تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 46-50

وَقَوْلُهُ: ﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: 20] يَقُولُ: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَبِصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ، يَصْطَبِغُ بِالزَّيْتِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَهُ

صفحات 46-50
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ، فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الصَّيْحَةَ فَأَخَذَتْهُمْ بِالْحَقِّ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَاقَبَهُمْ بِاسْتِحْقَاقِهِمُ الْعِقَابَ مِنْهُ بِكُفْرِهِمْ بِهِ , وَتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُ.

فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً يَقُولُ: فَصَيَّرْنَاهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْغُثَاءِ، وَهُوَ مَا ارْتَفَعَ عَلَى السَّيْلِ وَنَحْوِهِ، كَمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي شَيْءٍ.
فَإِنَّمَا هَذَا مَثَلٌ، وَالْمَعْنَى: فَأَهْلَكْنَاهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ كَالشَّيْءِ الَّذِي لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: 41] يَقُولُ: «جُعِلُوا كَالشَّيْءِ الْمَيِّتِ الْبَالِي مِنَ الشَّجَرِ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿غُثَاءً﴾ [المؤمنون: 41] «كَالرَّمِيمِ الْهَامِدِ، الَّذِي يَحْتَمِلُ السَّيْلُ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ [المؤمنون: 41] قَالَ: «كَالرَّمِيمِ الْهَامِدِ الَّذِي يَحْتَمِلُ السَّيْلُ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ [المؤمنون: 41] قَالَ: «هُوَ الشَّيْءُ الْبَالِي»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ [المؤمنون: 41] قَالَ: «هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ»

وَقَوْلُهُ: ﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: 41] يَقُولُ: فَأَبْعَدَ اللَّهُ الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ بِهَلَاكِهِمْ، إِذْ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ , وَعَصَوْا رُسُلَهُ , وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " أُولَئِكَ ثَمُودُ، يَعْنِي قَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: 41] "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [المؤمنون: 43] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثُمَّ أَحْدَثْنَا مِنْ بَعْدِ هَلَاكِ ثَمُودَ قَوْمًا آخَرِينَ

وَقَوْلُهُ: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾ [الحجر: 5] يَقُولُ: مَا يَتَقَدَّمُ هَلَاكُ أُمَّةٍ مِنْ تِلْكَ الْأُمَمِ الَّتِي أَنْشَأْنَاهَا بَعْدَ ثَمُودَ قَبْلَ الْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلْنَا لِهَلَاكِهَا، وَلَا يَسْتَأْخِرُ هَلَاكُهَا عَنِ الْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلْنَا لِهَلَاكِهَا , وَالْوَقْتِ الَّذِي وَقَّتْنَا لِفَنَائِهَا؛ وَلَكِنَّهَا تَهْلِكُ لِمَجِيئِهِ.
وَهَذَا وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لِمُشْرِكِي قَوْمِ نَبِيِّنَا

مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِعْلَامٌ مِنْهُ لَهُمْ أَنَّ تَأْخِيرَهُ فِي آجَالِهِمْ

مَعَ كُفْرِهِمْ بِهِ , وَتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُ، لِيَبْلُغُوا الْأَجَلَ الَّذِي أَجَّلَ لَهُمْ , فَيُحِلُّ بِهِمْ نِقْمَتَهُ، كَسُنَّتِهِ فِيمَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثُمَّ أَرْسَلْنَا إِلَى الْأُمَمِ الَّتِي أَنْشَأْنَا بَعْدَ ثَمُودَ رُسُلَنَا تَتْرَى يَعْنِي: يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَبَعْضُهَا فِي أَثَرِ بَعْضٍ.
وَهِيَ مِنَ

الْمُوَاتَرَةِ، وَهِيَ اسْمٌ لِجَمْعٍ , مِثْلُ (شَيْءٍ) ، لَا يُقَالُ: جَاءَنِي فُلَانٌ تَتْرَى، كَمَا لَا يُقَالُ: جَاءَنِي فُلَانٌ مُوَاتَرَةً، وَهِيَ تُنَوَّنُ وَلَا تُنَوَّنُ، وَفِيهَا الْيَاءُ، فَمَنْ لَمْ يُنَوِّنْهَا فَعْلَى , مِنْ وَتَرْتُ، وَمَنْ قَالَ (تَتْرَا) يُوهِمُ أَنَّ الْيَاءَ أَصْلِيَّةٌ , كَمَا قِيلَ: مِعْزًى بِالْيَاءِ، وَمَعْزَا وَبُهْمَى بِهِمَا , وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَأُجْرِيَتْ أَحْيَانًا , وَتُرِكَ إِجْرَاؤُهَا أَحْيَانًا، فَمَنْ جَعَلَهَا (فَعْلَى) وَقَفَ عَلَيْهَا، أَشَارَ إِلَى الْكَسْرِ، وَمَنْ جَعَلَهَا أَلِفَ إِعْرَابٍ لَمْ يُشِرْ، لِأَنَّ أَلِفَ الْإِعْرَابِ لَا تُكْسَرُ، لَا يُقَالُ: رَأَيْتُ زَيْدًا، فَيُشَارُ فِيهِ إِلَى الْكَسْرِوَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثنا مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،

قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ يَقُولُ: «يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُمَّ أَرُسُلَنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ يَقُولُ: «بَعْضُهَا عَلَى أَثَرِ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿تَتْرَى﴾ قَالَ: «اتِّبَاعُ بَعْضِهَا بَعْضًا»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿ثُمَّ أَرُسُلَنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ قَالَ: يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ، ﴿ثُمَّ أَرُسُلَنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ قَالَ: «بَعْضُهُمْ عَلَى أَثَرِ بَعْضٍ، يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» وَاخْتَلَفَتْ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ أَهْلِ مَكَّةَ وَبَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ: (تَتْرًى) بِالتَّنْوِينِ.

وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ , وَبَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ , وَعَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ يَقْرَءُونَهُ: ﴿تَتْرَى﴾ بِإِرْسَالِ الْيَاءِ عَلَى مِثَالِ (فَعْلَى) . وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ، وَلُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ؛ غَيْرَ أَنِّي مَعَ ذَلِكَ أَخْتَارُ الْقِرَاءَةَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، لِأَنَّهُ أَفْصَحُ اللُّغَتَيْنِ وَأَشْهَرُهُمَا

وَقَوْلُهُ: ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ [المؤمنون: 44] يَقُولُ: كُلَّمَا جَاءَ أُمَّةً مِنْ تِلْكِ الْأُمَمِ الَّتِي أَنْشَأْنَاهَا بَعْدَ ثَمُودَ رَسُولُهَا الَّذِي نُرْسِلُهُ إِلَيْهِمْ، كَذَّبُوهُ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا

جارٍ التحميل