سُورَةُ هُودٍ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، قَالَ: ثَنِي أَيُّوبُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَلَا يَهُودِيُّ وَلَا نَصْرَانِيُّ فَلَا يُؤْمِنُ بِي إِلَّا دَخَلَ النَّارَ» فَجَعَلْتُ أَقُولُ: أَيْنَ مِصْدَاقُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: وَقَلَّمَا سَمِعْتُ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا
وَجَدْتُ لَهُ تَصْدِيقًا فِي الْقُرْآنِ، حَتَّى وَجَدْتُ هَذِهِ الْآيَاتِ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: 17] الْمِلَلِ كُلِّهَا "
قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: 17] قَالَ: الْكُفَّارُ أَحْزَابٌ كُلُّهُمْ عَلَى الْكُفْرِ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ [الرعد: 36] أَيْ يَكْفُرْ بِبَعْضِهِ، وَهُمُ الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى.
قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانَ يَقُولُ: «لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَا يَهُودِيُّ وَلَا نَصْرَانِيُّ، ثُمَّ يَمُوتُ قَبْلَ أَنْ يُؤْمِنَ بِي، إِلَّا دَخَلَ النَّارَ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا يُوسُفُ بْنُ عَدِيٍّ النَّضْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ سَمِعَ بِيَ مِنْ أُمَّتِي أَوْ يَهُودِيُّ أَوْ نَصْرَانِيُّ، فَلَمْ يُؤْمِنْ بِي لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: 18] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ تَعْذِيبًا مِمَّنِ اخْتَلَقَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَكَذَبَ عَلَيْهِ أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ، وَيَقُولُ
الْأَشْهَادُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَكْذِبُونَ عَلَى رَبِّهِمْ يُعْرَضُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَبِّهِمْ، فَيَسْأَلُهُمْ عَمَّا كَانُوا فِي دَارِ الدُّنْيَا يَعْمَلُونَ.
كَمَا
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: 21] قَالَ: الْكَافِرِ وَالْمُنَافِقِ ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: 18] فَيَسْأَلُهُمْ عَنْ أَعْمَالِهِمْ " وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾ [هود: 18] يَعْنِي الْمَلَائِكَةَ وَالْأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ شَهِدُوهُمْ وَحَفِظُوا عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وَهُمْ جَمْعُ شَاهِدٍ، مِثْلُ الْأَصْحَابِ الَّذِي هُوَ جَمْعُ صَاحِبٍ؛ ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: 18] يَقُولُ: شَهِدَ هَؤُلَاءِ الْأَشْهَادُ فِي الْآخِرَةِ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّهِ فِي الدُّنْيَا، فَيَقُولُونَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا
فِي الدُّنْيَا عَلَى رَبِّهِمْ.
يَقُولُ اللَّهُ: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: 18] يَقُولُ: أَلَا غَضَبُ اللَّهِ عَلَى الْمُعْتَدِينَ.
الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي قَوْلِهِ ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾ [هود: 18] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا نُمَيْرُ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾ [هود: 18] قَالَ: الْمَلَائِكَةُ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «الْمَلَائِكَةُ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾ [هود: 18] وَالْأَشْهَادُ: الْمَلَائِكَةُ، يَشْهَدُونَ عَلَى بَنِي آدَمَ بِأَعْمَالِهِمْ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿الْأَشْهَادُ﴾ [هود: 18] قَالَ: الْخَلَائِقُ، أَوْ قَالَ: الْمَلَائِكَةُ " حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، بِنَحْوِهِ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: " ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾ [هود: 18] الَّذِينَ كَانَ يَحْفَظُونَ أَعْمَالَهُمْ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: 18] حَفِظُوهُ وَشَهِدُوا بِهِ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَشْهَادُ: الْمَلَائِكَةُ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، قَالَ: " سَأَلْتُ الْأَعْمَشَ، عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾ [هود: 18] قَالَ: الْمَلَائِكَةُ "
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: ثَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾ [هود: 18] يَعْنِي الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النحل: 89] قَالَ: وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: 18] يَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ فَكَذَّبُوا، فَنَحْنُ نَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَنَّهُمْ كَذَبُوا عَلَيْكَ يَا رَبَّنَا "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، وَهِشَامٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ الْمَازِنِيِّ، قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ بِالْبَيْتِ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَهُوَ يَطُوفُ، إِذْ عَرَضَ لَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا ابْنَ عُمَرَ مَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي النَّجْوَى؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " يَدْنُو الْمُؤْمِنُ مِنْ رَبِّهِ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ فَيُقَرِّرَهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ كَذَا؟ فَيَقُولُ: رَبِّ أَعْرِفُ.
مَرَّتَيْنِ.
حَتَّى إِذَا بَلَغَ بِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَبْلُغَ قَالَ: فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا
أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمُ " قَالَ: " فَيُعْطَى صَحِيفَةَ حَسَنَاتِهِ أَوْ كِتَابِهِ بِيَمِينِهِ.
وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ، فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ: أَلَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ " حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: ثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَحْوَهُ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: «كُنَّا نُحَدِّثُ أَنَّهُ لَا يُخْزَى يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ فَيَخْفَى خِزْيُهُ عَلَى أَحَدٍ مِمَّنْ خَلَقَ اللَّهُ أَوِ الْخَلَائِقِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [هود: 19] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ النَّاسَ، عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ، وَالْإِقْرَارِ لَهُ بِالْعُبُودَةِ، وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ دُونَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، وَهُمُ الَّذِينَ
كَانُوا يُفْتِنُونَ عَنِ الْإِسْلَامِ مَنْ دَخَلَ فِيهِ.
﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الأعراف: 45] يَقُولُ: وَيَلْتَمِسُونَ سَبِيلَ اللَّهِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ الَّذِي دَعَا النَّاسَ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ، يَقُولُ: زَيْغًا وَمَيْلًا عَنِ الِاسْتِقَامَةِ.
﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [هود: 19] يَقُولُ: وَهُمْ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَمَاتِ مَعَ صَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَبَغْيِهِمْ إِيَّاهَا عِوَجًا كَافِرُونَ، يَقُولُ: هُمْ جَاحِدُونَ ذَلِكَ مُنْكِرُونَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ
لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ} [هود: 20] يَعْنِي جَلَّ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [هود: 20] هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُمْ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا بِالَّذِينَ يُعْجِزُونَ رَبَّهُمْ بِهَرَبِهِمْ مِنْهُ فِي الْأَرْضِ إِذَا أَرَادَ عِقَابَهُمْ وَالِانْتِقَامَ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ فِي قَبْضَتِهِ وَمُلْكِهِ، لَا يَمْتَنِعُونَ مِنْهُ إِذَا أَرَادَهُمْ، وَلَا يَفُوتُونَهُ هَرَبًا إِذَا طَلَبَهُمْ.
﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [هود: 20] يَقُولُ: وَلَمْ يَكُنْ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ إِذَا أَرَادَ عِقَابَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارٌ يَنْصُرُونَهُمْ مِنَ اللَّهِ، وَيَحُولُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ إِذَا هُوَ عَذَّبَهُمْ، وَقَدْ كَانَتْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا مَنَعَةٌ يَمْتَنِعُونَ بِهَا مِمَّنْ أَرَادَهُمْ مِنَ النَّاسِ بِسُوءٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾ [هود: 20] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يُزَادُ فِي عَذَابِهِمْ، فَيُجْعَلُ لَهُمْ مَكَانَ الْوَاحِدِ اثَنَانِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: 20] فَإِنَّهُ اخْتَلَفَ فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ وَصَفَ اللَّهُ بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُ قَدْ خَتَمَ عَلَى سَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَا يَسْمَعُونَ الْحَقَّ، وَلَا يُبْصِرُونَ حُجَجَ اللَّهِ سَمَاعَ مُنْتَفِعٍ، وَلَا إِبْصَارَ مُهْتَدٍ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ الْسَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: 20] صُمٌّ عَنِ الْحَقِّ فَمَا يَسْمَعُونَهُ، بُكْمٌ فَمَا يَنْطِقُونَ بِهِ، عُمْيٌ فَلَا يُبْصِرُونَهُ، وَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: 20] قَالَ: مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَسْمَعُوا خَبَرًا فَيَنْتَفِعُوا بِهِ، وَلَا يُبْصِرُوا خَيْرًا فَيَأْخُذُوا بِهِ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " أَخْبَرَ اللَّهُ، سُبْحَانَهُ أَنَّهُ حَالَ بَيْنَ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَبَيْنَ طَاعَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ [هود: 20] وَهِيَ طَاعَتُهُ، ﴿وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: 20] وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً﴾ [القلم: 43] " وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [هود: 20] آلِهَةٍ، الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.
وَقَالُوا: مَعْنَى الْكَلَامِ: أُولَئِكَ وَآلِهَتُهُمْ لَمْ يَكُونُوا
مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ، ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: 20] يَعْنِي الْآلِهَةَ أَنَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا سَمْعٌ وَلَا بَصَرٌ.
هَذَا قَوْلٌ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ وَجْهٍ كَرِهْتُ ذِكْرَهُ لِضَعْفِ سَنَدِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، وَلَا يَسْمَعُونَهُ، وَبِمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ، وَلَا يَتَأَمَّلُونَ حُجَجَ اللَّهِ بِأَعْيُنِهِمْ، فَيَعْتَبِرُوا بِهَا.
قَالُوا: وَالْبَاءُ كَانَ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَدْخُلَ، لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: 10] بِكَذِبِهِمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ التَّنْزِيلِ أُدْخِلَتْ فِيهِ الْبَاءُ، وَسُقُوطُهَا جَائِزٌ فِي الْكَلَامِ كَقَوْلِكَ فِي الْكَلَامِ: لَأَجْزِيَنَّكَ مَا عَمِلْتَ وَبِمَا عَمِلْتَ، وَهَذَا قَوْلٌ قَالَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ، مِنْ أَنَّ اللَّهَ وَصَفَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ، بِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَسْمَعُوا الْحَقَّ سَمَاعَ مُنْتَفِعٍ، وَلَا يُبْصِرُونَهُ إِبْصَارَ مُهْتَدٍ، لِاشْتِغَالِهِمْ بِالْكُفْرِ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ مُقِيمِينَ، عَنِ اسْتِعْمَالِ جَوَارِحِهِمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَقَدْ كَانَتْ لَهُمْ أَسْمَاعٌ وَأَبْصَارٌ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [هود: 21] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهُمْ، هُمُ الَّذِينَ غَبَنُوا أَنْفُسَهُمْ
حُظُوظَهَا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.
﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: 24] وَبَطَلَ كَذِبُهُمْ وَإِفْكُهُمْ وَفِرْيَتُهُمْ عَلَى اللَّهِ، بِادِّعَائِهِمْ لَهُ شُرَكَاءَ، فَسَلَكَ مَا كَانُوا يَدْعُونَهُ إِلَهًا مِنْ دُونِ اللَّهِ غَيْرَ مَسْلَكِهِمْ، وَأَخَذَ طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِهِمْ، فَضَلَّ عَنْهُمْ، لِأَنَّهُ سَلَكَ بِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ، وَصَارَتْ آلِهَتُهُمْ عَدَمًا لَا شَيْءَ، لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي الدُّنْيَا حِجَارَةً أَوْ خَشَبًا أَوْ نُحَاسًا، أَوْ كَانَ لِلَّهِ وَلِيًّا، فَسَلَكَ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَذَلِكَ أَيْضًا غَيْرُ مَسْلَكِهِمْ، وَذَلِكَ أَيْضًا ضَلَالٌ عَنْهُمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ [هود: 22] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: حَقًّا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهُمْ فِي الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ، الَّذِينَ قَدْ بَاعُوا مَنَازِلَهُمْ مِنَ الْجِنَانِ بِمَنَازِلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ النَّارِ؛ وَذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ.
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى
أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِمْ، جَرَمْتُ: كَسَبْتُ الذَّنْبَ، وَأَجْرَمْتُهُ، أَنَّ الْعَرَبَ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهَا إِيَّاهُ فِي مَوَاضِعِ الْأَيْمَانِ، وَفِي مَوَاضِعَ «لَا بُدَّ» كَقَوْلِهِمْ: لَا جَرَمَ أَنَّكَ ذَاهِبٌ، بِمَعْنَى: لَا بُدَّ، حَتَّى اسْتَعْمَلُوا ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِ التَّحْقِيقِ فَقَالُوا: لَا جَرَمَ لَيَقُومَنَّ، بِمَعْنَى: حَقًّا لَيَقُومَنَّ، فَمَعْنَى الْكَلَامِ: لَا مَنَعَ عَنْ أَنَّهُمْ، وَلَا صَدَّ عَنْ أَنَّهُمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [هود: 23] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَعَمِلُوا فِي الدُّنْيَا بِطَاعَةِ اللَّهِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْإِخْبَاتِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَأَنَابُوا إِلَى رَبِّهِمْ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثَنِي أَبِي، قَالَ: ثَنِي عَمِّي، قَالَ: ثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: 23] قَالَ: الْإِخْبَاتُ: الْإِنَابَةُ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: 23] يَقُولُ: وَأَنَابُوا إِلَى رَبِّهِمْ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَخَافُوا.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: 23] يَقُولُ: خَافُوا " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: اطْمَأَنُّوا.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وحَدَّثَنِي
الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: 23] قَالَ: اطْمَأَنُّوا " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ.
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: خَشَعُوا.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: 23] الْإِخْبَاتُ: التَّخَشُّعُ وَالتَّوَاضُعُ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ مُتَقَارِبَةُ الْمَعَانِي، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهَا؛ لِأَنَّ الْإِنَابَةَ إِلَى اللَّهِ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ، وَمِنَ الْخُشُوعِ وَالتَّوَاضُعِ لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ، وَالطُّمَأْنِينَةِ إِلَيْهِ مِنَ الْخُشُوعِ لَهُ، غَيْرَ أَنَّ نَفْسَ الْإِخْبَاتِ عِنْدَ الْعَرَبِ الْخُشُوعُ وَالتَّوَاضُعُ.
وَقَالَ: ﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: 23] وَمَعْنَاهُ: أَخْبَتُوا لِرَبِّهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَضَعُ اللَّامَ مَوْضِعَ «إِلَى» و «إِلَى» مَوْضِعَ اللَّامِ كَثِيرًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: 5] بِمَعْنَى: أَوْحَى إِلَيْهَا.
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ وُصِفُوا بِأَنَّهُمْ
عَمَدُوا بِإِخْبَاتِهِمْ إِلَى اللَّهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 82] يَقُولُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهُمْ، هُمْ سُكَّانُ الْجَنَّةِ الَّذِينَ لَا يَخْرُجُونَ عَنْهَا، وَلَا يَمُوتُونَ فِيهَا، وَلَكِنَّهُمْ فِيهَا لَابِثُونَ إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: 24] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَثَلُ فَرِيقَيِ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ، كَمَثَلِ الْأَعْمَى الَّذِي لَا يَرَى بِعَيْنِهِ شَيْئًا، وَالْأَصَمِّ الَّذِي لَا يَسْمَعُ شَيْئًا؛ فَكَذَلِكَ فَرِيقُ الْكُفْرِ لَا يُبْصِرُ الْحَقَّ، فَيَتْبَعَهُ وَيَعْمَلَ
بِهِ؛ لِشُغْلِهِ بِكُفْرِهِ بِاللَّهِ، وَغَلَبَةِ خُذْلَانِ اللَّهِ عَلَيْهِ، لَا يَسْمَعُ دَاعِيَ اللَّهِ إِلَى الرَّشَادِ، فَيُجِيبَهُ إِلَى الْهُدَى فَيَهْتَدِيَ بِهِ، فَهُوَ مُقِيمٌ فِي ضَلَالَتِهِ، يَتَرَدَّدُ فِي حِيرَتِهِ.
وَالسَّمِيعِ وَالْبَصِيرِ، فَكَذَلِكَ فَرِيقُ الْإِيمَانِ أَبْصَرَ حُجَجَ اللَّهِ، وَأَقَرَّ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَالْبَرَاءَةِ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْدَادِ وَنُبُوَّةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَسَمِعَ دَاعِيَ اللَّهِ فَأَجَابَهُ، وَعَمِلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ.
كَمَا: