تفسير الطبري = جامع البيانسُورَةُ الْإِنْسَانِ

سُورَةُ الْإِنْسَانِ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

مَكِّيَّةٌ وَآيَاتُهَا إِحْدَى وَثَلَاثُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان: 2] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: 1] قَدْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ؛ وَهَلْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ خَبَرُ لَا جَحْدٍ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ لِآخَرَ

يُقَرِّرُهُ: هَلْ أَكْرَمْتُكَ؟ وَقَدْ أَكْرَمَهُ؛ أَوْ هَلْ زُرْتُكَ؟ وَقَدْ زَارَهُ؛ وَقَدْ تَكُونُ جَحْدًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ لِآخَرَ: هَلْ يَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا أَحَدٌ؟ بِمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ أَحَدٌ.
وَالْإِنْسَانُ الَّذِي قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: 1] هُوَ آدَمُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

كَذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: 1] آدَمُ أَتَى عَلَيْهِ ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: 1] إِنَّمَا خُلِقَ الْإِنْسَانُ هَاهُنَا حَدِيثًا؛ مَا يَعْلَمُ مِنْ خَلِيقَةِ اللَّهِ خَلِيقَةٌ كَانَتْ بَعْدَ الْإِنْسَانِ

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: 1] قَالَ: كَانَ آدَمُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخِرَ مَا خُلِقَ مِنَ الْخَلْقِ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: 1] قَالَ: آدَمُ

وَقَوْلُهُ: ﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: 1] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي قَدْرِ هَذَا الْحِينِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَرْبَعُونَ سَنَةً؛ وَقَالُوا: مَكَثَتْ طِينَةُ آدَمَ مُصَوَّرَةً لَا تُنْفَخُ فِيهَا الرُّوحُ أَرْبَعِينَ عَامًا، فَذَلِكَ قَدْرُ الْحِينِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ؛ قَالُوا: وَلِذَلِكَ قِيلَ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: 1] لِأَنَّهُ أَتَى عَلَيْهِ وَهُوَ جِسْمٌ مُصَوَّرٌ لَمْ تَنْفُخْ فِيهِ الرُّوحُ أَرْبَعُونَ عَامًا، فَكَانَ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا.

قَالُوا: وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: 1] لَمْ يَكُنْ شَيْئًا لَهُ نَبَاهَةٌ وَلَا رِفْعَةٌ، وَلَا شَرَفٌ، إِنَّمَا كَانَ طِينًا لَازِبًا وَحَمَأً مَسْنُونًا وَقَالَ آخَرُونَ: لَا حَدَّ لِلْحِينِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَدْ يَدْخُلُ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ، وَغَيْرُ مَفْهُومٍ فِي الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ:

أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ قَبْلَ أَنْ يُوجَدَ، وَقَبْلَ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا، وَإِذَا أُرِيدَ ذَلِكَ قِيلَ: أَتَى حِينٌ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ، وَلَمْ يَقُلْ أَتَى عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الدَّهْرُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَلَا حَدَّ لَهُ يُوقَفُ عَلَيْهِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان: 2] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّا خَلَقْنَا ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ نُطْفَةٍ، يَعْنِي: مِنْ مَاءِ الرَّجُلِ وَمَاءِ الْمَرْأَةِ، وَالنُّطْفَةُ: كُلُّ مَاءٍ قَلِيلٍ فِي وِعَاءٍ كَانَ ذَلِكَ رَكِيَّةً أَوْ قِرْبَةً، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: [البحر الرجز] هَلْ أَنْتِ إِلَّا نُطْفَةٌ فِي شَنَّهْ

وَقَوْلُهُ: ﴿أَمْشَاجٍ﴾ [الإنسان: 2] يَعْنِي: أَخْلَاطٌ، وَاحِدُهَا: مَشَجٌ وَمَشِيجٌ، مِثْلُ خَدَنٍ وَخَدِينٍ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ: [البحر الرجز] يَطْرَحْنَ كُلَّ مُعْجَلٍ نَشَّاجِ ... لَمْ يُكْسَ جِلْدًا فِي دَمٍ أَمْشَاجِ يُقَالُ مِنْهُ: مَشَجْتُ هَذَا بِهَذَا: إِذَا خَلَطْتُهُ بِهِ، وَهُوَ مَمْشُوجٌ بِهِ وَمَشِيجٌ: أَيْ مَخْلوطٌ بِهِ، كَمَا قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ: [البحر الوافر] كَأَنَّ الرِّيشَ وَالْفُوقَيْنِ مِنْهُ ... خِلَالَ النَّصْلِ سِيطَ بِهِ مَشِيجُ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْأَمْشَاجِ الَّذِي عَنَى بِهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ اخْتِلَاطُ مَاءِ الرَّجُلِ بِمَاءِ الْمَرْأَةِ.

جارٍ التحميل