تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 613-623

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج: 53] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِنَّ مُشْرِكِي قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ لَفِي خِلَافِ اللَّهِ فِي أَمْرِهِ، بَعِيدٍ مِنَ الْحَقِّ

صفحات 613-623
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكِ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: 54] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكَيْ يَعْلَمَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِاللَّهِ أَنَّ الَّذِيَ أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنْ آيَاتِهِ الَّتِي أَحْكَمَهَا لِرَسُولِهِ وَنَسَخَ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِيهِ،

أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ [الحج: 54] يَقُولُ: فَيُصَدِّقُوا بِهِ.
﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: 54] يَقُولُ: فَتَخْضَعَ لِلْقُرْآنِ قُلُوبُهُمْ، وَتُذْعِنَ بِالتَّصْدِيقِ بِهِ , وَالْإِقْرَارِ بِمَا فِيهِ.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: 54] وَإِنَّ اللَّهَ لَمُرْشِدُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الْحَقِّ الْقَاصِدِ , وَالْحَقِّ الْوَاضِحِ، بِنَسْخِ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّةِ رَسُولِهِ، فَلَا يَضُرُّهُمْ كَيَدُ الشَّيْطَانِ وَإِلْقَاؤُهُ الْبَاطِلَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْوَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكِ﴾ [الحج: 54] قَالَ: «يَعْنِي الْقُرْآنَ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: 55] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ فِي شَكٍّ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْهَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْهُ﴾ [البقرة: 60] مِنْ ذِكْرِ مَا هِيَ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ مِنْ ذِكْرِ قَوْلِ

النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى، وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى»

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: " ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ [الحج: 55] مِنْ قَوْلِهِ: «تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى، وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ تُرْتَجَى»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ [الحج: 55] قَالَ: «مِمَّا جَاءَ بِهِ إِبْلِيسُ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُلُوبِهِمْ زَادَهُمْ ضَلَالَةً» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هِيَ مِنْ ذِكْرِ سُجُودِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّجْمِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، قَالَ: ثنا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ

سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ [الحج: 55] قَالَ: «فِي مِرْيَةٍ مِنْ سُجُودِكَ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هِيَ مِنْ ذِكْرِ الْقُرْآنِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ [الحج: 55] قَالَ: «مِنَ الْقُرْآنِ» وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالُ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: هِيَ كِنَايَةٌ مِنْ ذِكْرِ الْقُرْآنِ الَّذِي أَحْكَمَ اللَّهُ آيَاتِهِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ ذِكْرِ قَوْلُهُ: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الحج: 54] أَقْرَبُ مِنْهُ مِنْ ذِكْرِ قَوْلُهُ: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج: 52] وَالْهَاءُ مِنْ قَوْلِهِ ﴿أَنَّهُ﴾ [الحج: 54] مِنْ ذِكْرِ الْقُرْآنِ، فَإِلْحَاقُ الْهَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ [هود: 17] بِالْهَاءِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الحج: 54] أَوْلَى مِنْ إِلْحَاقِهَا بِـ (مَا) الَّتِي فِي قَوْلِهِ ﴿مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج: 52] مَعَ بُعْدِ مَا بَيْنَهُمَا

وَقَوْلُهُ: ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾ [الحج: 55] يَقُولُ: لَا يَزَالُ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ فِي شَكٍّ مِنْ أَمْرِ هَذَا الْقُرْآنِ إِلَى أَنْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ ﴿بَغْتَةً﴾ [الأنعام: 31] وَهِيَ سَاعَةُ حَشْرِ النَّاسِ لِمَوْقِفِ الْحِسَابِ بَغْتَةً، يَقُولُ: فَجْأَةً.
﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: 55] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي هَذَا الْيَوْمِ , أَيُّ يَوْمٍ هُوَ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: ثنا شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ مِنَ الْأَزْدِ يُكْنَى أَبَا سَاسَانَ قَالَ: سَأَلْتُ الضَّحَّاكَ، عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: 55] قَالَ: «عَذَابُ يَوْمٍ لَا لَيْلَةَ بَعْدَهُ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثنا أَبُو تُمَيْلَةَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ «أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا لَيْلَةَ لَهُ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عُنِيَ بِهِ يَوْمُ بَدْرٍ.
وَقَالُوا: إِنَّمَا قِيلَ لَهُ يَوْمٌ عَقِيمٌ، أَنَّهُمْ لَمْ يُنْظَرُوا إِلَى اللَّيْلِ، فَكَانَ لَهُمْ عَقِيمًا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: 55] «يَوْمُ بَدْرٍ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: 55] قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: " يَوْمٌ لَيْسَ فِيهِ لَيْلَةٌ، لَمْ يُنْظَرُوا إِلَى اللَّيْلِ.

قَالَ مُجَاهِدٌ: عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ "

قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثنا أَبُو تُمَيْلَةَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ: «يَوْمُ بَدْرٍ»

حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: 55] قَالَ: «يَوْمُ بَدْرٍ»

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: 55] قَالَ: هُوَ «يَوْمُ بَدْرٍ» ذَكَرَهُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: 55] قَالَ: " هُوَ يَوْمُ بَدْرٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِأَنْ يُقَالَ: لَا يَزَالُونَ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً، أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ؛ وَذَلِكَ أَنَّ السَّاعَةَ هِيَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، فَإِنْ كَانَ الْيَوْمُ الْعَقِيمُ أَيْضًا هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ مَا قُلْنَا مِنْ تَكْرِيرِ ذِكْرِ السَّاعَةِ مَرَّتَيْنِ بِاخْتِلَافِ الْأَلْفَاظِ، وَذَلِكَ مَا لَا مَعْنَى لَهُ.
فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِهِ أَصَحُّهُمَا مَعْنًى , وَأَشْبَهُهُمَا بِالْمَعْرُوفِ فِي الْخِطَابِ، وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا فِي

مَعْنَاهُ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ، حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً فَيَصِيرُوا إِلَى الْعَذَابِ الْعَقِيمِ، أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ لَهُ , فَلَا يُنْظَرُوا فِيهِ إِلَى اللَّيْلِ , وَلَا يُؤَخَّرُوا فِيهِ إِلَى الْمَسَاءِ، لَكِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ قَبْلَ الْمَسَاءِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [الحج: 57] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: السُّلْطَانُ وَالْمُلْكُ إِذَا جَاءَتِ السَّاعَةُ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ , وَلَا يُنَازِعُهُ يَوْمَئِذٍ مُنَازِعٌ، وَقَدْ كَانَ فِي

الدُّنْيَا مُلُوكٌ يُدْعَوْنَ بِهَذَا الِاسْمِ , وَلَا أَحَدَ يَوْمَئِذٍ يُدْعَى مَلِكًا سِوَاهُ.
﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: 113] يَقُولُ: يَفْصِلُ بَيْنَ خَلْقِهِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ.
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأعراف: 157] بِهَذَا الْقُرْآنِ، وَبِمَنْ أَنْزَلَهُ، وَمَنْ جَاءَ بِهِ، وَعَمِلُوا بِمَا فِيهِ مِنْ حَلَالِهِ , وَحَرَامِهِ , وَحُدُودِهِ وَفَرَائِضِهِ ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: 9] يَوْمَئِذٍ.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: 39] بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ﴿وَكَذَّبُوا﴾ [البقرة: 39] بِآيَاتِ كِتَابِهِ وَتَنْزِيلِهِ، وَقَالُوا: لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، إِنَّمَا هُوَ إِفْكٌ افْتَرَاهُ مُحَمَّدٌ , وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [الحج: 57] . يَقُولُ: فَالَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهُمْ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابٌ مُهِينٌ، يَعْنِي عَذَابٌ مُذِلٌّ فِي جَهَنَّمَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الحج: 58] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَالَّذِينَ فَارَقُوا أَوْطَانَهُمْ وَعَشَائِرَهُمْ فَتَرَكُوا ذَلِكَ فِي

رِضَا اللَّهِ وَطَاعَتِهِ , وَجِهَادِ أَعْدَائِهِ , ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا وَهُمْ كَذَلِكَ، ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ﴾ [الحج: 58] يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي جَنَّاتِهِ ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ [هود: 88] يَعْنِي بِالْحَسَنِ: الْكَرِيمَ؛ وَإِنَّمَا يَعْنِي بِالرِّزْقِ الْحَسَنِ: الثَّوَابَ الْجَزِيلَ.
وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ مَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَوَاءٌ الْمَقْتُولُ مِنْهُمْ وَالْمَيِّتُ، وَقَالَ آخَرُونَ: الْمَقْتُولُ أَفْضَلُ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُعَلِّمُهُمُ اسْتِوَاءَ أَمْرِ الْمَيِّتِ فِي سَبِيلِهِ , وَالْمَقْتُولِ فِيهَا فِي الثَّوَابِ عِنْدَهُ

وَقَدْ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ، عَنْ سَلَامَانَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: كَانَ فَضَالَةُ بِرُودِسَ أَمِيرًا عَلَى الْأَرْبَاعِ، فَخَرَجَ بِجِنَازَتَيْ رَجُلَيْنِ، أَحَدُهُمَا قَتِيلٌ , وَالْآخَرُ مُتَوَفًّى؛ فَرَأَى مِيلَ النَّاسِ مَعَ جَنَازَةِ الْقَتِيلِ إِلَى حُفْرَتِهِ، فَقَالَ: " أَرَاكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ تَمِيلُونَ مَعَ الْقَتِيلِ , وَتُفَضِّلُونَهُ عَلَى أَخِيهِ الْمُتَوَفَّى؟ فَقَالُوا: هَذَا الْقَتِيلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
فَقَالَ: فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُبَالِي مِنْ أَيِّ حُفْرَتَيْهِمَا بُعِثْتُ اقْرَءُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ [الحج: 58] . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لعليمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج: 59] يَقُولُ: وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ مَنْ بَسَطَ فَضْلَهُ عَلَى أَهْلِ طَاعَتِهِ وَأَكْرَمَهُمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج: 59] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَيُدْخِلَنَّ اللَّهُ الْمَقْتُولَ فِي سَبِيلِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْمَيِّتَ مِنْهُمْ ﴿مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ [الحج: 59] وَذَلِكَ الْمُدْخَلُ هُوَ الْجَنَّةُ.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ﴾ [الحج: 59] بِمَنْ يُهَاجِرُ فِي سَبِيلِهِ مِمَّنْ يَخْرُجُ مِنْ دَارِهِ طَلَبَ الْغَنِيمَةِ أَوْ عَرَضٍ مِنْ عُرُوضِ الدُّنْيَا.
﴿حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 225] عَنْ عُصَاةِ خَلْقِهِ، بِتَرْكِهِ مُعَاجَلَتَهُمْ بِالْعُقُوبَةِ وَالْعَذَابِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج: 60] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ [البقرة: 2] لِهَذَا , لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا، وَلَهُمْ مَعَ ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ اللَّهَ يَعِدُهُمُ النَّصْرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ بَغَوْا

عَلَيْهِمْ فَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ

كَمَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ [الحج: 60] قَالَ: «هُمُ الْمُشْرِكُونَ بَغَوْا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَعَدَهُ اللَّهُ أَنْ يَنْصُرَهُ، وَقَالَا فِي الْقِصَاصِ أَيْضًا» وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَزْعُمُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَقُوا قَوْمًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَكْرَهُونَ الْقِتَالَ يَوْمَئِذٍ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، فَسَأَلَ الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يَكُفُّوا عَنْ قِتَالِهِمْ مِنْ أَجْلِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ، فَأَبَى الْمُشْرِكُونَ ذَلِكَ، وَقَاتَلُوهُمْ فَبَغَوْا عَلَيْهِمْ، وَثَبَتَ الْمُسْلِمُونَ لَهُمْ , فَنُصِرُوا عَلَيْهِمْ،

فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ [الحج: 60] بِأَنْ بُدِئَ بِالْقِتَالِ وَهُوَ لَهُ كَارِهٌ، ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج: 60]

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج: 60] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَذُو عَفْو , وَصَفْحٍ لِمَنِ انْتَصَرَ مِمَّنْ ظَلَمَهُ مِنْ بَعْدِ مَا ظَلَمَهُ الظَّالِمُ بِحَقٍّ، غَفُورٌ لِمَا فَعَلَ بِبَادِئِهِ بِالظُّلْمِ مِثْلَ الَّذِي فَعَلَ بِهِ , غَيْرُ مُعَاقِبِهِ عَلَيْهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحج: 61] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ [البقرة: 2] هَذَا النَّصْرُ الَّذِي أَنْصُرُهُ عَلَى مَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ عَلَى الْبَاغِي، لِأَنِّي الْقَادِرُ عَلَى مَا أَشَاءُ.
فَمِنْ قُدْرَتِهِ أَنَّ اللَّهَ ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ [الحج: 61] يَقُولُ: يُدْخِلُ مَا يَنْقُصُ مِنْ

سَاعَاتِ اللَّيْلِ فِي سَاعَاتِ النَّهَارِ، فَمَا نَقَصَ مِنْ هَذَا زَادَ فِي هَذَا ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [الحج: 61] وَيُدْخِلُ مَا انْتَقَصَ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ، فَمَا نَقَصَ مِنْ طُولِ هَذَا زَادَ فِي طُولِ هَذَا، وَبِالْقُدْرَةِ الَّتِي يَفْعَلُ ذَلِكَ يَنْصُرُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ عَلَى الَّذِينَ بَغَوْا عَلَيْهِمْ , فَأَخْرَجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ.
يَقُولُ: وَفَعَلَ ذَلِكَ أَيْضًا بِأَنَّهُ ذُو سَمْعٍ لِمَا يَقُولُونَ مِنْ قَوْلٍ , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ، بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ، لَا يَغِيبُ عَنْهُ مِنْهُ شَيْءٌ، كُلُّ ذَلِكَ مَعَهُ بِمَرْأًى وَمَسْمَعٍ، وَهُوَ الْحَافِظُ لِكُلِّ ذَلِكَ، حَتَّى يُجَازِي جَمِيعَهُمْ عَلَى مَا قَالُوا وَعَمِلُوا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍجَزَاءَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: 62]

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ﴾ [البقرة: 2] هَذَا الْفِعْلَ الَّذِي فَعَلْتُ مِنْ إِيلَاجِي اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ , وَإِيلَاجِي النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ؛ لِأَنِّي أَنَا الْحَقُّ الَّذِي لَا مِثْلَ لِي , وَلَا شَرِيكَ , وَلَا نِدَّ، وَأَنَّ الَّذِي يَدْعُوهُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ إِلَهًا مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى صَنْعَةِ شَيْءٍ، بَلْ هُوَ الْمَصْنُوعُ , يَقُولُ لَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَفَتَتْرُكُونَ أَيُّهَا الْجُهَّالُ عِبَادَةَ مَنْ مِنْهُ النَّفْعُ , وَبِيَدِهِ الضُّرُّ , وَهُوَ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ , وَكُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ، وَتَعْبُدُونَ الْبَاطِلَ الَّذِي لَا تَنْفَعُكُمْ عِبَادَتُهُ.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: 62] يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿الْعَلِيُّ﴾ [البقرة: 255] ذُو الْعُلُوِّ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، هُوَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ , وَكُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ ﴿الْكَبِيرُ﴾ [الرعد: 9] يَعْنِي الْعَظِيمَ، الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ , وَلَا شَيْءَ أَعْظَمُ مِنْهُ

وَكَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: 62]

مَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: 62] قَالَ: «الشَّيْطَانُ» وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الحج: 62] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ: (تَدْعُونَ) بِالتَّاءِ عَلَى وَجْهِ الْخَطَّابِ؛ وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْعِرَاقِ غَيْرَ عَاصِمٍ بِالْيَاءِ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ، وَالْيَاءُ أَعْجَبُ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ، لِأَنَّ

ابْتِدَاءَ الْخَبَرِ عَلَى وَجْهِ الْخَطَّابِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [الحج: 63] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ [البقرة: 243] يَا مُحَمَّدُ ﴿أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الحج: 63] يَعْنِي مَطَرًا، ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: 63] بِمَا يَنْبُتُ فِيهَا مِنَ النَّبَاتِ.
قَالَ: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ﴾ [الحج: 63] فَرَفَعَ، وَقَدْ تَقَدَّمَهُ قَوْلُهُ:

﴿أَلَمْ تَرَ﴾ [البقرة: 243] وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ الْخَبَرُ، كَأَنَّهُ قِيلَ: اعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ اللَّهَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ؛ وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [البحر الطويل] أَلَمْ تَسْأَلِ الرَّبْعَ الْقَدِيمَ فَيَنْطِقُ؟ ... وَهَلْ تُخْبِرَنْكَ الْيَوْمَ بَيْدَاءُ سَمْلَقُ؟ لِأَنَّ مَعْنَاهُ: قَدْ سَأَلْتُهُ فَنَطَقَ.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ [الحج: 63] بِاسْتِخْرَاجِ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ بِذَلِكَ الْمَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ ابْتِدَاعِ مَا شَاءَ أَنْ يَبْتَدِعَهُ.
﴿خَبِيرٌ﴾ [البقرة: 234] بِمَا يَحْدُثُ عَنْ ذَلِكَ النَّبْتِ مِنَ الْحَبِّ وَبِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَهُ مُلْكُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ , هُمْ

عَبِيدُهُ وَمَمَالِيكُهُ وَخَلْقُهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْهُ، وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ خَلْقِهِ , وَهُمُ الْمُحْتَاجُونَ إِلَيْهِ، الْحَمِيدُ عِنْدَ عِبَادِهِ فِي إِفْضَالِهِ عَلَيْهِمْ , وَأَيَادِيهِ عِنْدَهُمْ

جارٍ التحميل