الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
[البقرة: 99]
يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ﴾ [البقرة: 99] أَيْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ عَلَامَاتٍ وَاضِحَاتٍ دَالَّاتٍ عَلَى نُبُوَّتِكَ.
وَتِلْكَ الْآيَاتُ هِيَ مَا حَوَاهُ كِتَابُ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خَفَايَا عُلُومِ الْيَهُودِ وَمَكْنُونِ سَرَائِرِ أَخْبَارِهِمْ وَأَخْبَارِ أَوَائِلِهِمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَالنَّبَأُ
عَمَّا تَضَمَّنَتْهُ كُتُبُهُمُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهَا إِلَّا أَحْبَارُهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ، وَمَا حَرَّفَهُ أَوَائِلُهُمْ وَأَوَاخِرُهُمْ وَبَدَّلُوهُ مِنْ أَحْكَامِهِمُ، الَّتِي كَانَتْ فِي التَّوْرَاةِ، فَأَطْلَعَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَكَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ الْآيَاتُ الْبَيِّنَاتُ لِمَنْ أَنْصَفَ نَفْسَهُ وَلَمْ يَدْعُهُ إِلَى إِهْلَاكِهَا الْحَسَدُ وَالْبَغْيُ، إِذْ كَانَ فِي فِطْرَةِ كُلِّ ذِي فِطْرَةٍ صَحِيحَةٍ تَصْدِيقُ مَنْ أَتَى بِمِثْلِ الَّذِي أَتَى بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ الَّتِي وَصَفْتُ مِنْ غَيْرِ تَعَلُّمٍ تَعَلَّمَهُ مِنْ بَشَرٍ وَلَا أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهُ عَنْ آدَمَيٍّ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ رُوِيَ الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [البقرة: 99] يَقُولُ: فَأَنْتَ تَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ وَتُخْبِرُهُمْ بِهِ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَأَنْتَ عِنْدَهُمْ أُمِّيٌّ لَمْ تَقْرَأْ كِتَابًا، وَأَنْتَ تُخْبِرُهُمْ بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ عَلَى وَجْهِهِ.
يَقُولُ اللَّهُ: فَفِي ذَلِكَ لَهُمْ عِبْرَةٌ وَبَيَانٌ وَعَلَيْهِمْ حُجَّةٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ صُورِيَا الْفَطْيُونِيُّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مُحَمَّدُ مَا جِئْتَنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ فَنَتَّبِعَكَ بِهَا.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: 99] "
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ صُورِيَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: 99] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾ [البقرة: 99] وَمَا يَجْحَدُ بِهَا وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْكُفْرِ الْجُحُودُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ هَاهُنَا.
وَكَذَلِكَ بَيَّنَّا مَعْنَى الْفِسْقِ وَأَنَّهُ الْخُرُوجُ عَنِ الشَّيْءِ إِلَى غَيْرِهِ
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ: وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فِيمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ عَلَامَاتٍ وَاضِحَاتٍ تُبَيِّنُ لِعُلَمَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَحْبَارِهِمُ الْجَاحِدِينَ نُبُوَّتَكَ وَالْمُكَذِّبِينَ رِسَالَتَكَ أَنَّكَ لِي رَسُولٌ إِلَيْهِمْ وَنَبِيٌّ مَبْعُوثٌ، وَمَا يَجْحَدُ تِلْكَ الْآيَاتِ الدَّالَّاتِ عَلَى صِدْقِكَ وَنُبُوَّتِكَ الَّتِي أَنْزَلْتُهَا إِلَيْكَ فِي كِتَابِي فَيُكَذِّبَ بِهَا مِنْهُمْ، إِلَّا الْخَارِجُ مِنْهُمْ مِنْ دِينِهِ، التَّارِكُ مِنْهُمْ فَرَائِضِي عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ الَّذِي تَدِينُ بِتَصْدِيقِهِ.
فَأَمَّا الْمُتَمَسِّكُ مِنْهُمْ بِدِينِهِ وَالْمُتَّبِعُ مِنْهُمْ حُكْمَ كِتَابِهِ، فَإِنَّهُ بِالَّذِي أَنْزَلْتُ إِلَيْكَ مِنْ آيَاتِي مُصَدِّقٌ.
وَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 100]
اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي حُكْمِ الْوَاوِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا﴾ [البقرة: 100] فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرِيِّينَ: هِيَ وَاوٌ تُجْعَلُ مَعَ حُرُوفِ الِاسْتِفْهَامِ، وَهِيَ مِثْلُ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [البقرة: 87] قَالَ: وَهُمَا زَائِدَتَانِ فِي هَذَا الْوَجْهِ، وَهِيَ مِثْلُ الْفَاءِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ:
فَاللَّهِ لَتَصْنَعَنَّ كَذَا وَكَذَا، وَكَقَوْلِكَ لِلرَّجُلِ: أَفَلَا تَقُومُ؛ وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الْفَاءَ وَالْوَاوَ هَهُنَا حَرْفَ عَطْفٍ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفِيِّينَ: هِيَ حَرْفُ عَطْفٍ أُدْخِلَ عَلَيْهَا حَرْفُ الِاسْتِفْهَامِ.
وَالصَّوَابُ فِي ذَلِكَ عِنْدِي مِنَ الْقَوْلِ أَنَّهَا وَاوُ عَطْفٍ أُدْخِلَتْ عَلَيْهَا أَلِفُ الِاسْتِفْهَامِ، كَأَنَّهُ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: 93] ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 100] ثُمَّ أَدْخَلَ أَلِفَ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى وَكُلَّمَا، فَقَالَ: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: 93] ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 100] وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَرْفٌ لَا مَعْنَى لَهُ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَةِ الْبَيَانِ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْوَاوَ وَالْفَاءَ مِنْ قَوْلِهِ
﴿أَوَكُلَّمَا﴾ [البقرة: 100] وَ ﴿أَفَكُلَّمَا﴾ [البقرة: 87] زَائِدَتَانَ لَا مَعْنَى لَهُمَا.
وَأَمَّا الْعَهْدُ: فَإِنَّهُ الْمِيثَاقُ الَّذِي أَعْطَتْهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ رَبَّهُمْ لَيَعْمَلُنَّ بِهَا فِي التَّوْرَاةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، ثُمَّ نَقَضَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى.
فَوَبَّخَهُمْ جَلَّ ذِكْرُهُ بِمَا كَانَ مِنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَعَيَّرَ بِهِ أَبْنَاءَهُمْ إِذْ سَلَكُوا مِنْهَاجَهُمْ فِي بَعْضِ مَا كَانَ جَلَّ ذِكْرُهُ أَخَذَ عَلَيْهِمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ فَكَفَرُوا وَجَحَدُوا مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ نَعْتِهِ وَصِفَتِهِ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَوَكُلَّمَا عَاهَدَ الْيَهُودُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رَبَّهُمْ عَهْدًا وَأَوْثَقُوهُ مِيثَاقًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ فَتَرَكَهُ وَنَقَضَهُ؟
كَمَا حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " قَالَ مَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ حِينَ بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ لَهُمْ مَا أَخَذَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمِيثَاقِ وَمَا عَهِدَ اللَّهِ إِلَيْهِمْ فِيهِ: وَاللَّهِ مَا عَهِدَ إِلَيْنَا فِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا أَخَذَ لَهُ عَلَيْنَا مِيثَاقًا.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 100] " حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، مَوْلَى آلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَوْ عَنْ
سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَمَّا النَّبْذُ فَإِنَّ أَصْلَهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الطَّرْحُ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْمَلْقُوطِ: الْمَنْبُوذُ؛ لِأَنَّهُ مَطْرُوحٌ مَرْمِيٌّ بِهِ، وَمِنْهُ سُمِّيَ النَّبِيذُ نَبِيذًا، لِأَنَّهُ زَبِيبٌ أَوْ تَمْرٌ يُطْرَحُ فِي وِعَاءٍ ثُمَّ يُعَالَجُ بِالْمَاءِ.
وَأَصْلُهُ مَفْعُولٌ صُرِفَ إِلَى فَعِيلٍ، أَعْنِي أَنَّ النَّبِيذَ أَصْلُهُ مَنْبُوذٌ ثُمَّ صُرِفَ إِلَى فَعِيلٍ، فَقِيلَ نَبِيذٌ كَمَا قِيلَ كَفٌّ خَضِيبٌ وَلِحْيَةٌ دَهِينٌ، يَعْنِي مَخْضُوبَةً وَمَدْهُونَةً؛ يُقَالُ مِنْهُ: نَبَذْتُهُ أَنْبُذُهُ نَبْذًا، كَمَا قَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ:
[البحر الطويل]
نَظَرْتَ إِلَى عُنْوَانِهِ فَنَبَذْتَهُ ... كَنَبْذِكَ نَعْلَا أَخْلَقَتْ مِنْ نِعَالِكَا فَمَعْنَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 100] طَرَحَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ فَتَرَكَهُ وَرَفَضَهُ وَنَقَضَهُ
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 100] يَقُولُ: نَقَضَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: " قَوْلُهُ: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 100] قَالَ: لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ عَهْدٌ يُعَاهِدُونَ عَلَيْهِ إِلَّا نَقَضُوهُ، وَيُعَاهِدُونَ الْيَوْمَ وَيَنْقُضُونَ غَدًا " قَالَ: وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: «نَقَضَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ»
وَالْهَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿نَبَذَهُ﴾ [البقرة: 100] مِنْ ذِكْرِ الْعَهْدِ، فَمَعْنَاهُ: أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَ ذَلِكَ الْعَهْدَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ.
وَالْفَرِيقُ الْجَمَاعَةُ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ بِمَنْزِلَةِ الْجَيْشِ وَالرَّهْطِ الَّذِي لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ.
وَالْهَاءُ وَالْمِيمُ اللَّتَانِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 75] مِنْ ذِكْرِ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 100] فَإِنَّهُ يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ: بَلْ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كُلَّمَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَهْدًا وَوَاثَقُوهُ مَوْثِقًا نَقَضَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ.
وَلِذَلِكَ وَجْهَانِ مِنَ التَّأْوِيلِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ دَلَالَةً عَلَى الزِّيَادَةِ وَالتَّكْثِيرِ فِي عَدَدِ الْمُكَذِّبِينَ النَّاقِضِينَ عَهْدَ اللَّهِ عَلَى عَدَدِ
الْفَرِيقِ، فَيَكُونَ الْكَلَامُ حِينَئِذٍ مَعْنَاهُ: أَوَكُلَّمَا عَاهَدَتِ الْيَهُودُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رَبَّهَا عَهْدًا نَقَضَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ ذَلِكَ الْعَهْدَ؟ لَا مَا يَنْقُضُ ذَلِكَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّ الَّذِي يَنْقُضُ ذَلِكَ فَيَكْفُرُ بِاللَّهِ أَكْثَرُهُمْ لَا الْقَلِيلُ مِنْهُمْ.
فَهَذَا أَحَدُ وَجْهَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: أَوَكُلَّمَا عَاهَدَتِ الْيَهُودُ رَبَّهَا عَهْدًا نَبَذَ ذَلِكَ الْعَهْدَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ؟ لَا مَا يَنْبُذُ ذَلِكَ الْعَهْدَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ فَيَنْقُضُهُ عَلَى الْإِيمَانِ مِنْهُمْ بِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ لَهُمْ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يُصَدِّقُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَلَا وَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ.
وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا عَلَى مَعْنَى الْإِيمَانِ وَأَنَّهُ التَّصْدِيقُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: 101]