الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمُسَوَّمَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الرَّاعِيَةُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ [آل عمران: 117] يَقُولُ: «بَرْدٌ»
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " الصِّرُّ: الْبَرْدُ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ [آل عمران: 117] «أَيْ بَرْدٌ شَدِيدٌ» حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي الصِّرِّ: «الْبَرْدُ الشَّدِيدُ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثنا عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ [آل عمران: 117] يَقُولُ: «رِيحٌ فِيهَا بَرْدٌ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ [آل عمران: 117] قَالَ: " صِرٌّ بَارِدَةٌ أَهْلَكَتْ حَرْثَهُمْ، قَالَ: وَالْعَرَبُ تَدَعُوهَا الضَّرِيبَ: تَأْتِي الرِّيحُ بَارِدَةً فَتُصْبِحُ ضَرِيبًا قَدْ أَحْرَقَ الزَّرْعَ، تَقُولُ: «قَدْ ضُرِبَ اللَّيْلَةَ» أَصَابَهُ ضَرِيبُ تِلْكَ الصِّرِّ الَّتِي أَصَابَتْهُ "
حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا جُوَيْبِرٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ [آل عمران: 117] قَالَ: «رِيحٌ فِيهَا بَرْدٌ» يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَمَا فَعَلَ اللَّهُ بِهَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ مَا فَعَلَ بِهِمْ، مِنْ إِحْبَاطِهِ ثَوَابَ أَعْمَالِهِمْ، وَإِبْطَالِهِ أُجُورَهَا ظُلْمًا مِنْهُ لَهُمْ، يَعْنِي: وَضْعًا مِنْهُ لِمَا فَعَلَ بِهِمْ مِنْ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَعِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ، بَلْ وَضَعَ فَعْلَهُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ، وَفَعَلَ بِهِمْ مَا هُمْ أَهْلُهُ؛ لِأَنَّ عَمَلَهُمُ الَّذِي عَمِلُوهُ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ، وَهُمْ لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ دَائِنُونَ وَلِأَمْرِهِ مُتَّبِعُونَ، وَلِرُسُلِهِ مُصَدَّقُونَ، بَلْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَهُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ، وَلِأَمْرِهِ مُخَالِفُونَ، وَلِرُسُلِهِ مُكَذِّبُونَ، بَعْدَ تَقَدُّمٍ مِنْهُ إِلَيْهِمْ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ عَمَلًا مِنْ عَامِلٍ إِلَّا مَعَ إِخْلَاصِ التَّوْحِيدِ لَهُ، وَالْإِقْرَارِ بِنُبُوَّةِ أَنْبِيَائِهِ، وَتَصْدِيقِ مَا جَاءُوهُمْ بِهِ، وَتَوْكِيدِهِ الْحُجَجَ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ بِفِعْلِهِ مَا فَعَلَ بِمَنْ كَفَرَ بِهِ وَخَالَفَ أَمْرَهُ فِي ذَلِكَ بَعْدَ الْإِعْذَارِ إِلَيْهِ مِنْ إِحْبَاطِ وَافِرِ عَمَلِهِ لَهُ ظَالِمًا، بَلْ الْكَافِرُ هُوَ الظَّالِمُ نَفْسَهُ لِإِكْسَابِهَا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَخِلَافِ أَمْرِهِ مَا أَوْرَدَهَا بِهِ نَارَ جَهَنَّمَ وَأَصْلَاهَا بِهِ سَعِيرَ سَقَرَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يِأَلْوُنَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: 118] يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَأَقَرُّوا بِمَا
جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ، ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: 118] يَقُولُ: لَا تَتَّخِذُوا أَوْلِيَاءَ وَأَصْدِقَاءَ
لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ دُونِكُمْ، يَقُولُ: مِنْ دُونِ أَهْلِ دِينِكُمْ وَمِلَّتِكُمْ، يَعْنِي مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّمَا جَعَلَ الْبِطَانَةَ مَثَلًا لِخَلِيلِ الرَّجُلِ فَشَبَّهَهُ بِمَا وَلِيَ بَطْنَهُ مِنْ ثِيَابِهِ لِحُلُولِهِ مِنْهُ فِي اطِّلَاعِهِ عَلَى أَسْرَارِهِ، وَمَا يَطْوِيهِ عَنْ أَبَاعِدِهِ وَكَثِيرٍ مِنْ أَقَارِبِهِ، مَحَلَّ مَا وَلِيَ جَسَدَهُ مِنْ ثِيَابَهُ، فَنَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ أَنْ يَتَّخِذُوا مِنَ الْكُفَّارِ بِهِ أَخِلَّاءَ وَأَصْفِيَاءَ ثُمَّ عَرَّفَهُمْ مَا هُمْ عَلَيْهِ لَهُمْ مُنْطَوُونَ مِنَ الْغِشِّ وَالْخِيَانَةِ، وَبَغْيَهُمْ إِيَّاهُمُ الْغَوَائِلَ، فَحَذَّرَهُمْ بِذَلِكَ مِنْهُمْ عَلَى مُخَالَفَتِهِمْ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: 118] يَعْنِي لَا يَسْتَطِيعُونَ شَرًّا، مِنْ أَلَوْتُ آلُو أُلُوًّا، يُقَالُ: مَا أَلَا فُلَانٌ كَذَا، أَيْ مَا اسْتَطَاعَ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الكامل]
جَهْرَاءُ لَا تَأْلُو إِذَا هِيَ أَظْهَرَتْ ... بَصَرًا وَلَا مِنْ عَيْلَةٍ تُغْنِينِي
يَعْنِي لَا تَسْتَطِيعُ عِنْدَ الظُّهْرِ إِبْصَارًا.
وَإِنَّمَا يَعْنِي جَلَّ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: 118] الْبِطَانَةُ الَّتِي نَهَى الْمُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخَاذِهَا مِنْ دُونِهِمْ، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْبِطَانَةَ لَا تَتْرُكُكُمْ طَاقَتُهَا خَبَالًا: أَيْ لَا تَدَعُ جَهَدَهَا فِيمَا أَوْرَثَكُمُ الْخَبَالَ وَأَصْلُ الْخَبَالِ، وَالْخَبَالُ: الْفَسَادُ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ فِي مَعَانٍ كَثِيرَةٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْخَبَرُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أُصِيبَ بَخَبَلٍ أَوْ جِرَاحٍ»
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: 118] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَدُّوا عَنَتَكُمْ، يَقُولُ: يَتَمَنَّوْنَ لَكُمُ الْعَنَتَ وَالشَّرَّ فِي دِينِكُمْ وَمَا يَسُوءُكُمْ وَلَا يَسُرُّكُمْ.
ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يُخَالِطُونَ حُلَفَاءَهُمْ مِنَ الْيَهُودِ وَأَهْلِ النِّفَاقِ مِنْهُمْ، وَيُصَافُونَهُمُ الْمَوَدَّةَ بِالْأَسْبَابِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَأَنْ يَسْتَنْصِحُوهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِهِمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُوَاصِلُونَ رِجَالًا مِنَ الْيَهُودِ لِمَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْجِوَارِ وَالْحَلِفِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ، فَنَهَاهُمْ عَنْ مُبَاطَنَتِهِمْ تَخَوُّفَ الْفِتْنَةِ عَلَيْهِمْ مِنْهُمْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: 118] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: 119]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: 118] «فِي الْمُنَافِقِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، نَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَوَلَّوْهُمْ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: 118] «نَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَسْتَدْخِلُوا الْمُنَافِقِينَ أَوْ يُؤَاخُوهُمْ، أَيْ يَتَوَلَّوْهُمْ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: 118] «هُمُ الْمُنَافِقُونَ»
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: 118] يَقُولُ: «لَا تَسْتَدْخِلُوا الْمُنَافِقِينَ، تَتَوَلَّوْهُمْ دُونَ الْمُؤْمِنِينَ»
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، وَيَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَا: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَبٍ، عَنِ الْأَزْهَرِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَلَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبِيًّا» قَالَ: فَلَمْ نَدْرِ مَا ذَلِكَ حَتَّى أَتَوُا الْحَسَنَ فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، أَمَّا قَوْلُهُ: «لَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ عَرَبِيًّا» ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمِكُمْ «مُحَمَّدٌ» ؛ وَأَمَّا قَوْلُهُ: «وَلَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ أَهْلِ الشِّرْكِ» ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ الْمُشْرِكِينَ، يَقُولُ: لَا تَسْتَشِيرُوهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِكُمْ، قَالَ: قَالَ الْحَسَنُ: وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: 118]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: 118] " أَمَّا الْبِطَانَةُ: فَهُمُ الْمُنَافِقُونَ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: 118] الْآيَةَ، قَالَ: «لَا يَسْتَدْخِلِ الْمُؤْمِنُ الْمُنَافِقَ دُونَ أَخِيهِ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: 118] الْآيَةَ، قَالَ: " هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونِ، وَقَرَأَ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران: 118] " الْآيَةَ وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: 118] فَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ: وَدُّوا مَا ضَلَلْتُمْ عَنْ دِينِكُمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: 118] يَقُولُ: «مَا ضَلَلْتُمْ»
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: 118] يَقُولُ فِي دِينِكُمْ، يَعْنِي: «أَنَّهُمْ يَوَدُّونَ أَنْ تُعْنَتُوا فِي دِينِكُمْ» فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: 118] فَجَاءَ بِالْخَبَرِ عَنِ الْبِطَانَةِ
بِلَفْظِ الْمَاضِي فِي مَحَلِّ الْحَالِ وَالْقَطْعِ بَعْدَ تَمَامِ الْخَبَرِ، وَالْحَالَاتُ الَّتِي لَا تَكُونُ إِلَّا بِصُوَرِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ الْمُسْتَقْبَلَةِ دُونَ الْمَاضِيَةِ مِنْهَا؟ قِيلَ: لَيْسَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ظَنَنْتَ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: 118] حَالٌ مِنَ الْبِطَانَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَنْهُمْ ثَانٍ، مُنْقَطِعٌ عَنِ الْأَوَّلِ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِهِ، وَإِنَّمَا تَأْوِيلُ الْكَلَامِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةٌ صِفَتُهُمْ كَذَا صِفَتُهُمْ كَذَا، فَالْخَبَرُ عَنِ الصُّفَّةِ الثَّانِيَةِ غَيْرُ مُتَّصِلٍ بِالصِّفَةِ الْأُولَى، وَإِنْ كَانَتَا جَمِيعًا مِنْ صِفَةِ شَخْصٍ وَاحِدٍ.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: 118] مِنْ صِلَةِ الْبِطَانَةِ، وَقَدْ وُصِلَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: 118] فَلَا وَجْهَ لِصِلَةٍ أُخْرَى بَعْدَ تَمَامِ الْبِطَانَةِ بِصِلَتِهِ، وَلَكِنَّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ كَمَا بَيَّنَّا قَبْلُ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: 118] خَبَرٌ مُبْتَدَأٌ عَنِ الْبِطَانَةِ غَيْرُ الْخَبَرِ الْأَوَّلِ، وَغَيْرُ حَالٍ مِنَ الْبِطَانَةِ وَلَا قَطْعٍ مِنْهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران: 118] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: قَدْ بَدَتْ بَغْضَاءُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَهَيْتُكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْ تَتَّخِذُوهُمْ بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ، يَعْنِي بِأَلْسِنَتِهِمْ، وَالَّذِي بَدَا لَهُمْ مِنْهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ إِقَامَتَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَعَدَوَاتُهُمْ مَنْ خَالَفَ مَا هُمْ عَلَيْهِ
مُقِيمُونَ مِنَ الضَّلَالَةِ، فَذَلِكَ مِنْ أَوْكَدِ الْأَسْبَابِ مِنْ مُعَادَاتِهِمْ أَهْلَ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ
عَدَاوَةٌ عَلَى الدِّينِ، وَالْعَدَاوَةُ عَلَى الدِّينِ الْعَدَاوَةُ الَّتِي لَا زَوَالَ لَهَا إِلَّا بِانْتِقَالِ أَحَدِ الْمُتَعادِيَيْنِ إِلَى مِلَّةٍ الْآخَرِ مِنْهُمَا، وَذَلِكَ انْتِقَالٌ مِنْ هُدًى إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَتْ عِنْدَ الْمُنْتَقِلِ إِلَيْهَا ضَلَالَةً قَبْلَ ذَلِكَ، فَكَانَ فِي إِبْدَائِهِمْ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَمُقَامِهِمْ عَلَيْهِ أَبْيَنُ الدَّلَالَةِ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْبَغْضَاءِ وَالْعَدَاوَةِ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران: 118] قَدْ بَدَتْ بَغْضَاؤُهُمْ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَأَهْلِ الْكُفْرِ بِإِطْلَاعِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلَى ذَلِكَ.
وَزَعَمَ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ أَنَّ الَّذِينَ عُنُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ أَهْلُ النِّفَاقِ، دُونَ مَنْ كَانَ مُصَرِّحًا بِالْكُفْرِ مِنَ الْيَهُودِ وَأَهْلِ الشِّرْكِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران: 118] يَقُولُ: «قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِ الْمُنَافِقِينَ إِلَى إِخْوَانِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ، مِنْ غِشِّهِمْ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ وَبُغْضِهِمْ إِيَّاهُمْ»
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران: 118] يَقُولُ: «مِنْ أَفْوَاهِ الْمُنَافِقِينَ» وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا نَهَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِمَّنْ قَدْ عَرَفُوهُ بِالْغِشِّ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَالْبَغْضَاءُ إِمَّا
بِأَدِلَّةٍ ظَاهِرَةٍ دَالَّةٍ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَتِهِمْ، وَإِمَّا بِإِظْهَارِ الْمَوْصُوفِينَ بِذَلِكَ الْعَدَاوَةَ وَالشَّنَآنَ وَالْمُنَاصَبَةَ لَهُمْ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يُثْبِتُوهُ مَعْرِفَةً أَنَّهُ الَّذِي نَهَاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ مُخَالَّتِهِ وَمُبَاطَنَتِهِ، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونُوا نُهُوا عَنْ مُخَالَّتِهِ وَمُصَادَقَتِهِ إِلَّا بَعْدَ تَعْرِيفِهِمْ إِيَّاهُمْ، إِمَّا بِأَعْيَانِهِمْ وَأَسْمَائِهِمْ، وَإِمَّا بِصِفَاتٍ قَدْ عَرَفُوهُمْ بِهَا.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ إِبْدَاءُ الْمُنَافِقِينَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ بَغْضَاءِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى إِخْوَانِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ، غَيْرَ مُدْرِكٍ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ مَعْرِفَةَ مَا هُمْ عَلَيْهِ لَهُمْ مَعَ إِظْهَارِهِمُ الْإِيمَانَ بِأَلْسِنَتِهِمْ لَهُمْ وَالتَّوَدُّدِ إِلَيْهِمْ، كَانَ بَيِّنَّا أَنَّ الَّذِيَ نَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخَاذِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ بِطَانَةً دُونَهُمْ، هُمُ الَّذِينَ قَدْ ظَهَرَتْ لَهُمْ بَغْضَاؤُهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ عَلَى مَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ، فَعَرَفَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ بِالصِّفَةِ الَّتِي نَعَتَهُمُ اللَّهُ بِهَا، وَأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ مِمَّنْ كَانَ لَهُ ذِمَّةٌ وَعَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا الْمُنَافِقِينَ لَكَانَ الْأَمْرُ فِيهِمْ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا، وَلَوْ كَانُوا الْكُفَّارَ مِمَّنْ قَدْ نَاصَبَ الْمُؤْمِنِينَ الْحَرْبَ، لَمْ يَكُنِ الْمُؤْمِنُونَ مُتَّخِذِيهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ بِطَانَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ اخْتِلَافِ بِلَادِهِمْ وَافْتِرَاقِ أَمْصَارِهِمْ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَيَّامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِمَّنْ كَانَ لَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْدٌ وَعَقْدٌ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَالْبَغْضَاءُ: مَصْدَرٌ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودِ: «قَدْ بَدَا الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ» ، عَلَى وَجْهِ التَّذْكِيرِ، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ بِالتَّذْكِيرِ وَلَفْظُهُ لَفْظُ الْمُؤَنَّثِ؛ لِأَنَّ الْمَصَادِرَ تَأْنِيثُهَا لَيْسَ بِالتَّأْنِيثِ اللَّازِمِ، فَيَجُوزُ تَذْكِيرُ مَا خَرَجَ مِنْهَا عَلَى لَفْظِ
الْمُؤَنَّثِ وَتَأْنِيثِهِ، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: 67] وَكَمَا قَالَ: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: 157] وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: 94] ، ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: 73] وَقَالَ: ﴿مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران: 118] وَإِنَّمَا بَدَا مَا بَدَا مِنَ الْبَغْضَاءِ بِأَلْسِنَتِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمَعْنِيَّ بِهِ الْكَلَامُ الَّذِي ظَهَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ، فَقَالَ: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: 118] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَالَّذِي تُخْفِي صُدُورُهُمْ، يَعْنِي صُدُورَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَهَاهُمْ عَنِ اتِّخَاذِهِمْ بِطَانَةً فَتُخْفِيهِ عَنْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَكْبَرُ، يَقُولُ: أَكْبَرُ مِمَّا قَدْ بَدَا لَكُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ مِنَ الْبَغْضَاءِ وَأَعْظَمُ
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: 118] يَقُولُ: «وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ مِمَّا قَدْ أَبَدَوْا بِأَلْسِنَتِهِمْ»
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلُهُ: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: 118] يَقُولُ: «مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ مِمَّا قَدْ أَبَدَوْا بِأَلْسِنَتِهِمْ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: 118] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْآيَاتِ، يَعْنِي بِالْآيَاتِ
الْعِبَرَ، قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ مِنْ أَمْرِ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ نَهَيْنَاكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوهُمُ بِطَانَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ مَا تَعْتَبِرُونَ وَتَتَّعِظُونَ بِهِ مِنْ أَمْرِهِمْ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: 118] يَعْنِي إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ عَنِ اللَّهِ مَوَاعِظَهُ وَأَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، وَتَعْرِفُونَ مَوَاقِعَ نَفْعِ ذَلِكَ مِنْكُمْ وَمَبْلَغَ عَائِدَتِهِ عَلَيْكُمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: هَا أَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ، يَقُولُ: تُحِبُّونَ
هَؤُلَاءِ الْكُفَّارَ الَّذِينَ نَهَيْتُكُمْ عَنِ اتِّخَاذِهِمْ بِطَانَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، فَتَوَدَّونَهُمْ وَتُوَاصِلُونَهُمْ، وَهُمْ لَا يُحِبُّونَكُمْ، بَلْ يَنْتَظِرُونَ لَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْغِشَّ، وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ، وَمَعْنَى الْكِتَابِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعْنَى الْجَمْعِ، كَمَا يُقَالُ: أَكْثَرُ الدِّرْهَمِ فِي أَيْدِيِ النَّاسِ، بِمَعْنَى الدَّرَاهِمِ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: 119] ، إِنَّمَا مَعْنَاهُ: بِالْكُتُبِ كُلِّهَا كِتَابِكُمُ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ، وَكِتَابِهِمُ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَيْهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ.
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ تُؤْمِنُونَ بِالْكُتُبِ كُلِّهَا، وَتَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِينَ نَهَيْتُكُمْ عَنْ أَنْ تَتَّخِذُوهُمْ بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ كُفَّارٌ بِذَلِكَ كُلِّهِ، بِجُحُودِهِمْ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنْ عُهُودِ اللَّهِ إِلَيْهِمْ، وَتَبْدِيلِهِمْ مَا فِيهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ، أَوْلَى بِعَدَاوَتِكُمْ إِيَّاهُمْ، وَبَغْضَائِهِمْ وَغِشِّهِمْ مِنْهُمْ بِعَدَاوَتِكُمْ وَبَغْضَائِكُمْ مَعَ جُحُودِهِمْ بَعْضَ الْكُتُبِ وَتَكْذِيبِهِمْ بِبَعْضِهَا
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: 119] «أَيْ بِكِتَابِكُمْ وَكِتَابِهِمْ، وَبِمَا مَضَى مِنَ الْكُتُبِ قَبْلَ ذَلِكَ، وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِكِتَابِكُمْ، فَأَنْتُمْ أَحَقُّ بِالْبَغْضَاءِ لَهُمْ مِنْهُمْ لَكُمْ» وَقَالَ: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ﴾ وَلَمْ يَقُلْ: «هَؤُلَاءِ أَنْتُمْ» ، فَفَرَّقَ بَيْنَ «هَا، وَأُولَاءِ» بِكِنَايَةِ اسْمِ الْمُخَاطَبِينَ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَذَلِكَ تَفْعَلُ فِي هَذَا إِذَا أَرَادَتْ بِهِ التَّقْرِيبَ وَمَذْهَبُ النُّقْصَانِ لِلَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى تَمَامِ الْخَبَرِ، وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ يُقَالَ لِبَعْضِهِمْ: أَيْنَ أَنْتَ؟ فَيُجِيبُ الْمَقُولُ ذَلِكَ لَهُ: هَا أَنَا ذَا، فَيُفَرِّقُ بَيْنَ التَّنْبِيهِ وَ «ذَا» بِمَكْنِيِّ اسْمِ نَفْسِهِ، وَلَا يَكَادُونَ يَقُولُونَ: هَذَا أَنَا، ثُمَّ يُثَنَّى وَيُجْمَعُ عَلَى ذَلِكَ، وَرُبَّمَا أَعَادُوا حَرْفَ التَّنْبِيهِ مَعَ ذَا، فَقَالُوا: هَا أَنَا هَذَا وَلَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إِلَّا فِيمَا كَانَ تَقْرِيبًا، فَأَمَّا إِذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ التَّقْرِيبِ وَالنُّقْصَانِ، قَالُوا: هَذَا هُوَ، وَهَذَا أَنْتَ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ مَعَ الْأَسْمَاءِ الظَّاهِرَةِ، يَقُولُونَ: هَذَا عَمْرٌو قَائِمًا، إِنْ كَانَ هَذَا تَقْرِيبًا، وَإِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ فِي الْمَكْنِيِّ مَعَ التَّقْرِيبِ تَفْرِقَةً بَيْنَ هَذَا إِذَا كَانَ بِمَعْنَى النَّاقِصِ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى تَمَامٍ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَ بِمَعْنَى الِاسْمِ الصَّحِيحِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: 119] خَبَرٌ لِلتَّقْرِيبِ.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ إِبَانَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ حَالِ الْفَرِيقَيْنِ، أَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ، وَرَحْمَةِ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَرَأْفَتِهِمْ بِأَهْلِ الْخِلَافِ لَهُمْ، وَقَسَاوَةِ قُلُوبِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَغِلْظَتِهِمْ عَلَى أَهْلِ الْإِيمَانِ
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ «فَوَاللَّهِ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُحِبُّ الْمُنَافِقَ وَيَأْوِي لَهُ وَيَرْحَمُهُ، وَلَوْ أَنَّ الْمُنَافِقَ يَقْدِرُ عَلَى مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُ مِنْهُ لَأَبَادَ خَضْرَاءَهُ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: «الْمُؤْمِنُ خَيْرٌ لِلْمُنَافِقِ مِنَ الْمُنَافِقِ لِلْمُؤْمِنِ يَرْحَمُهُ، وَلَوْ يَقْدِرُ الْمُنَافِقُ مِنَ الْمُؤْمِنِ عَلَى مِثْلِ مَا يَقْدِرُ الْمُؤْمِنُ عَلَيْهِ مِنْهُ لَأَبَادَ خَضْرَاءَهُ»
وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمُنَافِقِينَ» حَدَّثَنِي بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: 119] يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَّخِذُوهُمَا بِطَانَةً مِنْ دُونِهِمْ، وَوَصَفَهُمْ بِصِفَتِهِمْ إِذَا لَقُوا الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَعْطَوْهُمْ
بِأَلْسِنَتِهِمْ تَقِيَّةً، حَذَرًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنْهُمْ، فَقَالُوا لَهُمْ: قَدْ آمَنَّا وَصَدَّقْنَا بِمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِذَا هُمْ خَلَوْا فَصَارُوا فِي خَلَاءٍ حَيْثُ لَا يَرَاهُمُ الْمُؤْمِنُونَ، عَضُّوا عَلَى مَا يَرَوْنَ مِنَ ائْتِلَافِ الْمُؤْمِنِينَ، وَاجْتِمَاعِ كَلِمَتِهِمْ، وَصَلَاحِ
ذَاتِ بَيْنَهُمْ، أَنَامِلَهُمْ، وَهِيَ أَطْرَافُ أَصَابِعِهِمْ، تَغَيُّظًا مِمَّا بِهِمْ مِنَ الْمَوْجِدَةِ عَلَيْهِمْ، وَأَسًى عَلَى ظَهْرٍ يُسْنَدُونَ إِلَيْهِ لِمُكَاشَفَتِهِمُ الْعَدَاوَةَ وَمُنَاجَزَتِهِمُ الْمُحَارَبَةَ.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ