وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7] يَقُولُ: وَيُقَوِّكُمْ عَلَيْهِمْ، وَيُجَرِّئْكُمْ، حَتَّى لَا تُوَلُّوا عَنْهُمْ، وَإِنْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ، وَقَلَّ عَدَدُكُمْ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: 9] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: 39] بِاللَّهِ، فَجَحَدُوا تَوْحِيدَهُ ﴿فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ [محمد: 8] يَقُولُ: فَخِزْيًا لَهُمْ وَشَقَاءً وَبَلَاءً
كَمَا: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ [محمد: 8] قَالَ: «شَقَاءً لَهُمْ»
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: 8] يَقُولُ وَجَعَلَ أَعْمَالَهُمْ مَعْمُولَةً عَلَى غَيْرِ
هُدًى وَلَا اسْتِقَامَةٍ، لِأَنَّهَا عُمِلَتْ فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ، لَا فِي طَاعَةِ الرَّحْمَنِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: 8] قَالَ: " الضَّلَالَةُ الَّتِي أَضَلَّهُمُ اللَّهُ لَمْ يَهْدِهِمْ كَمَا هَدَى الْآخَرِينَ، فَإِنَّ الضَّلَالَةَ الَّتِي أَخْبَرَكَ اللَّهُ: يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ " قَالَ: «وَهَؤُلَاءِ مِمَّنْ جَعَلَ عَمَلَهُ ضَلَالًا» وَرَدَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: 8] عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ [محمد: 8] وَهُوَ فِعْلٌ مَاضٍ، وَالتَّعْسُ اسْمٌ، لِأَنَّ التَّعْسَ وَإِنْ كَانَ اسْمًا فَفِي مَعْنَى الْفِعْلِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى الدُّعَاءِ، فَهُوَ بِمَعْنَى: أَتْعَسَهُمُ اللَّهُ، فَلِذَلِكَ صَلُحَ رَدُّ أَضَلَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الدُّعَاءَ يَجْرِي مَجْرَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد: 4] مَرْدُودَةٌ عَلَى أَمْرٍ مُضْمَرٍ نَاصِبٍ لِضَرْبَ
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [محمد: 9] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَذَا الَّذِي فَعَلْنَا بِهِمْ مِنَ الْإِتْعَاسِ وَإِضْلَالِ الْأَعْمَالِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ كَرِهُوا كِتَابَنَا الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَخِطُوهُ، فَكَذَّبُوا بِهِ، وَقَالُوا: هُوَ سِحْرٌ مُبِينٌ
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: 9] يَقُولُ: فَأَبْطَلَ أَعْمَالَهُمُ الَّتِي عَمِلُوهَا فِي الدُّنْيَا، وَذَلِكَ عِبَادَتُهُمُ الْآلِهَةَ، لَمْ يَنْفَعْهُمُ اللَّهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، بَلْ أَوْبَقَهُمْ بِهَا، فَأَصْلَاهُمْ سَعِيرًا، وَهَذَا حُكْمُ اللَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ فِي جَمِيعِ مَنْ كَفَرَ بِهِ مِنْ
أَجْنَاسِ الْأُمَمِ، كَمَا قَالَ قَتَادَةُ
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ [محمد: 8] قَالَ: «هِيَ عَامَّةٌ لِلْكُفَّارِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: 10] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَفَلَمْ يَسِرْ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُنْكِرُو مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ فِي الْأَرْضِ سَفَرًا، وَإِنَّمَا هَذَا تَوْبِيخٌ مِنَ
اللَّهِ لَهُمْ، لِأَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا يُسَافِرُونَ إِلَى الشَّامِ، فَيَرَوْنَ نِقْمَةَ اللَّهِ الَّتِي أَحَلَّهَا بِأَهْلِ حِجْرِ ثَمُودَ، وَيَرَوْنَ فِي سَفَرِهِمْ إِلَى الْيَمَنِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ بِسَبَأَ، فَقَالَ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَلِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ: أَفَلَمْ يَسِرْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ سَفَرًا فِي الْبِلَادِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ تَكْذِيبِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ رُسُلَهَا الرَّادَّةِ نَصَائِحَهَا أَلَمْ نُهْلِكْهَا فَنُدَمِّرْ عَلَيْهَا مَنَازِلَهَا وَنُخَرِّبْهَا، فَيَتَّعِظُوا بِذَلِكَ، وَيَحْذَرُوا أَنْ يَفْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِمْ فِي تَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُ، فَيُنِيبُوا إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ فِي تَصْدِيقِكَ، ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَأَخْبَرَهُمْ إِنْ هُمْ أَقَامُوا عَلَى تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُ، أَنَّهُ مُحِلٌّ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ مَا أَحَلَّ بِالَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ، فَقَالَ: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: 10] يَقُولُ: وَلِلْكَافِرِينَ مِنْ قُرَيْشٍ الْمُكَذِّبِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْعَذَابِ الْعَاجِلِ أَمْثَالُ عَاقِبَةِ تَكْذِيبِ الْأُمَمِ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ رُسُلَهُمْ عَلَى تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد: 10] قَالَ: «مِثْلُ مَا دَمَّرْتُ بِهِ الْقُرُونَ الْأُولَى وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ [محمد: 12] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَذَا الْفِعْلُ الَّذِي فَعَلْنَا
بِهَذَيْنِ الْفَرِيقَيْنِ: فَرِيقِ الْإِيمَانِ، وَفَرِيقِ الْكُفْرِ، مِنْ نُصْرَتِنَا فَرِيقَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَتَثْبِيتِنَا أَقْدَامَهُمْ، وَتَدْمِيرِنَا عَلَى فَرِيقِ الْكُفْرِ ﴿بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد: 11] يَقُولُ: مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ وَلِي مَنْ آمَنَ بِهِ، وَأَطَاعَ رَسُولَهُ
كَمَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد: 11] قَالَ: «وَلِيُّهُمْ» وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ «وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ وَلِي الَّذِينَ آمَنُوا»
وَأَنَّ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ الَّتِي هِيَ فِي مَصَاحِفِنَا ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [المائدة: 55] «إِنَّمَا مَوْلَاكُمُ اللَّهُ» فِي قِرَاءَتِهِ