبِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ إِيَّاكُمْ بَأْسَهُ عَلَى إِصْرَارِكُمْ عَلَى الْكُفْرِ بِهِ، وَتَكْذِيبِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتحْذِيرِكُمْ نُزُولَ سَطْوَتِهِ بِكُمْ عَلَى
ذَلِكَ حَقٌّ، فَأَيْقِنُوا بِذَلِكَ، وَبَادِرُوا حُلُولَ عُقُوبَتَكُمْ بِالتَّوْبَةِ وَالْإِنَابَةِ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [لقمان: 33] يَقُولُ: فَلَا يَغُرَّنَّكُمْ مَا أَنْتُمْ فِيهِ مِنَ الْعَيْشِ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا وَرِيَاسَتُكُمُ الَّتِي تَتَرَأَّسُونَ بِهَا فِي ضُعَفَائِكُمْ فِيهَا عَنِ اتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ وَالْإِيمَانِ ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغُرُورُ﴾ [لقمان: 33] يَقُولُ: وَلَا يَخْدَعَنَّكُمْ بِاللَّهِ الشَّيْطَانُ، فَيُمَنِّيكُمُ الْأَمَانِيَّ، وَيَعِدُكُمْ مِنَ اللَّهِ الْعِدَاتَ الْكَاذِبَةَ، وَيَحْمِلُكُمْ عَلَى الْإِصْرَارِ عَلَى كُفْرِكُمْ بِاللَّهِ
كَمَا: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغُرُورُ﴾ [لقمان: 33] يَقُولُ: «الشَّيْطَانُ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: 6] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ﴾ [الأعراف: 22] الَّذِي نَهَيْتُكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ أَنْ تَغْتَرُّوا بِغُرُورِهِ إِيَّاكُمْ بِاللَّهِ ﴿لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: 6] يَقُولُ: فَأَنْزِلُوهُ مِنْ أَنْفُسِكُمْ مَنْزِلَ الْعَدُوِّ مِنْكُمْ، وَاحْذَرُوهُ
بِطَاعَةِ اللَّهِ وَاسْتِغْشَاشِكُمْ إِيَّاهُ، حَذَّرَكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمُ الَّذِي تَخَافُونَ غَائِلَتَهُ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَلَا تُطِيعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِهِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ، يَعْنِي شِيعَتَهُ، وَمَنْ أَطَاعَهُ إِلَى طَاعَتِهِ وَالْقُبُولِ مِنْهُ، وَالْكُفْرِ بِاللَّهِ ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: 6] يَقُولُ: لِيَكُونُوا مِنَ الْمُخَلَّدِينِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ الَّتِي تَتَوَقَّدُ عَلَى أَهْلِهَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: 6] «فَإِنَّهُ لَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ عَدَاوَتُهُ، وَعَدَاوَتُهُ أَنْ يُعَادِيهِ بِطَاعَةِ اللَّهِ» ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ﴾ [فاطر: 6] " وَحِزْبُهُ: أَوْلِيَاؤُهُ " ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: 6] «أَيْ لِيَسُوقَهُمْ إِلَى النَّارِ، فَهَذِهِ عَدَاوَتُهُ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: 6] وَقَالَ: " هَؤُلَاءِ حِزْبُهُ مِنَ الْإِنْسِ، يَقُولُ: أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ، وَالْحِزْبُ: وُلَاتُهُ الَّذِينَ يَتَوَلَّاهُمْ وَيَتَوَلَّوْنَهُ " وَقَرَأَ: ﴿إِنَّ وَلِيِّي اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: 196]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [فاطر: 7] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: 6] بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴿لَهُمْ عَذَابٌ﴾ [آل عمران: 4] مِنَ اللَّهِ ﴿شَدِيدٌ﴾ [البقرة: 165] ، وَذَلِكَ عَذَابُ النَّارِ وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 9] يَقُولُ: وَالَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَعَمِلُوا بِمَا
أَمَرَهُمُ اللَّهُ، وَانْتَهُوا عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [المائدة: 9] مِنَ اللَّهِ لِذُنُوبِهِمْ ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: 11] وَذَلِكَ الْجَنَّةُ
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود: 11] «وَهِيَ الْجَنَّةٌ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: 8] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَفَمِنْ حَسَّنَ لَهُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُ السَّيِّئَةَ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ وَالْكُفْرِ بِهِ، وَعِبَادَةِ مَا دُونَهُ مِنَ الْآلِهَةِ
وَالْأَوْثَانِ، فَرَآهُ حَسَنًا، فَحَسِبَ سَيِّئَ ذَلِكَ حَسَنًا، وَظَنَّ أَنَّ قُبْحَهُ جَمِيلٌ، لِتَزْيِينِ، الشَّيْطَانِ ذَلِكَ لَهُ، ذَهَبَتْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ؛ وَحَذَفَ مِنَ الْكَلَامِ: ذَهَبَتْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ، اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: 8] مِنْهُ
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: 8] يَقُولُ: فَإِنَّ اللَّهَ يَخْذُلُ مَنْ يَشَاءُ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ وَاتِّبَاعِكَ وَتَصْدِيقِكَ، فَيُضِلَّهُ عَنِ الرَّشَادِ إِلَى الْحَقِّ فِي ذَلِكَ، ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [يونس: 25] يَقُولُ: وَيُوَفِّقُ مَنْ يَشَاءُ لِلْإِيمَانِ بِهِ وَاتِّبَاعِكَ، وَالْقُبُولِ مِنْكَ، فَتَهْدِيهِ إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: 8]
يَقُولُ: فَلَا تُهْلِكْ نَفْسَكَ حُزْنًا عَلَى ضَلَالَتِهِمْ وَكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ، وَتَكْذِيبِهِمْ لَكَ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿أَفَمِنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: 8] قَالَ قَتَادَةُ وَالْحَسَنُ: «الشَّيْطَانُ زَيَّنَ لَهُمْ» ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: 8] «لَا يُحْزُنْكَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلَّ مَنْ يَشَاءُ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: 8] قَالَ: " الْحَسَرَاتُ: الْحُزْنُ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ وَوَقَعَ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: 8] مَوْضِعَ الْجَوَّابِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَنْبَعُ الْجَوَّابِ، لِأَنَّ الْجَوَابَ هُوَ الْمَتْرُوكُ الَّذِي ذَكَرْتُ، فَاكْتَفَى بِهِ مِنَ الْجَوَابِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى الْجَوَّابِ وَمَعْنَى الْكَلَامِ
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: 8] فَقَرَأَتْهُ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ سِوَى أَبِي جَعْفَرٍ الْمَدَنِيِّ ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ﴾ [فاطر: 8] بِفَتْحِ التَّاءِ مِنْ ﴿تَذْهَبْ﴾ [فاطر: 8] ، وَنَفْسُكَ بِرَفْعِهَا وَقَرَأَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ: (فَلَا تُذْهِبْ) بِضَمِّ التَّاءِ مِنْ ﴿تَذْهَبْ﴾ [فاطر: 8] ، وَنَفْسُكَ بِنَصْبِهَا، بِمَعْنَى: لَا تُذْهَبْ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ نَفْسَكَ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا مَا عَلَيْهِ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: 8] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ ذُو عِلْمٍ بِمَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ سُوءَ أَعْمَالِهِمْ، وَهُوَ مُحْصِيهِ عَلَيْهِمْ، وَمُجَازِيهِمْ بِهِ جَزَاءَهُمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر: 9] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرَ السَّحَابَ لِلْحَيَا وَالْغَيْثِ ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [فاطر: 9] يَقُولُ: فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مُجْدِبِ الْأَهْلِ، مُحِلِّ الْأَرْضِ،
دَاثِرٍ لَا نَبْتَ فِيهِ وَلَا زَرْعَ ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [فاطر: 9] يَقُولُ: فَأَخْصَبْنَا بِغَيْثِ ذَلِكَ السَّحَابِ الْأَرْضَ الَّتِي سُقْنَاهُ إِلَيْهَا بَعْدَ جُدُوبِهَا، وَأَنْبَتْنَا فِيهَا الزَّرْعَ بَعْدَ الْمَحْلِ ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر: 9] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَكَذَا يَنْشُرُ اللَّهُ الْمَوْتَى بَعْدَ بَلَائِهِمْ فِي قُبُورِهِمْ،
فَيُحْيِيهِمْ بَعْدَ فَنَائِهِمْ، كَمَا أُحْيَيْنَا هَذِهِ الْأَرْضَ بِالْغَيْثِ بَعْدَ مَمَاتِهَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، قَالَ: ثنا أَبُو الزَّعْرَاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: " يَكُونُ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ، فَلَيْسَ مِنْ بَنِي آدَمَ إِلَّا وَفِي الْأَرْضِ مِنْهُ شَيْءٌ قَالَ: فَيُرْسِلُ اللَّهُ مَاءً مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ مَنِيًّا كَمَنِيِّ الرَّجُلِ، فَتُنْبُتْ أَجْسَادُهُمْ وَلَحْمَانُهُمْ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا تُنْبِتُ الْأَرْضَ مِنَ الثَّرَى، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [فاطر: 9] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر: 9] قَالَ: ثُمَّ يَقُومُ مَلَكٌ بِالصُّورِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَيَنْفُخُ فِيهِ، فَتَنْطَلِقُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَى جَسَدِهَا، فَتَدْخُلَ فِيهِ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [فاطر: 9] قَالَ: «يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتَسُوقُ السَّحَابَ، فَأَحْيَا اللَّهُ بِهِ هَذِهِ الْأَرْضَ الْمَيْتَةَ بِهَذَا الْمَاءِ، فَكَذَلِكَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ [فاطر: 10]
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: 10] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ بِعِبَادَةِ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ، فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ [فاطر: 10] يَقُولُ: «مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ بِعِبَادَتِهِ الْآلِهَةَ» ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: 139] وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلْيَتَعَزَّزْ بِطَاعَةِ اللَّهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: 10] يَقُولُ: «فَلْيَتَعَزَّزْ بِطَاعَةِ اللَّهِ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ عِلْمَ الْعِزَّةِ لِمَنْ هِيَ، فَإِنَّهُ لِلَّهِ جَمِيعًا كُلُّهَا: أَيْ كُلُّ وَجْهٍ مِنَ الْعِزَّةِ فَلِلَّهِ وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ، فَبِاللَّهِ فَلْيَتَعَزَّزْ، فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا، دُونَ كُلِّ مَا دُونَهُ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ
وَإِنَّمَا قُلْتُ: ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ، لِأَنَّ الْآيَاتِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ الْآيَةِ، جَرَتْ بِتَقْرِيعِ اللَّهِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى عِبَادَتِهِمُ الْأَوْثَانَ، وَتَوْبِيخِهِ إِيَّاهُمْ، وَوَعِيدِهِ لَهُمْ عَلَيْهَا، فَأَوْلَى بِهَذِهِ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ مِنْ جِنْسِ الْحَثِّ عَلَى فِرَاقِ ذَلِكَ، فَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهَةً بِقِصَّتِهَا، وَكَانَتْ فِي سِيَاقِهَا
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: 10] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِلَى اللَّهِ يَصْعَدُ ذِكْرُ الْعَبْدِ إِيَّاهُ وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10] يَقُولُ: وَيُرْفَعُ ذِكْرُ الْعَبْدِ رَبَّهُ إِلَيْهِ عَمَلَهُ الصَّالِحَ، وَهُوَ الْعَمَلُ بِطَاعَتِهِ، وَأَدَاءِ فَرَائِضِهِ، وَالِانْتِهَاءِ إِلَى مَا أَمَرَ بِهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ